ثمن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، مضامين البرنامج الحكومي، سيما الالتزام بجعل محاربة الفساد والقطع مع الريع وتضارب المصالح وتخليق الحياة العامة أولوية مركزية، مؤكدا تطلع فريقه إلى تسريع إخراج القوانين المؤطرة لهذا الورش، وذلك خلال مداخلته في الجلسة العامة المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي.
وقال رحال المكاوي، رئيس الفريق الاستقلالي بمجلس النواب، اليوم الخميس خلال جلسة عمومية لمناقشة البرنامج الحكومي، إن “الفساد عدو التنمية”، معتبرا أن الفساد وتضارب المصالح يشكلان أحد العوائق الكبرى أمام التقدم، وأن استفحال الريع والجشع يغذي الشعور بانعدام الثقة ويصنع اليأس في وقت تشتد فيه الحاجة إلى صناعة الأمل.
وذكر بأن الفريق الاستقلالي سبق أن تقدم، منذ سنوات، بمقترح قانون يتعلق بتضارب المصالح، مؤكدا أن التصدي للفساد المالي والاقتصادي يشكل مدخلا مهما في معركة الديمقراطية والإصلاح.
وفي هذا الإطار، أعرب عن تطلع الفريق إلى تسريع تنزيل ما تضمنه البرنامج الحكومي من التزامات بإخراج قانون تنازع المصالح طبقا للفصل 36 من الدستور، وقانون تجريم إفشاء المعلومات بهدف الحصول على امتيازات أو منافع، فضلا عن قانون حماية المبلغين عن أفعال الفساد، وفاء بالتعهدات المقدمة إلى المواطنات والمواطنين.
وربط المكاوي هذا الورش باستكمال إصلاح القضاء وتدعيم استقلاليته، وتعزيز القدرات البشرية والمادية للمجلس الأعلى للحسابات ومجالسه الجهوية، وإصلاح مرسوم الصفقات العمومية وحكامة التدبير الإداري والمالي للمالية العمومية، إلى جانب محاربة الريع والاحتكار والهيمنة داخل النسيج الاقتصادي، والإقرار السريع لبرنامج تنظيم الأسواق ومحاربة الوساطة الانتهازية وتحصين الطلبيات العمومية.
إرادة جماعية للمشاركة في الحكومة
وأوضح أن مشاركة حزب الاستقلال في الأغلبية الحكومية جاءت استحضارا لحجم التحديات والانتظارات الداخلية والإكراهات الخارجية، في ظل مناخ إقليمي مضطرب وغير مستقر، واستمرار ما وصفه باستهداف بعض الجهات الخارجية للمصالح العليا للمغرب ومعاكسة وحدته الترابية ومحاولة تحجيم دوره الإقليمي والقاري.
وأضاف أن هذه المشاركة تنسجم مع الإرادة الجماعية للحزب للمساهمة في بناء مغرب قوي وديمقراطي وحديث ومتضامن، واستثمار الفرص التنموية المتاحة في بلد أصبح، وفق تعبيره، قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة بفضل القيادة الملكية.
واعتبر أن البرنامج الحكومي التوافقي والمدروس يستمد أسسه من التوجيهات الملكية التي تجعل كرامة المواطن والعدالة الاجتماعية والمجالية وخلق فرص الشغل والاستثمار في الرأسمال البشري وتعزيز السيادة الوطنية ركائز مترابطة للتنمية، ومن خلاصات النموذج التنموي الجديد والتقييم الموضوعي والشامل لمكتسبات الولاية الحكومية السابقة وتحدياتها، فضلا عن البرامج الانتخابية لأحزاب التحالف.
وأكد أن البرنامج يقوم على النجاعة العمومية بوصفها منظورا شاملا وفلسفة للتدبير الحكومي، غايتها إحداث أثر مباشر وملموس على حياة المواطنين، وفق هندسة حكومية قائمة على الفعالية والتكامل والالتقائية والانسجام. وثمن تضمينه تدابير اقترحها حزب الاستقلال في برنامجه الانتخابي، شملت الحفاظ على منظومة القيم وتقوية تماسك الأسر وصمودها، ومحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وتحسين القدرة الشرائية وتقوية الطبقة الوسطى، ودعم أدوار المرفق العمومي في إطار دولة الرعاية، وتعزيز السيادة الاستراتيجية.
وفي تناوله حصيلة الولاية الحكومية السابقة، دعا المكاوي إلى استحضار السياق الاستثنائي الذي جرى فيه تنزيل برنامجها، بما طبعته تداعيات الجائحة وتوالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية والزلزال واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما وضع الحكومة أمام تحدي الجمع بين الإصلاحات الهيكلية والاستجابة للضغوط الاجتماعية والمالية الاستثنائية.
غير أنه أكد أن القدرة الشرائية تعرضت لضغط قوي جراء ارتفاع الأسعار والوساطة الانتهازية والجشع وسطوة شبكات المصالح، بما عمق معاناة الفئات الفقيرة والمتوسطة، رغم مجهود حكومي قال إنه بلغ 280 مليار درهم، وشمل زيادات استثنائية في أجور المستخدمين والموظفين من مختلف الفئات، والدعم المباشر للأسر ودعم السكن، معتبرا أن اختلال المنافسة وسطوة المضاربين في مسالك التوزيع والأسواق حالا دون انعكاس الأثر الإيجابي لهذه المجهودات على معيش الأسر.
وقال إنه عوض أن تنعكس الزيادات في الأجور على حياة الأسر، “انهارت القدرة الشرائية وتحولت قفة الطبقات الفقيرة والمتوسطة إلى هاجس يومي”، بما أدى إلى تراجع منسوب الثقة. وأوضح أن الحزب خصص، لهذا السبب، محورا أساسيا في برنامجه الانتخابي لتحسين القدرة الشرائية وتقوية الطبقة الوسطى، بالنظر إلى أدوارها في التضامن المجتمعي وتحملها كلفة ضمنية في الاستقرار الاجتماعي على حساب معيشها اليومي، إلى جانب الفئات الفقيرة.
وأضاف أن هذا التوجه تحول إلى التزام حكومي عبر استراتيجية متكاملة لتعزيز دخل الأسر وضبط مصادر الغذاء وتوسيع الحماية من المخاطر الاجتماعية، تجمع بين تحسين الدخل وخلق فرص الشغل وتعزيز المنافسة وشفافية مسالك التوزيع وتوجيه الدعم إلى مستحقيه وتقليص نفقات العلاج والتعليم، عوض الاقتصار على دعم بعض المواد أو إجراءات ظرفية ومتفرقة.
وثمن التزام الحكومة بإعادة أسعار المواد الغذائية إلى مستويات معقولة ومحاربة الجشع التضخمي، من خلال ضمان وفرة المواد الأساسية باستمرار وعقلنة المسارات الاقتصادية بين المنتج والمستهلك، وإحداث شركات جهوية للتوزيع، وتحديث أسواق الجملة وضبطها، وإرساء منظومة جهوية لتسويق المواد الغذائية الأساسية وتخصيص دعم مباشر للقدرة الشرائية.
ونوه، في السياق نفسه، بالتعهد باعتماد تعويض اجتماعي تلقائي مقابل قيمة الفاتورة الشهرية للكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم بالنسبة إلى المسكن الرئيسي، وتخفيف العبء الضريبي على الأجراء والطبقة المتوسطة، عبر رفع حد الشطر الأول من الدخل الصافي المعفى من الضريبة من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، وتقليص عدد الأشطر الخاضعة للضريبة من خمسة إلى ثلاثة، واعتماد معدلات تصاعدية بنسبة 10 و20 و30 في المئة في أفق 2031.
دروس كورونا
وفي المجال الصحي، اعتبر المكاوي أن دروس جائحة كورونا أكدت أن المرفق الصحي العمومي يشكل صمام أمان وضمانة لتحقيق الكرامة، وأن النهوض بالمستشفى العمومي قناعة مركزية لأي إصلاح حقيقي، إلى جانب إعادة هيكلة المسارات العلاجية وتقوية مراكز الرعاية الصحية الأولية وتزويدها بالموارد البشرية الطبية اللازمة.
وأشار إلى أن تراجع إقبال المرضى على المستشفيات العمومية بنسبة 50 في المئة في بعض التخصصات والخدمات، ولا سيما المستعجلات والولادة، “لم يكن اختياريا بل نتيجة مباشرة لتراجع الخدمة العمومية”. ودعا إلى إعادة بناء الثقة في المستشفى العمومي وتحسين جودة خدماته وتقليص آجال الانتظار والمواعيد، وتوفير الموارد البشرية والأدوية والتجهيزات، وتحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى العلاج.
وسجل بإيجابية التزامات البرنامج بتعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض ليشمل 100 في المئة عوض 89 في المئة، موضحا أن أزيد من أربعة ملايين شخص ما زالوا خارج التغطية، ورفع حصة المؤسسات الصحية العمومية من نفقات هذا التأمين إلى 50 في المئة في أفق 2031، وبلوغ 35 مهنيا صحيا لكل عشرة آلاف نسمة في الأفق نفسه.
كما ثمن إعداد الخريطة الصحية الوطنية وتفعيلها، والاستكمال الفعلي لإرساء المجموعات الصحية الترابية، ومواصلة تطوير قدرات الوكالة الوطنية للأدوية والمنتجات الصحية، وتعزيز الأمن الدوائي وانتظام تزويد السوق الوطنية بالأدوية، وتطوير الإنتاج الوطني للقاحات والمنتجات البيوتكنولوجية، بما يضمن الولوج الفعلي إلى علاج ذي جودة.
إجراءات اجتماعية قابلة للتنزيل
وبخصوص الحماية الاجتماعية، رحب بالتزام الحكومة بمواصلة تنزيل هذا الورش الملكي، خاصة إعادة بناء منظومة الدعم الاجتماعي المباشر على أساس الدخل الفعلي، بدل الاستهداف القائم على مؤشر اجتماعي واقتصادي يرتكز على مستوى العيش والنفقات، والذي قال إنه عرض بعض الفئات للإقصاء لعدم تعبيره دائما عن الدخل الحقيقي المتاح للأسر، مع الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم من 500 إلى ألف درهم.
ونوه بالتعهد باعتماد برنامج خاص للحماية من مخاطر الشيخوخة وفقدان الشغل وضمان معاش يصون الكرامة، والرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى ثلاثة آلاف درهم شهريا في مختلف الأنظمة، ومراجعة معاشات ذوي الحقوق لتوفير حماية فعلية للأسر بعد وفاة صاحب المعاش، عبر تمكين الأرملة من معاش كامل يعادل 100 في المئة من المعاش الرئيسي للزوج المتوفى، عوض 50 في المئة.
وفي التعليم، أكد أن التعادلية الاقتصادية والاجتماعية، التي تجعل تأمين العيش الكريم للإنسان في جوهرها، تمر عبر المساواة في فرص الولوج إلى تعليم ذي جودة. وثمن ما تضمنه البرنامج من محاور مندمجة للارتقاء بالمنظومة الوطنية للتربية والتعليم والقضاء على الانقطاع عن الدراسة، وتعزيز العرض المدرسي وتأهيل المؤسسات العمومية وتحسين ظروف التمدرس والعناية بالموارد البشرية وتثمين مهنة التدريس.
وأبرز أهمية الاستثمار في الطفولة المبكرة، والعناية بالأطفال المنحدرين من أسر محدودة الدخل أو في وضعية هشاشة، من خلال دعم متدرج للولوج إلى خدمات الحضانة والرعاية والتعليم الأولي، بما يقلص الفوارق في فرص النمو والاستعداد للتعلم قبل دخول المدرسة.
الشباب في قلب البرنامج الحكومي
اعتبر المكاوي أن قضية الشباب تبقى أكبر قضايا المرحلة وأكثرها استعجالا، رغم حجم التحديات وتعقيدها وارتفاع الانتظارات والآمال، مشيرا إلى وجود 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل، وهي الفئة المعروفة بـ”NEET”، ومغادرة نحو 280 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا دون تأهيل، وما يرتبط بذلك من شعور بالإحباط لدى جيل كامل.
وقال إن هذه الوضعية تضع الأغلبية والمعارضة، من مختلف المواقع، أمام مسؤولية مشتركة تقتضي استراتيجية أفقية متكاملة تمتد من التعليم والتكوين إلى الشغل والسكن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بدل البرامج المتفرقة قطاعيا ومجاليا.
ولفت إلى أن إرساء مسار موحد لكل شاب خارج التعليم والتكوين والشغل، والحد من الهدر المدرسي وتأمين العودة إلى التعلم أو التكوين، وتوسيع عرض التأهيل المهني وتحسين جودة فرص الشغل وظروف العمل اللائق، كفيل بخلق مسارات للإدماج والثقة، واستثمار طاقات الشباب في بناء اقتصاد قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي للبلاد.
وفي ما يتعلق بالأسرة، شدد على أهمية تماسكها والحفاظ على الهوية الوطنية، في ظل ما وصفه بتحولات ديمغرافية وسوسيولوجية وقيمية عميقة ومتسارعة تؤثر سلبا على بنيتها الأصيلة.
وعدّ أن الرسالة الملكية الموجهة إلى رئيس الحكومة بشأن إعادة النظر في مدونة الأسرة جسدت العناية الملكية بقضايا المرأة والأسرة، وأن التشاور الواسع مع مختلف الأطياف، ثم إحالة مقترحات التعديل على المجلس العلمي الأعلى لإصدار فتوى بشأن مطابقتها لأحكام الدين الإسلامي، شكلا ضمانة روحية لصون مقومات الإنسية المغربية المستمدة من تاريخ الأمة الإسلامية وحضارتها.
وتحدث عن مخاطر التفكك الأسري وتراجع قيم التضامن والتماسك والتآزر بين أفراد الأسرة، وتنامي الفردانية والأنانية مع ارتفاع ظاهرة الأسرة النووية وتأثيراتها، فضلا عن الإدمان وهشاشة الصحة النفسية.
وثمن الالتزام بسياسات عمومية مندمجة تجمع الثقافة والتربية والتعليم والإعلام، وتبرز الثوابت الجامعة للأمة، عبر مراجعة دفاتر تحملات الإعلام السمعي البصري لتقوية البعد القيمي في البرامج الوطنية، وتأهيل أدوار المدرسة العمومية والارتقاء بعلاقتها مع الأسرة إلى شراكة تربوية، والإسراع بإخراج قانون لحماية الأطفال من الاستعمالات غير المشروعة لوسائط التواصل الاجتماعي.
وأضاف أن دعم تماسك الأسرة وصمودها ضمان لمجتمع آمن، منوها باعتماد الحكومة اقتراح حزب الاستقلال دعم الشباب المقبلين على الزواج، وبرنامج خاص لتعزيز التضامن بين الأجيال ودعم الأسر الراعية للوالدين وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.
النهوض بالأمازيغية
وثمن رئيس الفريق الاستقلالي تضمين البرنامج خطة متكاملة للنهوض بالثقافة الأمازيغية باعتبارها مكونا أصيلا للهوية المغربية، وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية إلى جانب العربية، التي أكد ضرورة حمايتها وتعزيز استخدامها، مع الانفتاح على اللغات الأجنبية. كما نوه بتسريع شروط تنزيل القانون التنظيمي 26.16، وإحداث صندوق خاص بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية باعتماد مالي قدره مليارا درهم.
وبخصوص المغاربة المقيمين بالخارج، وصفهم بقوة ناعمة ومصدر قوة واعتزاز للمغرب، مؤكدا أهمية توطيد ارتباطهم بوطنهم الأم وهويتهم.
وأشاد بالالتزامات الرامية إلى الاستجابة لحاجياتهم وانتظاراتهم، من خلال سياسة عمومية مندمجة تقوم على إصلاح مجلس الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وإحداث المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج، وإخراج ميثاق مغاربة العالم، وإحداث الشباك الموحد للاستثمار، في ترسيخ للعناية الملكية بهذه الفئة من المواطنين.
وفي مواجهة التوترات الجيوسياسية والمخاطر المتصاعدة، رحب المكاوي بتدابير تأمين السيادة الاستراتيجية واستدامتها، ومنها سياسة طاقية تضمن مخزونا يغطي الاستهلاك الوطني لمدة ثلاثة أشهر، عبر إلزام مستوردي المحروقات بالتوفر على مخازن خاصة ذات طاقة استيعابية كافية، ومراقبة صارمة لانتظام تزويد السوق في الظروف العادية، وتعزيز إحداث محطات طاقة جديدة بقدرة 18 ميجاوات.
وأشار إلى رفع الحد الأدنى الإلزامي للمحتوى المحلي في المشاريع الطاقية العمومية إلى 50 في المئة، بإدراج هذا الشرط في دفاتر التحملات وعقود الامتياز، مع تعزيز الاستثمارات العمومية في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
وفي الأمن المائي، ثمن التعهد بإنجاز 400 منشأة من السدود الصغرى والتلية، وست محطات جديدة لتحلية مياه البحر بهدف تجاوز 1.8 مليار متر مكعب في أفق 2031، وتعميم تقنيات الري المقتصدة للماء، وإنجاز الشطر الثاني من مشروع تحويل مياه الأحواض المائية، وتعزيز تزويد الساكنة القروية بالماء الصالح للشرب.
أما في الأمن الغذائي، فأبرز التوجه نحو التحكم المستدام في عوامل الإنتاج عوض الدعم الظرفي، عبر تعزيز السيادة في البذور ورفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المئة، وتوسيع الزرع المباشر وتقوية زراعة الحبوب والقطاني في المناطق البورية، وتطوير الأسمدة والتحكم فيها وطنيا وتأمين السوق والمخزونات الوطنية أولا بأسعار مستقرة، مضيفا إلى ذلك توطيد إعادة تشكيل القطيع الوطني والحفاظ على صحته وتطوير الوقاية والإنتاج الوطني للقاحات البيطرية وإعادة الاعتبار للسلالات الوطنية.
وعلى المستوى الصناعي، ثمن التوجه إلى سيادة استراتيجية تعزز، وفق المداخلة، مكانة المغرب كأول قوة صناعية في إفريقيا وترتقي بموقعه في سلاسل القيمة العالمية، لتسريع الانتقال إلى نموذج أكثر اندماجا يقوم على الإنتاج المحلي للمكونات ذات القيمة المضافة العالية، وتوطين الوظائف التكنولوجية والهندسية وتعزيز البحث والابتكار، انطلاقا من جيل جديد من العقود القطاعية الملزمة، خاصة في السيارات والطيران، بهدف بلوغ إدماج محلي في حدود 80 في المئة في صناعة السيارات و60 في المئة في الطيران في أفق 2031.
وشدد على إعطاء الأولوية لتوطين المكونات والأنشطة التي ما زالت مستوردة أو تنتج خارج المغرب، خاصة الإلكترونيات الصناعية وأنظمة التحكم والبرمجيات المدمجة والبطاريات ومكونات التنقل الكهربائي والمواد المركبة والدقيقة، إلى جانب تعزيز الصناعات الدفاعية الوطنية.
وفي الشأن الاقتصادي، قال إن المغرب قطع أشواطا في بناء اقتصاد قوي وتنافسي ومتنوع، بما مكنه من التحكم في التوازنات الماكرو اقتصادية وضمان الموثوقية مع الشركاء الاقتصاديين والماليين، غير أن تزايد الرهانات التنموية وتطوير البنية التحتية والوفاء بالتزامات البرنامج الذي يضع الإنسان في قلب التنمية تظل رهينة بتحقيق نمو اقتصادي متصاعد.
وأضاف أن البنية التحتية ذات المستوى العالمي وارتفاع التصنيع المحلي وتطور استقطاب الاستثمارات الخارجية والانخراط في الانتقال الطاقي، فضلا عن الآفاق التي يتيحها تنظيم كأس العالم 2030، تتطلب انخراطا فعليا للقطاع الخاص الوطني، وخاصة الأبناك، في الدينامية التنموية.
وأبرز أهمية دخول الميثاق الجديد للاستثمار حيز التنفيذ باعتباره إطارا مرجعيا لسياسة الاستثمار الخاص، واستهدافه رفع حصة الاستثمارات الخاصة إلى 66 في المئة من الإجمالي بحلول 2035، وما يتيحه ذلك من آفاق للمقاولات الصغيرة والصغيرة جدا والمتوسطة، التي وصفها بعصب النسيج الاقتصادي الوطني.
وأكد أن تحقيق التنمية الناجعة يقتضي تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة، مستحضرا الرسالة الملكية إلى المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة وخطاب افتتاح السنة التشريعية.
وثمن التزام الحكومة بالنقل الفعلي للاختصاصات والموارد اللازمة إلى الجهات، وتسريع ميثاق اللاتمركز الإداري، وتعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات وربطها بأهداف صريحة في التشغيل والاستثمار.
ودعا إلى استحضار التعديلات الجوهرية التي أشار إلى إدخالها على القانون التنظيمي للجهات، سواء في إعادة هندسة الاختصاصات وتحديث آليات تنفيذ المشاريع وتعزيز النجاعة، أو تقوية الموارد المالية والاستقلالية.
وثمن أيضا تنفيذ الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة، باعتباره التزاما كبيرا يتيح تنمية المجالات الصعبة، خاصة العالم القروي والمناطق الجبلية والواحات، عبر تأهيل البنية التحتية وتعميم الماء الصالح للشرب والكهربة القروية وتثمين الملك الغابوي وجعله رافدا للتنمية الجبلية، والإسراع بإخراج قانون التعمير في العالم القروي لتحقيق “مغرب السرعة الواحدة”.
وعلى المستوى المؤسساتي، هنأ المكاوي رئيس مجلس النواب بالثقة التي حظي بها من مكونات المجلس، معربا عن أمله في أن تكون الولاية الثانية عشرة محطة لتعزيز المسار الديمقراطي وتكريس البرلمان سلطة تشريعية قوية وحاضنة للنقاش المجتمعي حول قضايا الحاضر والمستقبل، تمارس اختصاصاتها في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية بموضوعية وقوة واتزان ووطنية، خدمة لمصلحة الأمة والوطن.
كما هنأ رئيسة الحكومة بالتكليف الملكي، متوقفا عند دلالات إسناد رئاسة السلطة التنفيذية لأول امرأة مغربية، وما يثيره ذلك من تطلعات لتعزيز حضور النساء في مختلف مستويات القرار العمومي وتمكينهن من المساهمة العادلة في بناء مغرب الكرامة والعدالة والإنصاف.
وهنأ أعضاء الفريق الحكومي بالثقة الملكية، معتبرا إياها حافزا لعمل جاد ومتواصل، في تعاون مثمر مع السلطة التشريعية، للنهوض بالأولويات الاستراتيجية واستثمار الفرص التنموية ومواجهة التحديات الخارجية بروح المسؤولية وتضافر الجهود.
وأعرب عن اعتزاز فريقه بحرص الملك محمد السادس على توطيد دولة القانون والمؤسسات وتقوية الاختيار الديمقراطي وبناء نموذج ديمقراطي وتنموي متفرد في المنطقة، مبرزا انتظام الاستحقاقات الانتخابية منذ أكثر من نصف قرن من الحياة الدستورية، ودورها في إنتاج مؤسسات ذات شرعية ومصداقية وقادرة على تأطير المجتمع وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية ذات الأثر المباشر على المعيش اليومي.
ووجه الشكر إلى المواطنات والمواطنين الذين منحوا ثقتهم لحزب الاستقلال، مؤكدا وفاء منتخبيه بعهودهم والتزاماتهم الانتخابية وحرصهم على خدمة الصالح العام وأداء واجبهم بصدق ومسؤولية والتفاعل الجاد والمتواصل مع حاجيات المواطنين وانتظاراتهم.
وفي المقابل، عبر عن انشغال الفريق بانحصار نسبة المشاركة الانتخابية في 38 في المئة، معتبرا أن هذا المعطى يستحق بحث أسبابه والإنصات إلى الفئات التي ابتعدت عن صناديق الاقتراع وفهم انتظاراتها لاستعادة الثقة.
وأكد أن الأمر مسؤولية جماعية تقتضي الجدية والمسؤولية ونظافة الذمة، وبناء سياسات بأولويات محددة والتزامات قابلة للقياس وبرامج ممولة ومسؤوليات واضحة وأثر ملموس على الحياة اليومية.
وفي قضية الوحدة الترابية، بوصفها القضية الوطنية الأولى، عبر عن اعتزازه بوحدة الصف الوطني والصمود في الدفاع عنها، وبما تعرفه الجهات الجنوبية من مقومات التنمية المستدامة في مختلف المجالات، معتبرا أن المشاركة الانتخابية التي وصفها بالقياسية والاستثنائية، وقال إنها تجاوزت 70 في المئة في الاستحقاقات التشريعية الأخيرة بهذه الجهات، تؤكد انخراط ساكنتها في الدينامية الديمقراطية والتنموية وتدبير الشؤون السياسية والتمثيلية المحلية واعتزازها بالانتماء إلى الوطن.
وقدم التهاني إلى الملك والشعب المغربي بمناسبة اقتراب عيد الوحدة الوطنية، مستحضرا مرور خمسين سنة من الصمود في مواجهة ما وصفه بالكيد والابتزاز، والتضحيات بالدم والشهداء، والبناء والتنمية في مواجهة صناع اليأس والتشريد، من أجل مغرب موحد يتسع لجميع أبنائه من طنجة إلى الكويرة.
واعتبر أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 شكل نقطة تحول كبرى في مسار حسم النزاع، مرجعا ذلك إلى الحنكة الملكية والحكمة والعمق الاستراتيجي والدبلوماسية الرصينة والهادئة التي تصنع الثقة.
ورأى أن هذا المسار بلغ مرحلة الطي النهائي في إطار حل توافقي يقوم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية “كأساس واحد وأوحد لأي تفاوض”.
وجدد تقديره للقوات المسلحة الملكية بمختلف تصنيفاتها، تحت قيادة الملك بصفته القائد العام، ولتضحياتها في الدفاع عن حوزة الوطن وحماية حدوده.
وفي العلاقات مع إسبانيا، أكد أن الشراكة الاستراتيجية القائمة على حسن الجوار والاحترام المتبادل والتعاون البناء والمصالح المشتركة خيار ينبغي تعزيزه وتحصينه من كل ما يمس روح الثقة والتفاهم، مضيفا أن هذه الشراكة، مهما بلغت أهميتها وعمقها، “لا يمكن أن تكون على حساب الثوابت الوطنية للمملكة المغربية، وفي مقدمتها سيادتها ووحدتها الترابية”.
ورفض محاولات التوظيف السياسي والإعلامي للقضايا المرتبطة بالسيادة أو استغلالها لإثارة الكراهية والتمييز وتغذية التوتر بين الشعبين. وقال إن المغرب، بتاريخه وثقته بعدالة قضاياه وتشبثه بثوابته ووحدته حولها ملكا وشعبا، شريك موثوق يمد يد التعاون والانفتاح، لكنه لا يقبل الضغط والابتزاز أو المساومة على سيادته ووحدته الترابية، مؤكدا أن الشراكة الحقيقية لا تبنى على تجاهل القضايا العالقة، وإنما على الثقة والاحترام الصريح لثوابت كل طرف وتدبير الاختلاف بالحوار والحكمة والمسؤولية.
وفي القضية الفلسطينية، جدد رفض ما يتعرض له الفلسطينيون من إزهاق لأرواح الأبرياء وتهجير وتنكيل وتقويض لحل الدولتين، منتقدا منطق القوة والانتهاك الذي تنهجه القوات الإسرائيلية، واستمرار الاستيطان والاعتداءات على المسجد الأقصى وباقي المقدسات الإسلامية والمسيحية، فضلا عن جمود مفاوضات السلام وعدم تمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه في دولة مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة وعاصمتها القدس الشريف.
وأعرب عن اعتزازه بجهود الملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس لحماية المقدسات الإسلامية ودعم صمود الفلسطينيين، مؤكدا موقف المملكة من جعل القضية الفلسطينية في مستوى أهمية قضية الوحدة الترابية.
وأكد المكاوي، في ختام مداخلته، أن الفريق الاستقلالي ينطلق من مرجعيته التعادلية وفلسفته القائمة على الالتزام والتضامن والوضوح والنقد الذاتي البناء، ويعتز بمضامين البرنامج الحكومي الذي وصفه بـ”الطموح والواقعي”، معلنا “انخراطه المسؤول في إنجاح هذه التجربة الحكومية ودعمها من أجل التنزيل السليم لكل الإصلاحات والمضامين والتعهدات الواردة فيه”، وتعزيز المكتسبات التي حققها المغرب تحت قيادة الملك محمد السادس.











