تتجه الأنظار، بعد زوال اليوم الإثنين إلى البرلمان حيث تقدم رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري برنامج حكومتها أمام مجلسي النواب والمستشارين، وسط ترقب للإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي ستعلنها، خصوصا في ملفات القدرة الشرائية وتشغيل الشباب والاستثمار والتنمية الترابية والسيادة المائية والطاقية والغذائية، وهي أولويات سبق أن وضعها حزب الأصالة والمعاصرة في صلب عرضه السياسي “المغرب الصاعد” وترجمها إلى تعهدات محددة ضمن برنامجه الانتخابي “من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة” الذي تضمن عشرين التزاما بكلفة إجمالية معلنة تبلغ 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات.
وتعرض رئيسة الحكومة للبرنامج الحكومي اليوم الاثنين، هو أول مناسبة للكشف عن مدى حضور هذه التعهدات في التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للائتلاف الحكومي الجديد، قبل ترجمتها إلى إجراءات مالية وتشريعية وتنفيذية، كما تكتسي هذه المحطة خصوصيتها من تزامنها مع إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يفترض أن يوفر أول ترجمة ميزانياتية للاختيارات الحكومية، ويكشف حجم الموارد التي ستخصصها الأغلبية الجديدة لتنفيذ تعهداتها.
ويمنح البرنامج الانتخابي للأصالة والمعاصرة هذه المرحلة مرجعية سياسية قابلة للقياس، فقد تقدم الحزب خلال الحملة الانتخابية بعشرين التزاما بكلفة إجمالية معلنة تبلغ 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، موزعة على مجالات الدخل والتشغيل والحماية الاجتماعية والسكن والصحة والتعليم والسيادة الاقتصادية.
القدرة الشرائية.. من تعهدات الدخل إلى إصلاح الأسواق والأسعار
تتصدر القدرة الشرائية الأولويات الاقتصادية التي تنتظر الحكومة الجديدة، خصوصا أن حزب الأصالة والمعاصرة جعل تحسين دخل الأسر وتخفيف الأعباء المالية عنها أحد أبرز محاور برنامجه الانتخابي.
ولم يكتف الحزب بإعلان التزام عام بمحاربة الغلاء، بل قدم مقترحات محددة، من بينها إعفاء الاستهلاك الشهري للكهرباء الذي تقل فاتورته عن 100 درهم من الأداء، وإقرار نسبة صفر في المائة من الضريبة على الدخل بالنسبة للأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، وضمان حد أدنى للدعم الاجتماعي المباشر يبلغ 1000 درهم، فضلا عن رفع معاش الأرملة إلى 100 في المائة وفق الصيغة التي تضمنها عرضه الانتخابي.
وتشكل هذه التعهدات مرجعية مهمة لفهم التصور الاجتماعي الذي دافع عنه الحزب، والقائم على الجمع بين تحسين الدخل المباشر وتخفيف الاقتطاعات والأعباء التي تتحملها الأسر، غير أن إدراجها في البرنامج الحكومي كليا أو تدريجيا يظل رهينا بما ستعلنه رئيسة الحكومة أمام البرلمان وبما ستسمح به التوازنات المالية.
وتزداد أهمية هذه المقاربة في ضوء التوجه نحو إطلاق إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار ابتداء من سنة 2027، فالمسألة لا تتعلق فقط بتقديم دعم مالي للأسر بل تمتد إلى فعالية المنافسة وتكاليف التوزيع والوساطة، وقدرة أجهزة المراقبة على التصدي للممارسات المخلة بشفافية الأسواق.
أما على مستوى الحماية الاجتماعية، فتواجه الحكومة تحدي مواصلة تعميم التغطية الصحية وضمان استدامة تمويلها، بالتوازي مع تحسين جودة الخدمات العمومية. وهو رهان يرتبط أيضا بالعرض الانتخابي للبام، الذي تضمن التزامات بتعزيز البنيات الصحية، من خلال أربعة مراكز استشفائية جامعية و90 مستشفى وتأهيل أو إحداث 1600 مركز صحي، وفق الأرقام التي أعلنها الحزب.
وتكمن أهمية هذه الالتزامات في أنها تربط توسيع الحماية الاجتماعية بالقدرة الفعلية للمرافق العمومية على استقبال المستفيدين وتقديم العلاج، حتى لا يظل تعميم التغطية الصحية منفصلا عن تحسين الولوج إلى الخدمات.
التشغيل.. نصف مليون عقد أول وتكوين نصف مليون شاب
يشكل تشغيل الشباب ثاني اختبار اقتصادي واجتماعي للحكومة، في ظل التوجه نحو إعداد برنامج وطني مندمج للفترة الممتدة بين 2027 و2031، يجمع بين التكوين والمواكبة المهنية والتمويل وتسهيل الولوج إلى الأسواق.
ويجد هذا التوجه أساسا واضحا في البرنامج الانتخابي للأصالة والمعاصرة، الذي وضع التشغيل في صدارة التزاماته، معلنا هدف إحداث مليون منصب شغل، مع تحديد القطاعات التي يمكن أن تستوعب هذه المناصب.
وبحسب التوزيع المعلن في البرنامج الانتخابي، يتعلق الأمر بإحداث 360 ألف منصب في الأوراش المرتبطة بأفق 2030، و270 ألف منصب في الخدمات واقتصاد المعرفة، و250 ألف منصب في الصناعة، و80 ألف منصب في الفلاحة، و40 ألف منصب في الرياضة.
وإلى جانب هذا الهدف، طرح الحزب برنامج “أول عقد شغل” لفائدة 500 ألف شاب وشابة، وتأهيل 500 ألف مستفيد لولوج سوق العمل، ومواكبة إحداث 60 ألف مقاولة، فضلا عن توفير 100 ألف حل سكني لفائدة الشباب وإحداث صندوق لضمان الكراء.
وتكشف هذه المقترحات عن تصور يتجاوز حصر معالجة البطالة في التوظيف المباشر ليربط التشغيل بالتأهيل المهني والمقاولة والاستثمار، مع إدراج السكن ضمن العوامل المؤثرة في الاستقلال الاقتصادي للشباب وقدرتهم على التنقل والاستقرار المهني.
ويظل التحدي أمام الحكومة هو تحويل هذه الأهداف إلى آليات تنفيذ محددة، مع التمييز بين مناصب الشغل الجديدة الصافية وفرص الإدماج والتكوين، وتحديد مساهمة القطاعين العام والخاص، فضلا عن وضع مؤشرات لتتبع استدامة فرص العمل المحدثة.
ومن شأن الإعلان عن جدولة زمنية واضحة وأهداف سنوية قابلة للقياس أن يسمح بتقييم حصيلة البرنامج، بعيدا عن الاكتفاء بحجم الاعتمادات المرصودة أو عدد المستفيدين من برامج المواكبة.
الجهوية المتقدمة.. التنمية الترابية في قلب الاختيارات الاقتصادية
لا تنفصل التنمية الترابية عن النقاش الاقتصادي الذي يسبق تقديم البرنامج الحكومي، خصوصا بعدما أصبحت الفوارق بين الجهات في التجهيزات وفرص الشغل والخدمات العمومية إحدى القضايا المركزية في التوجيهات الملكية المتعلقة بالجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.
وقد خصصت التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 اعتمادات بنحو 25 مليار درهم لهذه البرامج، بما يجعلها من أبرز الأوراش التي ستواجه الحكومة الجديدة في سنتها الأولى.
وتتقاطع هذه الأولوية مع تصور حزب الأصالة والمعاصرة الذي لم يحصر التنمية في ارتفاع المؤشرات الاقتصادية الوطنية، بل ربطها بتقليص الفوارق الترابية وتوسيع الاستفادة من الاستثمار العمومي وتحسين الخدمات الأساسية.
وفي هذا الإطار، خصص البرنامج الانتخابي للحزب، ضمن هندسته المالية، 130 مليار درهم على مدى خمس سنوات لتمويل التنمية المجالية المندمجة، باعتبارها جزءا من الموارد المرصودة للمواثيق الاجتماعية والاقتصادية، وليست غلافا إضافيا مستقلا عن الكلفة الإجمالية للبرنامج.
وتطرح هذه المقاربة مسألة توزيع الاستثمار العمومي بين الجهات، ومدى ارتباطه بالحاجيات الفعلية للسكان، خصوصا في المجالات القروية والمناطق التي تعاني ضعفا في البنيات التحتية والخدمات.
كما تواجه الحكومة ورش تفعيل الجهوية المتقدمة وميثاق اللاتمركز الإداري، بما يتطلب توضيح الاختصاصات وتطوير التعاقد بين الدولة والجهات، ومنح المصالح الترابية الوسائل الإدارية والمالية الضرورية لتنفيذ المشاريع.
وسيكون من بين المؤشرات الأساسية لنجاح هذه السياسة مدى انتقال الجهات من موقع المستفيد من الاعتمادات المركزية إلى فاعل في إعداد المشاريع وتنفيذها وتتبع نتائجها.
السيادة المائية والطاقية والغذائية.. البام سبق إلى تحديد الأهداف
يشكل تعزيز السيادة الاقتصادية أحد أبرز مجالات التقاطع بين الأولويات المعلنة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 والتصور الذي دافع عنه حزب الأصالة والمعاصرة ضمن عرضه السياسي “المغرب الصاعد”
فقد أفرد الحزب ميثاقا مستقلا للأمان الاستراتيجي، بغلاف مالي تقديري يبلغ 50 مليار درهم، يتناول الأمن الطاقي والمائي والغذائي والعلمي والتقني.
وعلى مستوى الماء، تضمن البرنامج الانتخابي التزاما بإحداث ست محطات لتحلية مياه البحر وإنجاز 400 منشأة مائية، ضمن تصور يهدف إلى تعزيز تعبئة الموارد وتنويع مصادر التزويد وتقليص تأثير الإجهاد المائي على السكان والأنشطة الإنتاجية.
ولا يقتصر الرهان المائي على ضمان التزود بالماء الشروب، بل يرتبط كذلك باستدامة الإنتاج الفلاحي وحماية فرص الشغل في العالم القروي، وتأمين حاجيات الصناعة والسياحة من الموارد المائية.
أما في المجال الطاقي، فقد طرح الحزب تعزيز المخزون الاستراتيجي للمحروقات ليغطي ثلاثة أشهر من الاستهلاك، إلى جانب رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المائة، وفق الأهداف الواردة في برنامجه.
وتكتسي هذه الالتزامات أهمية إضافية بالنظر إلى تعرض الاقتصاد الوطني لتقلبات أسعار الطاقة في الأسواق الدولية، وما يترتب عنها من انعكاسات على كلفة النقل والإنتاج والأسعار الداخلية.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات المنقولة عن إحصائيات مكتب الصرف إلى بلوغ العجز التجاري 282,6 مليار درهم عند متم غشت 2026، بزيادة نسبتها 25,4 في المائة.
ويضاف إلى ذلك ورش الهيدروجين الأخضر والبنية التحتية للغاز، اللذان يرتبطان بتنويع المزيج الطاقي وتوفير شروط أكثر تنافسية للإنتاج الصناعي.
وفي مجال السيادة العلمية والتكنولوجية، يتضمن برنامج البام التزاما بتأهيل خمسة آلاف مؤطر في الذكاء الاصطناعي، في توجه يربط الاستثمار في التكنولوجيا بإعداد الكفاءات الوطنية.
وتطرح هذه الالتزامات مجتمعة تحديا يتعلق بتحديد المشاريع ذات الأولوية، والتمويلات المتاحة لها، والآجال الواقعية لإنجازها، مع ضمان التكامل بين القطاعات الحكومية المكلفة بالماء والطاقة والفلاحة والصناعة والانتقال الرقمي.
الاستثمار والمقاولات.. من تعبئة الرساميل إلى خلق الثروة وفرص الشغل
يتصدر الاستثمار الخاص بدوره الأولويات الاقتصادية للحكومة، باعتباره إحدى الأدوات الرئيسية لتوسيع النشاط الإنتاجي وخلق فرص الشغل وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.
وتتجه الأنظار إلى كيفية تفعيل آليات ميثاق الاستثمار، خصوصا ما يتعلق بدعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وتيسير الولوج إلى التمويل والعقار الاقتصادي وتبسيط المساطر الإدارية.
وتتقاطع هذه التوجهات مع ميثاق النمو والاستدامة الذي تضمنه البرنامج الانتخابي للأصالة والمعاصرة، والذي حدد هدف تحقيق معدل نمو اقتصادي سنوي متوسط يبلغ 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، باعتباره أحد الشروط الضرورية لتمويل الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية للحزب.
وتبرز هنا أهمية الأرقام المرتبطة بالتوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، التي قدمها وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية فوزي لقجع، خلال المجلس الوزاري المنعقد السبت 17 أكتوبر، والتي تشير إلى توقع نمو الاقتصاد بنسبة 4,7 في المائة مع نهاية 2026، وتضخم في حدود 0,7 في المائة، مع استهداف عجز ميزانياتي في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
ويكشف التقارب بين توقع النمو لسنة 2026 والهدف المتوسط الذي وضعه البام للولاية المقبلة عن وجود أرضية اقتصادية مشتركة، غير أن المحافظة على وتيرة نمو مرتفعة خلال خمس سنوات تظل مرتبطة بتطور الاستثمار والإنتاجية والطلب الداخلي والخارجي والظروف المناخية.
ويستحضر هذا الملف أيضا الدور الذي اضطلع به لقجع في تقديم التصور المالي للبرنامج الانتخابي للحزب، قبل توليه حقيبة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية في حكومة المنصوري، فقد كان من أبرز المدافعين عن إمكانية تمويل الالتزامات الانتخابية من خلال توسيع النشاط الاقتصادي وتحسين تعبئة الموارد وترشيد النفقات، دون اللجوء إلى زيادات ضريبية إضافية لتمويل البرنامج وفق التصور الذي قدمه خلال الحملة
وبحسب الوثيقة الانتخابية الرسمية، يقوم تصور التمويل على تعبئة 300 مليار درهم من الأثر الإضافي للنمو، و40 مليار درهم من مساهمة الجماعات الترابية وعشرة ملايير درهم من إعادة تخصيص الموارد وتحسين النجاعة الميزانياتية.
وتظل هذه المبالغ تقديرات للتمويل وليست موارد محصلة سلفا، ما يجعل تحقيق فرضيات النمو وتحسين مردودية الإنفاق العمومي عاملين حاسمين في تنفيذ البرنامج.
ومن بين التدابير التي تضمنها التصور الانتخابي أيضا إجراء مراجعة شاملة للنفقات العمومية خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية، بهدف معالجة تداخل البرامج والمؤسسات، وضبط بعض نفقات التسيير، ومراجعة الاتفاقيات والعقود البرامج المرتبطة بقطاعات اقتصادية.
من الخطاب الملكي إلى البرنامج الحكومي.. ترتيب الأولويات وضبط التنفيذ
تأتي هذه الأوراش في سياق التوجيهات الملكية المتعلقة بتسريع التنمية الترابية وتحسين فعالية السياسات العمومية، إلى جانب مواصلة الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية وتعزيز السيادة الوطنية في المجالات الاستراتيجية.
وقد شكل افتتاح الدورة التشريعية الأولى من الولاية الثانية عشرة يوم 9 أكتوبر، مناسبة لتأكيد أهمية التنمية الترابية المندمجة، بما تقتضيه من تنسيق مؤسساتي وتحديد للمسؤوليات وتحسين أثر البرامج العمومية على حياة المواطنين.
ويضع هذا التوجه الحكومة الجديدة أمام مسؤولية الجمع بين استمرارية الأوراش الوطنية الكبرى وإدخال التحسينات التي تعهدت بها مكونات الأغلبية خلال الحملة الانتخابية.
وتزداد أهمية هذا التحدي بالنظر إلى أن عددا من الملفات المطروحة، من الحماية الاجتماعية إلى الاستثمار والماء والطاقة، يرتبط بسياسات وبرامج انطلقت قبل تشكيل الحكومة الحالية، وهو ما يستدعي التمييز بين المشاريع الجارية والتدابير الجديدة التي ستتحمل الحكومة مسؤولية إطلاقها.
ولا تقتصر أهمية جلسة الإثنين على عرض الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، بل تتصل كذلك بالمسار الدستوري لتنصيب الحكومة الجديدة.
فطبقا للفصل 88 من الدستور، تتقدم رئيسة الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين لعرض البرنامج الذي تعتزم الحكومة تطبيقه، على أن يخضع لاحقا للمناقشة أمام كلا المجلسين، ثم للتصويت داخل مجلس النواب وحده.
ويشترط الدستور لتنصيب الحكومة حصول البرنامج على الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، أي 198 صوتا على الأقل من أصل 395 مقعدا، بصرف النظر عن عدد الحاضرين خلال التصويت.











