لم تكن ليلة السبت عادية في عدد من الأحياء الشعبية بالحي الحسني في الدار البيضاء، فمع حلول المساء خرجت الحملة الانتخابية من المقرات والملصقات والمنصات إلى الأزقة، وتحولت شوارع وأحياء الدائرة إلى مسار طويل لقافلة انتخابية يقودها صلاح الدين الشنكيطي، وكيل لائحة حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أيام قليلة من اقتراع 23 شتنبر.
نساء وشباب ومناضلات ومناضلون يتقدمون الموكب، موسيقى تتعالى بين محطة وأخرى وشعارات انتخابية تسبق وصول المرشح إلى الأزقة التي اختار أن يخوض فيها جزءا من معركته للحفاظ على المقعد البرلماني الذي شغله خلال الولاية التشريعية 2021-2026 وبين كل ذلك، كان سكان يخرجون إلى أبواب المنازل والمحلات، وآخرون يتوقفون على جنبات الطريق لمتابعة القافلة أو الاقتراب من المرشح والحديث إليه.
انطلقت الجولة من أمام مقر الحزب بالحي الحسني، لكن وجهتها حملت دلالة انتخابية واضحة، دوار الشهوبة، ثم دوار أحمر، فالأزهر وحي الزوبير، مناطق لا تختزل رهاناتها في الخطاب السياسي العام، بل تضع أمام المرشحين ملفات شديدة الالتصاق بالحياة اليومية، من السكن وإعادة الإيواء إلى النقل والصحة والتعليم والنظافة والطرق والمرافق العمومية، فضلا عن التشغيل وقضايا الشباب. وهي ملفات حضرت أيضا في لقاءات الشنكيطي الميدانية خلال الحملة الحالية.
حملة تمشي على الأقدام
داخل الأزقة، لم تكن المسافة كبيرة بين المرشح والناس، كان الشنكيطي يتوقف كلما تجمع حوله عدد من السكان يصافح هذا، يستمع إلى آخر، ويتبادل الحديث مع مواطنين وجدوا في مرور القافلة فرصة لوضع مطالب الحي مباشرة أمام وكيل اللائحة.
ومع تقدم الموكب كانت الشعارات ترتفع، فيما أضفت الألعاب النارية على بعض محطات الجولة طابعا احتفاليا غير أن المشهد لم يبق محصورا في التعبئة الحزبية ففي أكثر من نقطة تحولت الجولة إلى حلقات صغيرة للنقاش، يشرح خلالها الشنكيطي ما يقترحه حزبه بينما يعيد السكان النقاش إلى ما يعنيهم مباشرة داخل أحيائهم، مواطنين تفاعلوا مع المرشح وأثاروا أمامه مطالبهم وانتظاراتهم من الاستحقاق التشريعي.
بالنسبة إلى الشنكيطي، لا يتعلق الأمر بوافد جديد على الدائرة يبحث عن تقديم نفسه للناخبين للمرة الأولى، فهو يخوض انتخابات 2026 بعد تجربة برلمانية امتدت من 2021 إلى 2026، إلى جانب مسؤوليته المحلية نائبا لرئيس مقاطعة الحي الحسني، وهو ما يجعل حملته الحالية أقرب إلى اختبار للحصيلة والاستمرارية منها إلى حملة تعريف بمرشح جديد.
وهذه النقطة تحديدا حضرت في خطابه خلال الجولة، فقد شدد أمام السكان على أن المنتخب لا ينبغي أن يظهر فقط في زمن الانتخابات، مؤكدا أنه سيواصل الدفاع عن مصالح ساكنة الحي الحسني سواء من موقعه داخل المقاطعة أو في حال تجديد الثقة فيه، من داخل مجلس النواب.
الدواوير تضع السكن في قلب الجولة
مرور الموكب من دوار الشهوبة ودوار أحمر لم يكن مجرد اختيار لمسار انتخابي، فملف السكن وإعادة إيواء قاطني التجمعات الصفيحية ظل واحدا من الملفات المطروحة داخل الحي الحسني، وسبق للشنكيطي نفسه أن دخل النقاش بشأنه بصفته منتخبا محليا ونائبا برلمانيا.
وفي يونيو الماضي، وبعد مطالب بتسريع ترحيل دواوير وتجمعات صفيحية بالدار البيضاء، قال الشنكيطي إن المقاربة المعتمدة في برنامج إعادة الإيواء بالحي الحسني تقوم على محاولة الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي للأسر المستفيدة وإعادة إسكانها داخل تراب الحي الحسني بدل نقلها إلى مناطق بعيدة خارج العمالة.
لذلك، عندما وصلت القافلة إلى هذه المناطق، كان النقاش الانتخابي يلتقي بملف يعرفه السكان عن قرب ماذا بعد السكن غير اللائق؟ وكيف يمكن أن تواكب إعادة الإيواءَ خدماتٌ وتجهيزات تحافظ على ارتباط الأسر بمحيطها الاجتماعي ومصادر رزقها؟
ولم يكن الشنكيطي يقدم نفسه هنا فقط بوصفه مرشحا يحمل برنامج حزب، بل بوصفه منتخبا يُسأل أيضا عن حصيلة موقعه المحلي والبرلماني وهذه معادلة مختلفة عن خطاب الوعود وحده، لأن خمس سنوات من التمثيل في مجلس النواب تجعل أسئلة الناخبين مرتبطة بما تحقق بقدر ارتباطها بما يُقترح للولاية المقبلة.
الصحة والنقل والشغل.. السياسة بوجهها اليومي
وفي أحياء مثل الحي الحسني والأزهر والزوبير وليساسفة والرياض أولفا، لا تحتاج السياسة إلى عناوين بعيدة حتى تدخل النقاش، النقل إلى العمل، جودة الطرق، المستشفى، المدرسة، النظافة، فرص الشغل، المرافق والخدمات هي التي تحدد، في جزء كبير من الحوارات الميدانية، المسافة بين المواطن والمنتخب.
وخلال تحركاته الانتخابية الأخيرة، ركز الشنكيطي على هذا النوع من الملفات، إذ شملت النقاشات التي خاضها مع السكان قضايا النقل والصحة والتعليم والنظافة والطرق والسكن والمرافق العمومية، إلى جانب الشباب والتشغيل والأمن.
وكان الملف الصحي حاضرا في تحركاته قبل الحملة أيضا إذ سبق له خلال غشت الماضي أن أثار برلمانيا واقع الخدمات الصحية بمستشفى الحي الحسني، وهو ما يعيد ملف الصحة اليوم إلى الحملة باعتباره أحد الملفات التي يمكن للناخب المحلي مساءلة المرشح بشأنها، لا مجرد عنوان وارد في البرنامج الوطني.
وبينما كان بعض السكان يكتفون بمتابعة مرور الموكب، أظهر آخرون تفاعلا إيجابيا مع القافلة والمرشح، سواء بالاقتراب منه أو الانضمام إلى التجمعات التي كانت تتشكل عند محطات توقفه ومع اقتراب نهاية الحملة، بدا واضحا أن جزءا من معركة الحي الحسني يجري بهذه الطريقة وجها لوجه، وعلى مسافة أمتار قليلة بين المرشح والناخب.
من المقعد السابق إلى اختبار 23 شتنبر
الحملة الحالية تحمل بالنسبة إلى الشنكيطي رهانا إضافيا، فحزب الأصالة والمعاصرة حسم منذ يونيو الماضي اختياره وكيلا للائحته بدائرة الحي الحسني، ضمن لائحة مرشحيه بالدوائر المحلية لجهة الدار البيضاء-سطات، قبل أن يودع الشنكيطي ملف ترشيحه رسميا نهاية غشت.
وهو يدخل بذلك سباق 23 شتنبر بهدف الاحتفاظ بتمثيل الحزب في دائرة سبق أن مثلها برلمانيا خلال الولاية المنتهية ومع دخول الحملة أيامها الأخيرة، كثف المرشح جولاته ولقاءاته في مناطق تشمل الحي الحسني والرياض أولفا وليساسفة، واضعا التواصل المباشر في قلب تحركاته.
وفي جولته الأخيرة، لم يفصل الشنكيطي القضايا المحلية عن البرنامج الوطني لحزبه، فقد دعا إلى المشاركة في التصويت ومنح الأصوات لرمز “الجرار”، وربط طلبه بتعهد العمل على تنزيل البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، خاصة في الشق المرتبط بالقدرة الشرائية والأوضاع الاجتماعية والتنمية.
غير أن الشارع كان يعيد النقاش في كل مرة إلى تفاصيل أكثر قربا، الحي، الطريق، السكن، المستشفى، فرص الشباب والخدمات التي يلمسها المواطن مباشرة.
ومع تقدم ساعات الليل، لم تتوقف القافلةن ظلت تتحرك من حي إلى آخر، فيما كان السكان يخرجون لمتابعة مرورها، ويلتحق بعضهم بالمشهد أو يقتربون من المرشح بوجود مواطنين عبروا عن دعمهم لمرشح “البام” في الاستحقاق الجاري.
وفي الحي الحسني، حيث يخوض الشنكيطي السباق بخبرة ولاية برلمانية ومسؤولية محلية سابقة، تبدو الأيام الأخيرة من الحملة اختبارا مزدوجا حول قدرة المرشح على تحويل حضوره الميداني إلى أصوات، وقدرة الناخبين يوم 23 شتنبر على حسم تقييمهم لما مضى وما يُعرض عليهم للسنوات المقبلة.











