لم يأت الشق الاقتصادي في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الـ27 لاعتلاء العرش على شكل عرض لحصيلة حكومية أو قراءة ظرفية لمؤشرات الاقتصاد الوطني، بل حمل ملامح رؤية متكاملة لمرحلة جديدة من التنمية.
ومن خلال تسلسل مضامين خطاب العرش، يتضح أنه يبني تصورا اقتصاديا يبدأ بالاستقرار السياسي والمؤسساتي باعتباره أساس الثقة، ثم ينتقل إلى النمو بوصفه نتيجة لتراكم الإصلاحات، قبل أن يركز على التصنيع باعتباره المدخل الرئيسي لتعزيز السيادة الاقتصادية، وصولا إلى التمويل كشرط لاستمرار هذا التحول.
الاستقرار.. منطلق الرؤية الاقتصادية
استهل جلالة الملك الشق الاقتصادي بالتأكيد أن ما يميز المغرب اليوم هو ما ينعم به من أمن واستقرار ونجاعة في عمل المؤسسات، قبل أن يربط ذلك مباشرة بالأداء الاقتصادي، قائلا إن “بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات، تتزايد المؤشرات الإيجابية التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية”.
وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي إدريس الفينة أن الشق الاقتصادي في الخطاب الملكي يمثل إعلانا عن دخول المغرب مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية، قوامها الانتقال من بناء البنى التحتية والمؤسسات إلى بناء اقتصاد ذي سيادة وقادر على المنافسة العالمية.
ويعتبر الفينة في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن جعل الاستقرار السياسي والمؤسساتي في مقدمة الأولويات يعكس كونه أصبح أهم رأسمال اقتصادي للمغرب، والعنصر الحاسم في جذب الاستثمار وتعزيز الثقة، خاصة في ظل عالم يشهد تزايد المخاطر الجيوسياسية.
ويكشف هذا الربط أن الاستقرار لم يعد يقدم باعتباره معطى سياسيا فقط، بل تحول إلى عنصر اقتصادي يحدد قدرة الدول على استقطاب الاستثمارات والحفاظ على تنافسيتها في بيئة دولية تعرف تغيرات متسارعة.
النمو.. ثمرة سنوات من التراكم
بعد وضع هذا الإطار، انتقل الخطاب إلى المؤشرات الاقتصادية، حيث أعلن الملك أن الاقتصاد الوطني سجل معدل نمو يقارب 4.9 في المئة خلال سنة 2025، مع توقع الحفاظ على هذا المستوى أو تجاوزه خلال السنة الجارية.
غير أن الخطاب لا يتعامل مع هذا الرقم باعتباره إنجازا ظرفيا، بل يربطه بمسار طويل من الإصلاحات، حين أكد أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”.
وفي السياق نفسه، توقف الملك عند الموسم الفلاحي، مشيرا إلى أن التساقطات المطرية المهمة والموسم الجيد ساهما في تعزيز الأمن المائي والغذائي، وهو ما يعكس توسيع مفهوم التنمية ليشمل قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الأساسية في ظل التغيرات المناخية والاضطرابات التي تعرفها الأسواق العالمية.
الصناعة.. التحول الأكبر في الاقتصاد المغربي
إذا كان النمو يمثل نتيجة للمسار التنموي، فإن الصناعة تشكل، وفق الخطاب الملكي، عنوان المرحلة المقبلة، فجلالة الملك لم يكتف بالإشادة بالأداء الصناعي، بل اعتبر أن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية أصبحت ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، سواء من حيث جذب الاستثمارات أو خلق الثروة وفرص الشغل.
وأبرز الخطاب الملكي السامي أن المغرب أصبح اليوم أول مصدر للسيارات في إفريقيا بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، قبل أن يؤكد أن صادرات السيارات والطيران أصبحت تمثل أكثر من 40 في المئة من إجمالي الصادرات الوطنية، متقدمة على صادرات الفوسفاط.
ويرى إدريس الفينة بهذا الصدد أن الخطاب الملكي يؤكد انتقال المغرب إلى اقتصاد صناعي متقدم، حيث لم يعد الهدف استقطاب الاستثمارات فقط، بل التموقع في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية، مثل صناعة الطيران، والسيارات، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر.
ويبرز الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يعكس رغبة المملكة في الاندماج في سلاسل القيمة العالمية ذات القيمة المضافة المرتفعة، والانتقال من مجرد منصة للإنتاج إلى فاعل صناعي قادر على المنافسة في القطاعات الاستراتيجية.
ويعزز هذا التحول إعلان الملك دخول المغرب إلى دائرة الدول التي تتوفر على مراكز صناعية متخصصة في صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات، وهو ما يعكس انتقال الصناعة المغربية إلى مستويات أكثر تقدما من حيث التكنولوجيا والخبرة الصناعية، ويؤكد أن الرهان لم يعد يقتصر على التجميع، بل أصبح يشمل تصنيع مكونات عالية التعقيد تدخل في الصناعات الأكثر تطورا عالميا.
من صناعة اليوم إلى اقتصاد المستقبل
ولم يكتف الخطاب بإبراز ما حققه المغرب في الصناعات التقليدية، بل انتقل إلى رسم ملامح القطاعات التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة في ظل التحولات التي يشهدها العالم نحو الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا المتقدمة، إذ أكد جلالة الملك أن تطوير قطاع البطاريات الكهربائية “يعكس قدرة المغرب على استباق التحولات التكنولوجية، والانخراط في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية”.
ويكشف اختيار عبارة “استباق التحولات” أن الرهان لم يعد يقتصر على مواكبة التطورات الدولية، بل أصبح يقوم على التموقع المبكر داخل الصناعات التي ستحدد مستقبل الاقتصاد العالمي. فالدول لم تعد تتنافس فقط على جذب الاستثمارات، وإنما على احتلال مواقع متقدمة داخل سلاسل القيمة الأكثر تطورا.
ويمتد هذا التوجه إلى قطاع الطاقة، حيث شدد الملك على أن المشاريع الكبرى في مجال الطاقات المتجددة تهدف إلى جعلها “ركيزة للأمن الطاقي، ورافعة لجذب الصناعات، التي تسعى لاستخدام طاقة تنافسية وخالية من الكربون”.
وفي هذا السياق، يرى الفينة أن خطاب العرش يؤكد انتقال المغرب إلى اقتصاد صناعي متقدم، حيث لم يعد الهدف استقطاب الاستثمارات فقط، بل التموقع في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية، مثل صناعة الطيران، والسيارات، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، ما يعكس رغبة المملكة في الاندماج في سلاسل القيمة العالمية ذات القيمة المضافة المرتفعة، والانتقال من اقتصاد يعتمد على الإنتاج التقليدي إلى اقتصاد قائم على الابتكار والصناعة المتقدمة.
السيادة الاقتصادية توحد الأوراش
بعد عرض مؤشرات النمو والتصنيع، انتقل الخطاب إلى المفهوم الذي يجمع مختلف هذه الاختيارات، وهو السيادة الاقتصادية، بتأكيد جلالته أنه “في سياق دولي مطبوع بعودة السياسات الحمائية، وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي، محورا للتنمية الصناعية”.
ويؤكد إدريس الفينة أن الخطاب وسّع مفهوم السيادة الوطنية، فلم يعد يقتصر على بعدها السياسي أو الأمني، بل أصبح يشمل الأمن الغذائي والطاقي والدوائي والصناعي والدفاعي، انسجاما مع التحولات الدولية التي أصبحت تعطي الأولوية لتأمين سلاسل الإنتاج وتقليص التبعية الخارجية.
وانتقل الخطاب الملكي السامي إلى الحديث عن الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا التحول، وفي مقدمتها التمويل مؤكدا أن “مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي يتطلب موارد تمويلية غير مسبوقة”، داعيا القطاع المالي الوطني إلى مواصلة مواكبة الاستثمار والابتكار والتصنيع والتصدير، مع “توسيع الولوج إلى التمويلات، خاصة لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتعبئة الادخار الوطني، وإنعاش الأسواق المالية”.
ويرى الخبير الاقتصادي ذاته أن الخطاب وجه رسالة واضحة إلى القطاع المالي، مفادها أن المرحلة المقبلة تتطلب تعبئة أكبر للادخار الوطني، وتطوير أدوات التمويل لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة والابتكار، لأن تمويل الاستثمار سيصبح أحد مفاتيح النمو خلال السنوات المقبلة، بما يفرض انخراطا أكبر للمؤسسات المالية في مواكبة التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة.
ويوضح إدريس الفينة أن الرسالة الاقتصادية الأساسية للخطاب تتمثل في أن المغرب انتقل من مرحلة وضع الاستراتيجيات إلى مرحلة تنفيذها، وأن الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون على صياغة رؤى جديدة، بل على تحسين الحكامة، وتسريع الإنجاز، وتحويل النمو الاقتصادي إلى فرص شغل ذات جودة وتحسين ملموس في مستوى عيش المواطنين.











