أعادت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري ملف القدرة الشرائية إلى صدارة العمل الحكومي، عقب اجتماع ترأسته أمس الثلاثاء خصص لتقييم الوضع الاقتصادي الوطني وتطورات الأسعار وانعكاساتها على الحياة اليومية للمغاربة، وانتهى إلى قرار بإحداث لجنة بين وزارية لتتبع تقلبات الأسعار واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية القدرة الشرائية، في خطوة تطرح سؤالا يتجاوز مراقبة الأسواق إلى طبيعة التدخل الذي تعتزم الحكومة اعتماده للحد من الأعباء التي تواجه الأسر.
ويأتي هذا التحرك بعد أقل من ثلاثة أسابيع على تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان، والذي وضع تحسين الدخل وتعزيز الحماية الاجتماعية ضمن أولوياته وفي خضم مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي تضمن إجراءات ضريبية واجتماعية تستهدف تخفيف الأعباء عن الأسر.
ووضعت المنصوري، خلال تقديم برنامج حكومتها في 19 أكتوبر القدرة الشرائية في صلب الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية للمرحلة المقبلة، إلى جانب توسيع الحماية الاجتماعية وتحسين المعاشات ودعم الفئات محدودة الدخل.
وتبرز الأهمية المالية لهذه الأولوية ضمن المعطيات التي قدمتها رئيسة الحكومة أمام مجلس المستشارين بشأن كلفة البرنامج الحكومي للفترة 2027-2031، والمقدرة بنحو 390 مليار درهم، منها 93 مليار درهم موجهة لدعم القدرة الشرائية و108 مليارات درهم للحماية الاجتماعية، ويعني ذلك أن المجالين يستحوذان على نحو 201 مليار درهم، أي أكثر من نصف الكلفة الإجمالية للبرنامج الحكومي.
وتكتسي هذه الأرقام أهميتها في ضوء الانتقال من الالتزامات المعلنة إلى أول مشروع قانون مالية تعده الحكومة والذي تضمن مجموعة من التدابير ذات الأثر المحتمل على الدخل والنفقات الأسرية.
وفي مقدمتها الإصلاح المقترح للضريبة على الدخل، الذي يستهدف إعفاء الأجور الشهرية الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم من هذه الضريبة ابتداء من فاتح يناير 2027، وفق المعطيات التي قدمها وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية فوزي لقجع.
وبحسب التقديرات الحكومية، من شأن هذا الإجراء رفع نسبة الأجراء المعفيين من الضريبة على الدخل إلى 87 في المائة، مقابل استمرار خضوع 13 في المائة للأداء.
ويستهدف هذا التدبير تحسين الدخل الصافي للأجراء المعنيين، لكنه لا يشمل تلقائيا الفئات التي لا تتوفر على أجور خاضعة للضريبة، ومن بينها العاملون في أنشطة غير مهيكلة والأسر التي تعتمد على موارد محدودة أو غير منتظمة.
إلى جانب التدابير الضريبية، تضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 إجراءات مرتبطة بالدعم الاجتماعي المباشر من بينها الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الشهري من 500 إلى 600 درهم خلال سنة 2027، في أفق بلوغ 1000 درهم إذ يمثل هذا التوجه تدخلا مباشرا من جانب الدولة لتحسين الموارد المالية للأسر المستفيدة، بخلاف الإجراءات المرتبطة بمراقبة الأسعار التي تستهدف السوق بصورة أوسع.
وفي ملف المعاشات، كشف لقجع عن برنامج للرفع التدريجي من الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم في أفق سنة 2030، انطلاقا من 1700 درهم سنة 2027، ثم 2000 درهم في 2028، و2500 درهم في 2029.
ووفق الأرقام التي أعلنها الوزير، يرتقب أن تشمل هذه الزيادات 557 ألفا و492 مستفيدا من أنظمة التقاعد المعنية.
وتعكس هذه الإجراءات اعتماد الحكومة على آليات مختلفة لدعم القدرة الشرائية، تشمل تخفيف العبء الضريبي والرفع من التحويلات الاجتماعية وتحسين الحد الأدنى للمعاشات، غير أن آثارها ستختلف بحسب وضعية كل أسرة ومصدر دخلها.
ويفيد الإعفاء الضريبي الأجراء المعنيين، بينما يستهدف الدعم الاجتماعي الأسر المستوفية لشروط الاستفادة وتهم الزيادة في المعاشات المتقاعدين المشمولين بالإجراء. وهو ما يجعل حماية القدرة الشرائية رهينة أيضا بمدى وصول التدابير إلى الفئات الأكثر تعرضا لضغوط الأسعار.
ولا تقف الإجراءات المعلنة عند جانب الدخل، إذ يتضمن التوجه الحكومي تدبيرا يرتبط مباشرة بالنفقات الشهرية للأسر، من خلال دعم فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم.
وبحسب مشروع مالية 2027، يستهدف هذا الإجراء نحو ستة ملايين زبون بكلفة مالية مقدرة بنحو 2.8 مليار درهم وتكمن خصوصية هذا التدبير في أنه يستهدف تقليص نفقة أساسية بدلا من الزيادة في الموارد النقدية للمستفيدين غير أن أثره الفعلي سيتوقف على شروط الاستفادة وكيفية تطبيق الدعم، ومدى استقرار استهلاك الأسر داخل السقف المحدد.
يمتد التدخل الحكومي في مواجهة ارتفاع الأسعار إلى قطاع النقل الطرقي، باعتباره إحدى الحلقات المؤثرة في كلفة توزيع المنتجات والخدمات فارتفاع أسعار الغازوال يمكن أن ينتقل إلى كلفة إيصال المواد الغذائية والبضائع إلى الأسواق، فضلا عن تعرفة نقل المسافرين.
وفي هذا السياق، كشف التقرير حول المقاصة المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 أن الدعم الاستثنائي الموجه إلى مهنيي النقل الطرقي بلغ 2.488 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من يناير إلى شتنبر 2026، في إطار الإجراءات الرامية إلى مواكبة ارتفاع أسعار الغازوال والحد من انعكاساته على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات.
ويكتسي هذا التدخل أهمية إضافية مع الارتفاع الجديد الذي شهدته أسعار المحروقات مطلع نونبر بعدما بلغ سعر لتر الغازوال نحو 17 درهما أو تجاوزها في بعض محطات التوزيع، ما أعاد طرح مسألة انتقال كلفة الطاقة إلى الأسعار النهائية.
ويختلف دعم النقل عن التحويلات الاجتماعية المباشرة، إذ يستهدف التخفيف من أعباء المهنيين مع السعي إلى الحد من انتقال الزيادات إلى المستهلك غير أن قياس فعاليته يتطلب التحقق من مدى انعكاس المبالغ المصروفة على استقرار تعرفة النقل وكلفة توزيع المواد الأساسية.
ورغم التدابير الاجتماعية والضريبية المقترحة في مشروع مالية 2027، تظل تقلبات أسعار المواد الأساسية عاملا مؤثرا في مستوى معيشة الأسر وقد تحد من المكاسب المرتقبة على مستوى الدخل.
وأقرت رئيسة الحكومة خلال الاجتماع، بحجم الضغوط والتكاليف التي تثقل كاهل الأسر المغربية، ولا سيما الفئات الفقيرة والمتوسطة، مؤكدة أن الحكومة تعتزم اتخاذ إجراءات عملية للتخفيف من انعكاسات ارتفاع الأسعار وضمان استقرار السوق الوطنية واستمرار تموينها بالمواد الأساسية.
وتتأثر أسعار هذه المواد بعوامل متداخلة تشمل الإنتاج الفلاحي وكلفة الطاقة والنقل والتخزين والتوزيع، فضلا عن تطورات الأسواق الدولية ومستويات العرض والطلب ولهذا فإن التدخل في الأسعار يختلف عن التدخل في الدخل ففي الحالة الأولى، تستطيع الحكومة اعتماد إجراءات مالية واجتماعية محددة الأثر والفئات المستفيدة، بينما يتطلب التأثير في الأسعار معالجة اختلالات قد تمتد عبر سلسلة الإنتاج والتوزيع كما أن تراجع معدل التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، بل قد يعكس تباطؤ وتيرة ارتفاعها، وهو ما يفسر أهمية التمييز بين المؤشرات الاقتصادية العامة والتكلفة الفعلية للمعيشة.











