في سوق كاساباراطا، حيث تتقاطع يوميا حركة التجار والباعة والزبائن، اختار عبد اللطيف الغلبزوري، وكيل لائحة حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة طنجة-أصيلة، أن يخوض واحدة من محطاته الميدانية الأخيرة قبل اقتراع 23 شتنبر.
مساء الأحد 20 شتنبر، دخل المرشح إلى السوق مرفوقا بعدد من مسؤولي الحزب، وبدأ جولة امتدت بين المحلات والأروقة، جمعت بين الاستماع إلى المهنيين وبسط عدد من الالتزامات التي يحملها البرنامج الانتخابي لـ”البام”.
لم تبدأ الجولة بخطاب أو تجمع منظم.،كان الانتقال من محل إلى آخر هو الذي يرسم مسارها إذ يتوقف الغلبزوري أمام التجار يصافحهم، يستمع إلى ملاحظاتهم ثم يدخل معهم في نقاش حول القضايا التي ترتبط بنشاطهم أو بما ينتظرونه من المرحلة المقبلة، وبين حديث وآخر كانت ملفات الأسعار والقدرة الشرائية والتشغيل تفرض نفسها على النقاش.

واختار وكيل لائحة “البام” أن يقدم البرنامج من خلال إجراءاته وليس عبر عناوينه العامة فقط، مستعرضا أمام التجار والساكنة عددا من المقترحات التي يطرحها الحزب، ومحاولا ربطها بالأسئلة التي تثار خلال الجولة بما فيها الالتزامات العشرين والمواثيق الخمس التي تمس مناحي معيش المغاربة.
وكان ملف الأسعار أحد المداخل الأساسية لهذا النقاش ففي فضاء تجاري ترتبط حركته مباشرة بالبيع والشراء وتغير كلفة السلع، شرح الغلبزوري تصور حزبه للتدخل في مسالك توزيع المواد الأساسية، وهي الحلقة التي يضعها “البام” ضمن العوامل التي ينبغي الاشتغال عليها للحد من ارتفاع الأسعار.
ويتضمن البرنامج في هذا الجانب مقترح إحداث ست شركات جهوية لتوزيع المواد الغذائية الأساسية، مرتبطة بالمناطق الفلاحية الكبرى ويقوم التصور الذي يقدمه الحزب على تقليص حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك وتنظيم مسالك التوزيع، مع إخضاع هذه الشركات لقواعد للتدبير والمراقبة.
وبالنسبة إلى الغلبزوري، لم يكن هذا المقترح جديدا على خطابه خلال الحملة، فقد سبق أن توقف عنده في لقاءاته بأصيلة مقدما إياه ضمن الإجراءات التي يعول عليها حزبه للتعامل مع كلفة المواد الأساسية، قبل أن يعود إلى شرح فلسفته خلال تواصله مع المهنيين في كاساباراطا.

وانتقل النقاش من ثمن السلع إلى دخل الأسر، وهنا بسط المرشح مجموعة من الإجراءات التي يتضمنها ميثاق القدرة الشرائية في البرنامج الانتخابي، وفي مقدمتها مقترح إعفاء الأجور التي يقل دخلها الخام عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل.
ويضع الحزب إلى جانب ذلك مقترح رفع الحد الأدنى للمعاش إلى ثلاثة آلاف درهم، والرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى ألف درهم، فضلا عن تحمل الدولة فاتورة الكهرباء بالنسبة إلى الأسر التي لا يتجاوز استهلاكها الشهري سقف 100 درهم.
ومن خلال هذه التفاصيل، سعى الغلبزوري إلى شرح ما يعنيه الحزب حين يضع القدرة الشرائية في مقدمة عرضه الانتخابي؛ أي الانتقال، بحسب البرنامج، من معالجة عنصر واحد إلى حزمة تشمل الدخل والضريبة والدعم والمعاشات والطاقة وأسعار المواد الأساسية.

ومع تقدم الجولة داخل السوق، أخذ ملف التشغيل مكانه بدوره في النقاش وقدم وكيل اللائحة أمام من التقاهم جانبا من ميثاق إدماج الشباب الذي يتضمنه البرنامج، متوقفا عند التزام الحزب بإحداث مليون منصب شغل في أفق 2031.
ولا يفصل “البام”، في عرضه الانتخابي، هذا الهدف عن التكوين والولوج إلى أول فرصة عمل إذ يتضمن البرنامج إجراءات تستهدف الشباب الموجودين خارج الدراسة والتكوين وسوق الشغل، إلى جانب مواكبة فئات منهم داخل المقاولات وربط التكوين بالحاجيات الفعلية للتشغيل.
ولم تسر الجولة وفق ترتيب أبواب الوثيقة الانتخابية، بل وفق ما كان يفرضه الحديث مع التجار والمواطنين فسؤال عن الأسعار يقود إلى مسالك التوزيع، والحديث عن المعيشة يفتح ملف الدخل والدعم، قبل أن يقود النقاش حول الشباب إلى التشغيل والتكوين.
ويجمع البرنامج الذي قدم الغلبزوري جانبا منه في كاساباراطا عشرين التزاما موزعة على خمسة مواثيق، أولها القدرة الشرائية، وثانيها إدماج الشباب، إلى جانب ميثاق المواطن، وميثاق الأمان، ثم ميثاق النمو والاستدامة.

وتتجاوز الالتزامات بذلك الملفات التي حضرت خلال الجولة، ففي ميثاق المواطنة، يطرح الحزب إجراءات تتعلق بالسكن والخدمات العمومية والرقمنة وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فيما يوسع ميثاق الأمان دائرة النقاش لتشمل الأمن المائي والطاقي والغذائي، إلى جانب رهانات أخرى مرتبطة بالاستدامة.
غير أن طبيعة كاساباراطا جعلت القضايا الاقتصادية والاجتماعية أقرب إلى واجهة الحديث. فالجولة جرت وسط مهنيين يرتبط نشاطهم مباشرة بالسوق والاستهلاك وكلفة السلع، وهو ما جعل شرح البرنامج يتركز أساسا على ما يمكن أن يمس الدخل والأسعار والشغل.
وفي المقابل، لم يكن المرشح وحده من يتحدث. فقد خصص الغلبزوري جزءا من جولته للاستماع إلى المهنيين، وتوقف عند عدد من المحلات لإجراء أحاديث مباشرة مع أصحابها، بينما قدم التجار ملاحظاتهم بشأن واقع نشاطهم وما ينتظرونه من المؤسسات المنتخبة والحكومة المقبلة.
ويحمل اختيار كاساباراطا لهذه المحطة بعدا محليا يتجاوز سياق الحملة الانتخابية. فالسوق، الذي يعد من الفضاءات التجارية المعروفة بطنجة، يوجد بدوره في صلب ملف يتعلق بإعادة التأهيل وتحسين البنيات وظروف اشتغال المهنيين.
وسبق أن اعتمدت اتفاقية شراكة لإعادة هيكلة وتأهيل السوق تمتد إلى سنة 2028، بغلاف مالي إجمالي يقارب 500 مليون درهم. وجرى تقديم المشروع باعتباره ورشا يروم إعادة تنظيم الفضاء التجاري وتحسين بنياته، فيما ظلت وتيرة تنزيله موضع نقاش محلي.
وتكتسي مسألة تأهيل السوق أهمية بالنسبة إلى التجار بالنظر إلى طبيعة كاساباراطا وحجم الأنشطة التي يحتضنها، وما يطرحه ذلك من حاجيات مرتبطة بتنظيم الفضاءات والممرات وشروط السلامة واستمرار النشاط التجاري أثناء عمليات التأهيل.
وتأتي محطة كاساباراطا ضمن سلسلة تحركات قادها مرشح “البام” خلال الأيام الأخيرة للحملة بدائرة طنجة-أصيلة. ففي أصيلة، اختار بدوره المرور عبر الأحياء والتواصل مع السكان، وعاد في حديثه معهم إلى قضايا القدرة الشرائية والتشغيل ومسالك توزيع المواد الأساسية.
وتكشف طبيعة هذه التحركات عن انتقال الحملة في أيامها الأخيرة، من اللقاءات السياسية الكبرى إلى الاحتكاك المباشر بالناخبين في الأسواق والأحياء والفضاءات اليومية حيث تصبح البرامج موضوع أسئلة مرتبطة بما يعيشه المواطن أكثر من كونها مجرد وثائق تقدم في المنصات.
ورافق الغلبزوري في جولة كاساباراطا منير ليموري، رئيس مجلس جماعة طنجة والأمين الإقليمي لحزب الأصالة والمعاصرة، ومحمد سعيد أهروش، رئيس مجلس مقاطعة السواني، ورضوان الحسوني، وصيف اللائحة المحلية، إلى جانب نصرو العبدلاوي، منسق قطب التواصل والتكوين والأنشطة الإشعاعية، وعدد من أعضاء الحزب ومناصريه.
وقبل يومين من موعد التصويت، غادر الغلبزوري كاساباراطا بعدما وضع أمام التجار جزءا من البرنامج الذي يطلب على أساسه ثقة الناخبين وبين الأسعار والدخل والتشغيل والدعم، تحولت الجولة إلى مساحة لاختبار الالتزامات الانتخابية أمام أسئلة تأتي هذه المرة من داخل السوق نفسه.











