يواصل المغرب تعزيز ترسانته العسكرية وتنويع قدراته في مجال الضربات الدقيقة بعيدة المدى، بالتوازي مع بناء صناعة دفاعية محلية تستند إلى توطين التكنولوجيا وتطوير الشراكات مع الشركات الدولية، من خلال معرض مراكش الدولي للطيران 2026، الذي يشكل منصة لهذا التوجه، إذ تتقاطع فيه مباحثات اقتناء منظومات متقدمة مع مشاريع لتطوير المعدات العسكرية وإنتاجها داخل المملكة، بما يدعم مساعي الرباط لتعزيز سيادتها الدفاعية وتوسيع قدراتها الصناعية.
وتبرز في هذا السياق المفاوضات المتقدمة بشأن اقتناء صواريخ “لورا” الإسرائيلية، بحسب صحيفة “كالكاليست”، إلى جانب توقيع رسالة نوايا لتطوير منظومة “إيريفي” الهجومية، ذات المدى المعلن البالغ 2000 كيلومتر، وإنتاجها في المغرب بشراكة مع “هارماتان إيه آي” الفرنسية.
وتندرج هذه التحركات ضمن توجه أكده الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، يجمع بين تحديث التجهيزات العسكرية وبناء قدرة إنتاج وطنية تستهدف تلبية احتياجات القوات المسلحة الملكية وفتح آفاق للتصدير.
“كالكاليست”: مفاوضات مغربية لشراء صواريخ “لورا”
دخل المغرب مرحلة متقدمة من المفاوضات بشأن اقتناء صواريخ باليستية دقيقة من طراز “لورا”، الذي تطوره شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية “IAI”، في خطوة من شأنها، في حال إتمامها، أن توسع قدرات المغرب في مجال الضربات الدقيقة بعيدة المدى.
وكشفت صحيفة صحيفة “كالكاليست“، اليوم الخميس، استنادا إلى مصادر دفاعية إسرائيلية، أن المفاوضات بين الجانبين توصف بأنها “جدية وفي مرحلة متقدمة جدا”، مشيرة إلى أن قيمة الصفقة المحتملة لم تحدد بعد.
ويأتي الكشف عن هذه المفاوضات بالتزامن مع مشاركة شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية في معرض مراكش للطيران 2026، الذي انطلقت فعالياته في 7 أكتوبر الجاري، حيث تعرض الشركة مجموعة من الأنظمة والتقنيات الدفاعية، من بينها منظومة “لورا” للضربات الدقيقة.
وتقول الشركة إن مشاركتها في المعرض تستهدف، إلى جانب عرض منتجاتها، البحث عن فرص للتعاون المحلي والشراكات الصناعية وتبادل المعرفة ونقل التكنولوجيا.

“لورا”.. منظومة للضربات الدقيقة بعيدة المدى
وتعد لورا من أبرز أنظمة الضربات الدقيقة التي تطورها الصناعات الجوية الإسرائيلية، وهي منظومة أرض-أرض طويلة المدى، صممت لتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف استراتيجية على مسافات بعيدة.
وبحسب “كالكاليست”، يصل مدى الصاروخ إلى نحو 500 كيلومتر، مع إمكانية إطلاقه من منصات برية أو من السفن الحربية أو من الطائرات، ما يمنحه مرونة تشغيلية واسعة.
وتصف شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية لورا بأنها منظومة ضربات دقيقة بعيدة المدى وقادرة على التعامل مع أهداف استراتيجية في عمق أراضي الخصم.
وتكتسب المنظومة أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة القدرات التي توفرها في مجال الضربات بعيدة المدى، إذ إن امتلاك مثل هذه المنظومة يتيح توسيع نطاق الخيارات المتاحة أمام القوات المسلحة في التعامل مع أهداف تقع على مسافات بعيدة، مع الاعتماد على الذخائر الموجهة بدقة.
وكانت الصناعات الجوية الإسرائيلية قد أجرت، قبل أسابيع، تجربة إطلاق لصاروخي لورا من البحر، في إطار اختبار قدرات المنظومة، في وقت أبدت فيه البحرية الألمانية اهتماما بالنظام.
ويحظى ظهور لورا في معرض مراكش للطيران بأهمية خاصة، بالنظر إلى أن المعرض يشكل منصة تجمع شركات الصناعات الجوية والدفاعية الدولية مع فاعلين ومؤسسات من المغرب والمنطقة.
وكشفت شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية في وقت سابق أنها تعرض في معرض مراكش الدولي للطيران حزمة من الحلول الدفاعية والجوية والفضائية، من بينها لورا وHeron MK II ومنظومات للدفاع الجوي وتقنيات OPAL للقتال التعاوني، فضلا عن خدمات صيانة الطائرات وتحويل طائرات الركاب إلى طائرات شحن.
قدرات مغربية تتوسع
ويأتي الحديث عن “لورا” في سياق توسع القدرات الدفاعية المغربية وتنوع مصادر التسلح، حيث سبق للمغرب أن اقتنى أنظمة إسرائيلية في مجالات مختلفة، من بينها منظومة “PULS” للمدفعية الصاروخية، فيما تحدثت تقارير عن اهتمام المملكة بمجموعة أخرى من الأنظمة الدفاعية والهجومية.
ويظهر هذا المسار توجها نحو تنويع القدرات، وعدم حصر منظومة التسلح المغربية في فئة واحدة من الأنظمة أو في مصدر واحد للتجهيزات الدفاعية، كما يتزامن ذلك مع تطور الصناعة الدفاعية داخل المغرب، سواء من خلال إقامة منشآت للإنتاج أو تطوير شراكات مع شركات دولية.
وفي هذا الإطار، كشفت تقارير إعلامية متطابقة أن شركة “Moroccan Military Industry (MMI)” تستعد لبدء تسليم أبراج مدرعة للقوات المسلحة الملكية في مارس 2027، فيما تعمل على تطوير منشآت لإنتاج الذخيرة وأنظمة أخرى.

“إيريفي”.. منظومة استهداف بمدى 2000 كيلوميتر
في سياق متصل، اختار المغرب معرض مراكش الدولي للطيران للإعلان عن مشروع يوسّع طموحاته في التسلح والتصنيع الدفاعي، عبر تطوير منظومة “إيريفي” للهجوم بعيد المدى بشراكة مع شركة “هارماتان إيه آي” الفرنسية.
وتفتح منظومة “إيريفي” بمدى معلن يصل إلى 2000 كيلومتر، أمام القوات المسلحة الملكية إمكانية امتلاك قدرة جديدة على الضرب في العمق، بالتوازي مع بناء خبرة محلية في الأنظمة المستقلة والذكاء الاصطناعي العسكري.
وجاء الإعلان خلال افتتاح الدورة الثامنة من المعرض، المنعقدة بين 7 و10 أكتوبر 2026 في القاعدة الجوية بمراكش، بعدما وقّعت رسالة نوايا تتعلق باقتناء منظومة “إيريفي” وتطويرها وإنتاجها في المغرب، بحضور عبد اللطيف لوديي، الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، إلى جانب مسؤولي الشركة.
ومن الجانب الصناعي، برز معاذ المغاري، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لـ”هارماتان”، وأمير بنمحجوب، المدير العام لفرعها المغربي.
وكانت هارماتان قد كشفت عن المنظومة على موقعها في 06 أكتوبر الجاري، قبل إعلان الشراكة المغربية في المعرض.
وتقدم “إيريفي” بوصفها نظاما للضربات في العمق، يستهدف أداء مهمات بعيدة عن خطوط المواجهة، وتشمل الوظائف التي تسوقها الشركة التعامل مع أهداف عسكرية في الخلف، مثل مراكز القيادة والمطارات العسكرية ومخازن الإمداد.

وسيلة هجوم في اتجاه واحد
وتشكل منظومة “إيريفي” وسيلة هجومية أحادية الاتجاه، أي إنها تستهلك في المهمة، وليست طائرة استطلاع يفترض أن تعود بعد كل هجوم، وتصفها الشركة بأنها قابلة للاستهلاك القتالي، وهو مفهوم يقوم على إمكان إنتاج وسيلة يمكن تحمّل فقدانها مقارنة بمنصات عالية القيمة.
وتتمثل أبرز خصائص “إيريفي” في تنفيذ المهمة بصورة مستقلة بعد اعتمادها بشريا، وتعرض الشركة سلسلة قرار تبدأ بتحديد الأهداف ومعايير المهمة، ثم الموافقة عليها على مستوى القيادة، تليها موافقة نهائية على الإطلاق، وبعد ذلك تتولى المنظومة التنفيذ ضمن الحدود المعتمدة، وبذلك تسند إليها مهمة الطيران والتوجيه، بينما يبقى اختيار الهدف والترخيص باستخدام السلاح من اختصاص بشري، وفق وصف المصنع.
وتسعى هارماتان إلى جعل “إيريفي” قادرة على مواصلة المهمة المعتمدة باستخدام قدرات المعالجة والاستشعار المحمولة على متنها في البيئات التي تتعرض فيها الاتصالات للتشويش أو الانقطاع، إذ تؤكد الشركة أن نظام الملاحة المستقل لا يعتمد على إشارات منظومات الملاحة العالمية بالأقمار الصناعية.
وينتظر تطوير المكونات التكنولوجية الحيوية للمنظومة الجديدة وإنتاجها على التراب المغربي، بالاعتماد أساسا على كفاءات مغربية، ما يمنح المهندسين المحليين دورا في تطوير المنظومة نفسها.
ويعود إطار التعاون بين الشركة والمغرب إلى 17 يونيو 2026، حين أعلنت هارماتان شراكة استراتيجية مع القوات المسلحة الملكية، وحددت أهدافا تشمل إنشاء قدرات لتصنيع أنظمة دفاع مستقلة في المغرب، وإقامة مركز للبحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي الدفاعي، وتطوير التعاون مع مؤسسات التعليم العالي والبحث المغربية.
توطين التكنولوجيا لتعزيز السيادة الدفاعية
قال الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، أمس الأربعاء بمراكش، إن المملكة حرصت على تطوير الصناعة الدفاعية، بدءا بإقرار ترسانة قانونية شكلت اللبنة الأساسية التي مهدت لدخول المغرب في مجال الصناعات العسكرية، وصولا إلى إحداث مناطق صناعية للدفاع بمواصفات لوجستيكية وخدمات متطورة تستجيب لخصوصية هذه الصناعات.
وأوضح في كلمة خلال الجلسة الافتتاحية للدورة الثامنة لمعرض مراكش الدولي للطيران، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أنه من أجل تشجيع هذه الصناعات، التي تندرج ضمن الاستثمارات ذات الطابع الاستراتيجي، تم إقرار مجموعة من التدابير التحفيزية والحرص على المواكبة الشاملة للمستثمرين، وهو ما أفضى إلى تعزيز جاذبية الاستثمارات.
وتابع أن هذه الدينامية توجت بإطلاق عدة مشاريع صناعية مع شركاء دوليين متنوعين، من أجل إنتاج وتوفير وإعداد تجهيزات وخدمات عسكرية موجهة لتلبية الطلب الداخلي للمملكة وكذا للتصدير.
وعلاوة على هذه التدابير والإجراءات الهادفة إلى تطوير الصناعة الدفاعية، أبرز لوديي أن المملكة تتميز باستقرار أمني واقتصادي متين، وبموقع جغرافي يربط بين الدول العربية والإفريقية وأوروبا، وإطلالة على المحيط الأطلسي.
واعتبر أن هذه المؤهلات تجعل من المملكة وجهة ذات جاذبية وتنافسية في هذه الصناعات، في ظل الدينامية التنموية التي تعرفها البلاد تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، مؤكدا أن الصناعة الدفاعية الوطنية تراهن على جذب الاستثمار الخارجي وتوطين التكنولوجيا المتعلقة بالمجال العسكري، مع تعبئة الفاعلين العموميين والخواص المحليين للدخول في شراكات مع المستثمرين الأجانب.
وشدد على أن قطاع الصناعات الدفاعية في المغرب يحظى بدعم من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مذكرا بأن جلالته أكد في خطابه بمناسبة الذكرى الـ27 لاعتلاء عرش أسلافه المنعمين، أن إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية ستساهم تدريجيا في تعزيز السيادة الدفاعية وخلق فرص التنمية وترسيخ مكانة البلاد كقوة إقليمية في هذه الصناعات.
وأكد لوديي أن “عزم المملكة المغربية كبير على تطوير هذا القطاع وتعبئة الجهود والطاقات الكافية للارتقاء به إلى مستوى رافعة حقيقية لتعزيز علاقاتها مع شركائها، والانتقال من منطق استيراد القدرات الدفاعية إلى بناء قدرة وطنية وسيادة دفاعية، وترسيخ مكانة المملكة في هذا المجال”.











