كشفت ميزانية وزارة النقل واللوجستيك لسنة 2027 عن توجه استثماري يمنح الأولوية لتوسيع الشبكة السككية وربط الموانئ بمراكز الإنتاج والتصدير بالتوازي مع تطوير المناطق اللوجستيكية غير أن تفاصيل الاعتمادات المرصودة وضعت أيضا كلفة تمويل المشاريع الكبرى في صلب النقاش بعدما استحوذت خدمة الدين المرتبط بالخط فائق السرعة على حصة وازنة من التحويلات المخصصة للمكتب الوطني للسكك الحديدية، في وقت تتسارع فيه الاستعدادات لإنجاز مشاريع جديدة في أفق 2030.
ووفق ما أظهرته الأرقام الواردة في مشروع الميزانية الفرعية للوزارة، فإن برنامج النقل البري واللوجستيك يستأثر بمليار و581.2 مليون درهم، من أصل مليار و715.9 مليون درهم من اعتمادات الأداء الاستثمارية، أي بنسبة 92.2 في المائة.
ويستفيد المكتب الوطني للسكك الحديدية من النصيب الأكبر، بما مجموعه مليار و50 مليون درهم، بالتزامن مع برمجة استثمارات تتجاوز 29 مليار درهم خلال سنة 2027، وفق تقرير المؤسسات والمقاولات العمومية المرافق لمشروع قانون المالية.
وتبرز المفارقة في توزيع الاعتمادات الموجهة للمكتب، إذ خُصص 500 مليون درهم لخدمة الدين المرتبط بتمويل الخط فائق السرعة، مقابل 300 مليون درهم لإنجاز الربط السككي لميناء الناظور غرب المتوسط، و150 مليون درهم للدراسات وتعبئة العقار اللازمة لتمديد الخط فائق السرعة نحو مراكش وأكادير، فضلا عن 100 مليون درهم لتأمين عبور السكك الحديدية.
من جهة ثانية، تستهلك خدمة الدين وحدها نحو 47.6 في المائة من التحويلات المخصصة للمكتب ضمن الميزانية الفرعية للوزارة، وهو ما يبرز حجم الالتزامات المالية التي ترافق الاستثمارات السككية الكبرى، ويطرح مسألة التوازن بين الوفاء بأعباء التمويل السابقة وتوفير الموارد اللازمة لتوسيع الشبكة وتحديثها.
وتزداد أهمية هذا المعطى بالنظر إلى البرنامج السككي الوطني الممتد إلى سنة 2030، الذي تبلغ كلفته المعلنة 96 مليار درهم، ويشمل تمديد الخط فائق السرعة، واقتناء 168 قطارا جديدا، وتحديث الشبكة القائمة وتطوير النقل الجهوي وهي استثمارات تتجاوز الاعتمادات المدرجة في الميزانية الفرعية للوزارة، وتستند إلى مصادر تمويل متعددة ما يجعل تقييم كلفتها ومردوديتها مرتبطا بالصورة المالية الشاملة للمكتب الوطني للسكك الحديدية، وليس بالتحويلات الحكومية وحدها.
من السكك الحديدية إلى الموانئ.. رهان الربط الاقتصادي
يبرز تخصيص 300 مليون درهم للربط السككي لميناء الناظور غرب المتوسط الذي أعطي ولي العهد الأمير مولاي الحسن انطلاقته هذا الأسبوع باعتباره أحد المؤشرات الدالة على موقع البنية المينائية ضمن أولويات الاستثمار في النقل، فالميناء يُقاس دوره الاقتصادي بحجم أرصفته وطاقته الاستيعابية فضلا عن قدرته على تصريف البضائع وربط الأنشطة الصناعية واللوجستيكية بالشبكة الوطنية وحسب مشروع قانون المالية فإن الربط السككي للميناء يمتد على نحو 52 كيلومترا بكلفة إجمالية تقدر بمليار ونصف المليار درهم.
ويأتي المشروع بالتوازي مع إنجاز الربط الطرقي والطريق السيار جرسيف-الناظور، في إطار تهيئة شبكة نقل متعددة الوسائط حول المركب المينائي، وعلى هذا الأساس تطرح الاستثمارات الموجهة إلى الناظور سؤال المردودية الاقتصادية للربط بين الموانئ والمناطق الصناعية، ومدى مساهمته في تقليص آجال نقل البضائع وتكاليفها، خصوصا بالنسبة للمقاولات التي تعتمد على الاستيراد والتصدير.
المناطق اللوجستيكية.. توزيع جهوي للاستثمار
لا تقتصر اعتمادات النقل البري واللوجستيك على البنية السككية، فقد خُصص للوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجستيكية مبلغ 332.8 مليون درهم، منها 277.5 مليون درهم لتطوير مناطق لوجستيكية موزعة بين رأس الماء والقنيطرة والداخلة وأولاد صالح وبني ملال.
ويتصدر مشروع رأس الماء هذه المخصصات بـ108.5 ملايين درهم، تليه القنيطرة بـ85 مليون درهم ثم الداخلة بـ30 مليون درهم وأولاد صالح بـ29 مليون درهم وبني ملال بـ25 مليون درهم.
وتضاف إلى هذه الاعتمادات 30 مليون درهم لمشروع الميناء الجاف شمال أكادير، و15 مليون درهم لبرنامج مواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة في مجال سلاسل الإمداد، فضلا عن 72.8 مليون درهم موجهة إلى المنصة اللوجستيكية والصناعية المندمجة بزناتة.
ويعكس هذا التوزيع تعدد المجالات الترابية المستفيدة من الاستثمار، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مدى تحقيق التوازن الجهوي. فقياس الأثر الفعلي لهذه المشاريع يقتضي معرفة طاقتها الاستيعابية، وحجم الطلب المتوقع على خدماتها، وعدد المقاولات المستفيدة منها، ومدى ارتباطها بمراكز الإنتاج والموانئ والأسواق.
الاستثمار في البنيات الكبرى.. وماذا عن النقل اليومي؟
في المقابل، تكشف الاعتمادات المخصصة للنقل الطرقي عن تدخلات محددة، من بينها 100 مليون درهم لفائدة الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية لمواصلة برنامج تجديد حظيرة النقل المهني فضلا عن تمويل بعض المحطات الطرقية وتجهيز مصالح المراقبة بكاميرات صدرية وموازين محمولة.
وتكتسي هذه التدخلات أهمية بالنظر إلى ارتباطها بسلامة النقل المهني وجودة المراقبة الطرقية غير أن المبالغ الواردة في الميزانية الفرعية لا تسمح وحدها بتقييم مجمل الإنفاق العمومي على النقل اليومي، بالنظر إلى تدخل مؤسسات عمومية وجماعات ترابية وقطاعات حكومية أخرى في تمويل خدمات النقل والبنيات المرتبطة بها.











