وضع فوزي لقجع عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، مسالك توزيع المواد الاستهلاكية في قلب معادلة مواجهة غلاء الأسعار، معتبرا أن معالجة كلفة المعيشة لا يمكن أن تقتصر على دعم القدرة الشرائية بل تمر أيضا عبر التدخل في بنية السوق وتقليص حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك.
وجاء ذلك، خلال لقاء انتخابي احتضنته مدينة القنيطرة مساء الاثنين حيث بسط لقجع جزءا من التصور الاقتصادي والاجتماعي الذي يتقدم به حزب الأصالة والمعاصرة لانتخابات 23 شتنبر، رابطا بين ضبط مسالك التوزيع من جهة، وزيادة الدخل المتاح للأسر عبر المعاشات والدعم الاجتماعي وضريبة الدخل من جهة ثانية.
وفي ملف الأسعار، قال لقجع إن ارتفاع كلفة المعيشة يفرض معالجة طريقة انتقال المواد من مناطق الإنتاج إلى المستهلك، معلنا عن تصور يقوم على إحداث شركات جهوية تتولى تنظيم توزيع المنتجات ونقلها وتطوير شبكاتها، في محاولة لتقليص عدد المتدخلين بين المنتج ونقطة البيع والحد من الزيادات التي تتراكم على السعر النهائي.
ويحدد البرنامج الانتخابي الرسمي للحزب هذا التصور في ست شركات جهوية للتوزيع الفلاحي بالمناطق الفلاحية الكبرى، هي سوس وتادلة والغرب واللوكوس ودكالة عبدة والشرق إلى جانب عصرنة أسواق الجملة، وإحداث بنيات للتبريد، واعتماد التتبع الرقمي للمعاملات.
ويقدر البرنامج أن حصة الوسطاء قد تصل، بحسب معطياته، إلى ما بين 60 و80 في المائة من السعر النهائي لبعض المنتجات.
وبحسب لقجع، فإن التصور لا يقوم على إقصاء التجار من المنظومة الجديدة، إذ تحدث عن فتح المجال أمام الراغبين منهم للمساهمة في هذه الشركات عبر الأسهم، وفق قواعد واضحة، بما ينقل جزءا من نشاط التوزيع من حلقات وساطة متعددة إلى بنية منظمة يمكن تتبع مسار السلع وهوامشها.
ومن الأسعار انتقل لقجع إلى الدخل، واضعا المتقاعدين ضمن الفئات التي تستهدفها الإجراءات الاجتماعية المقترحة. وقال إن الحزب يقترح رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم شهريا، مستحضرا أوضاع متقاعدين قضوا سنوات في العمل قبل أن يجدوا أنفسهم أمام معاشات محدودة لا تساير كلفة المعيشة.
ووضع الأرامل بدورهن ضمن هذا التصور، من خلال تحسين استفادتهن من معاش الزوج بعد وفاته، بهدف ضمان دخل أكبر للأسرة بعد فقدان المعيل.
أما بالنسبة إلى الأجراء، فطرح لقجع ورش مراجعة الضريبة على الدخل باعتباره أحد المداخل المباشرة لتحسين الأجر الصافي دون انتظار زيادة في الأجر الخام. وتحدث عن إعادة النظر في الجدول الضريبي المطبق على أجور العاملين في القطاعين العام والخاص، بما يسمح بتقليص الاقتطاعات وترك جزء أكبر من الأجر في دخل الأسرة.
وبحسب الأرقام التي قدمها خلال اللقاء، يمكن أن يصل الأثر الشهري لهذه المراجعة بالنسبة إلى بعض مستويات الأجور إلى ما بين 1500 و4000 درهم، تبعا للدخل وحجم الاقتطاعات. ويظل هذا الرقم مرتبطا بالصيغة التي عرضها لقجع خلال اللقاء وبالفئات المعنية بكل شريحة ضريبية.
وفي الشق المتعلق بالأسر ذات الدخل المحدود، توقف لقجع عند الدعم الاجتماعي المباشر، مقدما مقترح الحزب برفع الحد الأدنى للمساعدة إلى 1000 درهم شهريا، لكنه ربط توسيع أثر الدعم بمراجعة الطريقة التي تحدد بها الأسر المستحقة للاستفادة.
وانتقد في هذا السياق اعتماد بعض الممتلكات البسيطة ضمن العناصر المؤثرة في تحديد أهلية الأسر، مستحضرا حالة المواطن الذي يمتلك دراجة أو دراجة نارية يستخدمها للوصول إلى عمله أو ممارسة نشاط يدر عليه دخلا محدودا.
وبالنسبة إلى لقجع، فإن امتلاك وسيلة عمل بسيطة لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لإخراج الأسرة من منظومة الدعم، معتبرا أن المعيار الذي ينبغي أن تكون له الأولوية هو الدخل الحقيقي للأسرة ووضعيتها الاجتماعية.
وذهب إلى أبعد من ذلك في طرحه لاستمرارية المساعدة، معتبرا أن حصول رب الأسرة على فرصة عمل أو شروعه في نشاط اقتصادي لا يعني بالضرورة أن وضعيته المادية أصبحت تسمح له بالاستغناء الفوري عن الدعم. ووفق التصور الذي قدمه، يفترض أن ترافق المساعدة الأسرة خلال مرحلة الانتقال إلى أن يتحسن دخلها بما يكفي للخروج من دائرة الاستفادة.
ويرتبط هذا المنطق، في خطاب لقجع، بملف تشغيل الشباب، حيث قال إن المقاربة التي يتبناها الحزب لا تقف عند توفير التكوين أو التمويل، وإنما تقوم على المواكبة من مرحلة التأهيل إلى دخول سوق الشغل.
وبالنسبة إلى الشباب الراغبين في إنشاء مقاولاتهم، تحدث لقجع عن الجمع بين التمويل والتأطير والمواكبة التقنية والمالية، انطلاقا من أن توفير المال في بداية المشروع لا يضمن وحده استمراره، وأن السنوات الأولى تحتاج إلى متابعة تساعد المقاول الشاب على تجاوز الصعوبات المرتبطة بالتدبير والسوق.
وفي مقابل الإجراءات المرتبطة بالدخل والشغل، خصص لقجع جزءا من مداخلته للخدمات العمومية، وفي مقدمتها الصحة. واعتبر أن توسيع التغطية الصحية يفقد جزءا كبيرا من أثره عندما يتوجه المواطن إلى المستشفى ولا يجد الطبيب أو الدواء أو الخدمة التي يحتاجها.
ووضع بذلك فارقا بين التوفر على التغطية الصحية والولوج الفعلي إلى العلاج، داعيا إلى الاشتغال على إصلاح المستشفى العمومي بالتوازي مع استكمال إدماج الأسر المستحقة في منظومة الحماية الصحية.
ومن الصحة إلى المدرسة، ربط لقجع إصلاح القطاعين ببناء الدولة الاجتماعية، معتبرا أن التعليم لا يمكن فصله عن قدرة المجتمع على إدماج الأطفال والشباب وإعدادهم للحياة المهنية والاجتماعية.
وبهذا المعنى، قدم لقجع مفهوما للدولة الاجتماعية يتجاوز تحويل الدعم المالي إلى الأسر، ليشمل، إلى جانب الحماية الاجتماعية، مستشفى قادرا على تقديم العلاج ومدرسة قادرة على التكوين وخدمات عمومية يستفيد منها المواطن بصورة فعلية.
أما على مستوى تمويل هذه الالتزامات، فيحدد البرنامج الرسمي لحزب الأصالة والمعاصرة كلفته الإجمالية في نحو 350 مليار درهم على امتداد الولاية الخماسية، موزعة على خمسة مواثيق، بينها 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و50 مليارا لإدماج الشباب، و100 مليار لميثاق المواطنة، و50 مليارا لميثاق الأمان، إلى جانب ميثاق النمو والاستدامة باعتباره الإطار الاقتصادي لتنفيذ الالتزامات.
وكان لقجع قد حدد، في محطة سابقة من الحملة ببركان، المجهود المالي المطلوب لتنفيذ البرنامج في نحو 70 مليار درهم سنويا، وهو ما يعادل 350 مليار درهم على خمس سنوات.
كما يربط البرنامج تمويل هذه الالتزامات بتطور موارد الدولة والحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، فيما قدم لقجع خلال محطات حملته هذه الإجراءات باعتبارها جزءا من تصور يجمع بين التدخل الاجتماعي وتحريك الاقتصاد، وليس مجموعة إجراءات منفصلة.
ومن القنيطرة، أعاد لقجع ترتيب هذا التصور انطلاقا من الحلقة الأقرب إلى الحياة اليومية للمغاربة، السعر الذي يدفعه المواطن عند شراء حاجياته، والدخل الذي يبقى في أجره، والمعاش الذي يتقاضاه بعد التقاعد، والدعم الذي يصل إلى الأسرة، ثم المدرسة والمستشفى وفرصة الشغل باعتبارها المكونات التي يربط بها الحزب تصوره للدولة الاجتماعية.











