أعلن عمر هلال السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، نهاية زمن المراهنة على الاستفتاء والاختباء وراء صفة “الطرف المحايد” في نزاع الصحراء المغربية، مؤكدا أن القرار الأممي 2797 أسقط، رهانات الانفصال وحسم وجهة العملية السياسية نحو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية وأن محادثات واشنطن ومدريد لم تجمع مراقبين وجيرانا، بل أطرافا تتحمل مسؤولية مباشرة عن إنهاء النزاع، وأن زمن إدارة الأزمة وإعادة تدوير الأطروحات القديمة انتهى، ليحل محله التفاوض حول تفاصيل التسوية.
وجاء ذلك، خلال مداخلته في الجلسة التاسعة للجنة الرابعة، ضمن أشغال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث اعتبر الدبلوماسي المغربي أن القرار 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 شكل تحولا تاريخيا في المقاربة الأممية للنزاع، بعدما انتقل من منطق تدبير الأزمة إلى منطق التسوية السياسية، ووضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي في قلب العملية التفاوضية.
وأوضح هلال أن القرار أحدث قطيعة مع المقاربات السابقة، من خلال اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات، وربط التسوية المنشودة بالحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية مع التأكيد على مسؤولية الأطراف الأربعة المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو عن الانخراط في العملية السياسية بحسن نية ودون شروط مسبقة.
واشنطن ومدريد.. الانتقال من المبادئ إلى تفاصيل التسوية
ولم يتوقف هلال عند الدلالات السياسية للقرار، بل استعرض ما اعتبره نتائج عملية بدأت تتبلور على طاولة المفاوضات، وفي مقدمتها عقد ثلاث جولات من المحادثات المباشرة بين الأطراف الأربعة في واشنطن ومدريد.
وأبرز أن هذه المحادثات أتاحت للمغرب تقديم تصوره الموسع والمفصل للحكم الذاتي، بما يتضمنه من توزيع للاختصاصات بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، في صيغة قال إنها تجمع بين الواقعية السياسية والحكامة الديمقراطية والاستجابة لتطلعات السكان.
واستند السفير المغربي إلى ما أورده الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الأخير أمام مجلس الأمن، بشأن تناول المحادثات للمعايير العملية لتسوية مستقبلية، معتبرا أن هذا التطور يضع الأطراف أمام مسؤولية تاريخية لا تسمح بمواصلة المناورات أو العودة إلى نقطة الصفر.
وشدد على ضرورة تنفيذ قرارات مجلس الأمن، ومواصلة المفاوضات دون شروط مسبقة، وترجمة حسن النية إلى التزامات فعلية، إلى جانب الوفاء بالتعهدات والعمل على استعادة وقف إطلاق النار واحترامه، باعتبارها شروطا أساسية للحفاظ على الزخم السياسي الذي أحدثه القرار.
الجزائر أمام مسؤوليتها المباشرة في النزاع
وفي رسالة واضحة إلى الجزائر، رفض هلال محاولات التمييز بين المشاركين في العملية السياسية أو تقديم بعضهم باعتبارهم مجرد دول مجاورة أو أطرافا محايدة لا تتحمل مسؤولية مباشرة عن النزاع.
وأكد أن قرارات مجلس الأمن حددت الأطراف الأربعة المعنية بالعملية السياسية، وأن مشاركتها في جولات واشنطن ومدريد تمت على هذا الأساس، دون تمييز أو مفاضلة بينها.
واعتبر أن محاولات التراجع عن هذه الصفة أو إعادة تفسيرها لا تنسجم مع طبيعة المحادثات الجارية، مشيرا إلى أن الأطراف التي جلست إلى طاولة التفاوض مطالبة بتحمل مسؤولياتها السياسية كاملة، والمساهمة في الوصول إلى تسوية نهائية.
وربط هلال بين هذه المسؤولية ومبدأ حسن النية، مؤكدا أن الأخير لا يمكن اختزاله في التصريحات الدبلوماسية أو إعلان الاستعداد للحوار، وإنما يتجسد في تقديم مقترحات عملية والانخراط الجدي في التفاوض.
واستشهد في هذا الصدد بتقديم المغرب مشروعا مفصلا للحكم الذاتي خلال محادثات واشنطن، معتبرا أن المملكة قدمت الدليل العملي على استعدادها للمضي نحو الحل، بينما لا تزال تنتظر خطوات مماثلة من بقية الأطراف.
الاستفتاء.. هلال يعلن نهاية رهان عمره عقود
وخصص الممثل الدائم للمغرب جانبا من مداخلته للرد على الأطراف التي تواصل المطالبة بتنظيم استفتاء بشأن مستقبل الصحراء، معتبرا أن هذا الطرح يتجاهل التطورات التي عرفتها قرارات مجلس الأمن خلال السنوات الماضية.
وأكد هلال، في موقف شديد اللهجة أن مجلس الأمن تخلى منذ نحو ربع قرن عن خيار الاستفتاء باعتباره آلية لتسوية النزاع، مشيرا إلى أن القرارات التي تعتمدها اللجنة الرابعة منذ نحو عشرين عاما لا تتضمن الإشارة إلى هذا الخيار.
وفي معرض تفنيده للقراءات القانونية التي تستند إلى القرار الأممي 1514 المتعلق بتصفية الاستعمار، أوضح أن المرجعية الأممية بشأن تقرير المصير لا تنحصر في هذا النص، بل تشمل أيضا القرارين 1541 و2625.
واعتبر أن القرار 1541 يرتبط بضمان عدم المساس بالوحدة الوطنية والترابية للدول، بينما يتيح القرار 2625، وفق تفسيره، ممارسة تقرير المصير من خلال اختيار وضع سياسي يقرره السكان بحرية.
ومن هذا المنطلق، دافع هلال عن الحكم الذاتي المتفاوض بشأنه باعتباره صيغة لممارسة تقرير المصير، مشددا على أن القرار 2797 فتح المجال أمام التوصل إلى تسوية سياسية تقوم على هذا الأساس.
تصفية الاستعمار واتفاق مدريد.. مواجهة الروايات التاريخية
وانتقل هلال إلى تفنيد ما وصفه بالمغالطات التاريخية والتحريفات القانونية التي تضمنتها بعض المداخلات أمام اللجنة الرابعة، مؤكدا أن المغرب يعتبر أن مسار تصفية الاستعمار في الصحراء حُسم منذ سنة 1975 مع تنظيم المسيرة الخضراء وإبرام اتفاق مدريد.
وأشار إلى إيداع الاتفاق لدى الأمم المتحدة وفق المادة 102 من ميثاق المنظمة، معتبرا أن عودة الصحراء إلى المغرب قبل نصف قرن شكلت محطة تاريخية حاسمة، وأن القرار 2797 جاء ليعزز هذا المسار من خلال جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محورا للتسوية السياسية.
وفي رده على وصف الصحراء بأنها “آخر مستعمرة في إفريقيا” اعتبر هلال أن هذا الخطاب فقد صلته بالواقع السياسي الذي أفرزته المفاوضات الأخيرة.
وأوضح أن النقاشات التي جرت في واشنطن ومدريد لم تتمحور حول إعادة فتح مسار تصفية الاستعمار وإنما حول نظام الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، معتبرا أن الاستمرار في استخدام المصطلحات السابقة يتجاهل طبيعة التحول الذي عرفه الملف.
واستحضر الدبلوماسي المغربي الخطاب الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس في 31 أكتوبر 2025، والذي اعتبر فيه أن المغرب دخل مرحلة فاصلة في تاريخه الحديث، مميزا بين ما قبل ذلك التاريخ وما بعده، ومؤكدا تمسك المملكة بوحدتها الترابية وحدودها التاريخية من طنجة إلى لكويرة.
رأي محكمة العدل الدولية وروابط البيعة
وفي سياق دفاعه عن الأسس التاريخية والقانونية للموقف المغربي، عاد هلال إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية سنة 1975، رافضا القراءات التي تنفي وجود روابط تاريخية وقانونية بين المغرب والصحراء قبل الاستعمار الإسباني.
وأوضح أن المحكمة أقرت بوجود روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض القبائل الصحراوية، معتبرا أن هذه المعطيات تؤكد عمق العلاقات السياسية والتاريخية التي ربطت الأقاليم الجنوبية بالمؤسسة السلطانية.
وشرح أن البيعة تمثل رابطة ولاء ووفاء بين القبائل وسلاطين المغرب، مشيرا إلى أن هذا التقليد السياسي لا يقتصر على المملكة بل توجد صيغ منه في عدد من الأنظمة الملكية عبر العالم، بما فيها ملكيات أوروبية.
واعتبر هلال أن تجاهل هذه الروابط التاريخية يمثل قراءة انتقائية للرأي الاستشاري، مؤكدا أن المغرب يستند إلى هذه المعطيات في الدفاع عن موقفه بشأن الصحراء.
البوليساريو والتمثيلية.. هلال يستحضر انتخابات 23 شتنبر
ووجه السفير المغربي انتقادات مباشرة إلى جبهة البوليساريو بشأن ادعائها تمثيل سكان مخيمات تندوف، معتبرا أن التمثيلية السياسية لا يمكن اكتسابها بمجرد الإعلان عنها من جانب واحد.
وأكد أن الشرعية التمثيلية تستمد أساسها من الانتخابات الحرة والشفافة، وأن أي جهة لا يمكنها احتكار التعبير عن إرادة السكان دون تفويض ديمقراطي.
وفي هذا السياق، استحضر الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت في 23 شتنبر 2026، معتبرا أن المنتخبين المنبثقين عنها يجسدون التمثيلية الديمقراطية لسكان الأقاليم الجنوبية داخل المؤسسات الدستورية للمملكة.
ورأى أن ادعاء البوليساريو احتكار تمثيل سكان المخيمات يشكل مصادرة لحقوقهم السياسية وإرادتهم، مشددا على ضرورة احترام حق السكان في اختيار ممثليهم بحرية.
تندوف.. نصف قرن من الانتظار وكلفة إنسانية متواصلة
وفي بعد إنساني من مداخلته، توقف هلال عند أوضاع سكان مخيمات تندوف، محذرا من استمرار معاناتهم نتيجة إطالة أمد النزاع وغياب تسوية نهائية.
واعتبر أن كل سنة إضافية من الجمود السياسي تعني استمرار جيل جديد في تحمل تبعات النزاع، مشددا على أن المقاربة الإنسانية مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تتحول إلى بديل دائم عن الحلول السياسية.
وأكد أن المغرب يدعو إلى تمكين سكان المخيمات من الاستفادة من الحلول الدائمة المعتمدة في القانون الدولي وفي ممارسات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وفي مقدمتها العودة الطوعية والكريمة.
وربط هلال هذا المطلب بضرورة تجاوز التدبير المؤقت للأزمة الإنسانية، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي لعقود إضافية لا يمكن أن يشكل أفقا مقبولا للسكان الذين ينتظرون تسوية تنهي معاناتهم.
من تسوية النزاع إلى إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية
وفي قراءته للمرحلة المقبلة، اعتبر هلال أن الدينامية التي أطلقها القرار 2797، وما أعقبها من محادثات في واشنطن ومدريد، تتيح فرصة غير مسبوقة لإنهاء نزاع استمر نحو نصف قرن.
غير أن رهانات هذه التسوية، بحسب الدبلوماسي المغربي، تتجاوز إغلاق ملف سياسي طويل الأمد، لتشمل إمكانية فتح مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية، تقوم على تجاوز الخلافات وإرساء شروط الاستقرار والتعاون.
واستحضر في هذا الإطار الطموح الذي عبر عنه الملك محمد السادس في خطابه بتاريخ 31 أكتوبر 2025، معتبرا أن التسوية النهائية للنزاع يمكن أن تشكل مدخلا إلى عهد إقليمي جديد.
وشدد على أن بلوغ هذه المرحلة يظل رهينا بمدى استعداد الأطراف المعنية للانخراط الفعلي في العملية السياسية، واحترام الالتزامات المترتبة عليها، وعدم تفويت الفرصة التي أتاحها التحول الأخير في موقف مجلس الأمن.











