Logo
Logo
بلا فلتر
رقم الاسبوع
المدرسة السياسية
AM+ CHECK
AM+ LAB
AM+ TALK
DIGEST
تحت المجهر

السكن في المغرب.. إصلاح يُحرِّك السوق وتحوّل في فلسفة الدعم يختبر رهان التملك

حمزة حشيشة
السكن في المغرب.. إصلاح يُحرِّك السوق وتحوّل في فلسفة الدعم يختبر رهان التملك

بعد سنوات من تحفيز المنعشين العقاريين من خلال الإعفاءات الضريبية وبرامج السكن الاجتماعي، انتقلت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ابتداء من سنة 2024، إلى نموذج يقوم على تقديم الدعم المالي مباشرة إلى المواطنين الراغبين في اقتناء سكن رئيسي، واضعة بذلك الأسر في صلب السياسة العمومية.

وجاء اعتماد هذه المقاربة في سياق اتسم بتحديات متعددة واجهت القطاع العقاري خلال السنوات الأخيرة، فقد أسهمت تداعيات جائحة كوفيد-19، إلى جانب موجة التضخم وارتفاع أسعار مواد البناء وكلفة التمويل، في تباطؤ الطلب على السكن وتراجع وتيرة الاستثمار العقاري، بالتزامن مع تآكل القدرة الشرائية للأسر، سيما المنتمية إلى الطبقة المتوسطة، ما أثر في دينامية القطاع عموما.

وكانت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة قد خلصت، في تشخيصها لوضعية القطاع مع بداية الولاية الحكومية، إلى وجود اختلالات شملت تراجع العرض والطلب، وانتهاء برامج السكن الاجتماعي السابقة، ومحدودية ملاءمة العرض مع حاجيات مختلف الفئات الاجتماعية، فضلا عن استمرار مظاهر السكن غير اللائق وبطء وتيرة معالجتها، وهي عوامل دفعت إلى مراجعة المقاربة المعتمدة والبحث عن آليات جديدة للاستجابة للحاجيات السكنية.

وفي خارطة الطريق التي وضعتها الوزارة، لم يعد الهدف يقتصر على تشجيع البناء، بل أصبح يشمل تيسير ولوج الأسر إلى السكن، وإنعاش الاستثمار العقاري، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز جاذبية العالم القروي، باعتبار السكن رافعة اقتصادية واجتماعية في آن واحد.

وبعد مرور أكثر من سنتين على انطلاق البرنامج، بدأت تظهر أولى المؤشرات التي تسمح بقراءة نتائجه، سواء من خلال عدد المستفيدين، أو توزيعهم حسب الفئات الاجتماعية، أو الأثر الذي خلفه على حركة السوق العقارية، وقطاع البناء، والتمويل البنكي، وهو ما يطرح سؤالا أساسيا: هل نجح البرنامج فعلا في تغيير معادلة التملك بالمغرب، أم أن نجاحه لا يزال رهينا بمعالجة تحديات أخرى مرتبطة بالأسعار والتمويل والعرض العقاري؟

من دعم المنعش إلى دعم الأسر

لأكثر من عقدين، ارتكزت السياسة السكنية بالمغرب على تحفيز العرض، من خلال تشجيع المنعشين العقاريين على بناء وحدات سكنية “السكن الاقتصادي” موجهة لشرائح معينة، مقابل امتيازات ضريبية وعقارية، ما مكن من إنتاج مئات الآلاف من الوحدات السكنية، لكنها لم تنجح دائما في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، خاصة مع تغير الظرفية الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.

ومع نهاية برامج السكن الاجتماعي السابقة، وارتفاع أسعار العقار ومواد البناء، أصبح عدد متزايد من الأسر، وخاصة أفراد الطبقة المتوسطة، يجدون صعوبة في الولوج إلى السكن، رغم توفر العرض في عدد من المدن.

وأمام هذه المعطيات، اختارت الوزيرة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري تغيير منطق التدخل، عبر الانتقال من دعم المقاولة العقارية إلى دعم المواطن مباشرة، وهو تحول اعتبرته الوزارة جزءا من خارطة طريق جديدة تهدف إلى تعزيز القدرة الشرائية للأسر، خاصة ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، مع إعطاء دفعة جديدة للاستثمار وخلق فرص الشغل.

ويقوم البرنامج على منح دعم مباشر للمقتنين حسب قيمة السكن، بما يسمح بتقليص المبلغ الذي تتحمله الأسرة عند الاقتناء، وبالتالي تسهيل الولوج إلى التمويل البنكي وتقليص قيمة القروض.

ولا يقتصر هذا التحول على تغيير طريقة صرف الدعم، بل يعكس تغييرا في تصور الدولة لدورها داخل السوق العقارية؛ فبدل التدخل عبر المنتج، أصبحت تتدخل عبر المستهلك، انطلاقا من فرضية اقتصادية مفادها أن تحفيز الطلب سيؤدي تلقائيا إلى تنشيط العرض، وتحريك الاستثمار، وخلق دورة اقتصادية يستفيد منها قطاع البناء والصناعات المرتبطة به.

هل نجح البرنامج في رفع قدرة الأسر على التملك؟

عندما أعلنت الحكومة، بداية سنة 2024، إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، لم يكن الهدف المعلن يقتصر على إنعاش القطاع العقاري، بل كان يتمثل أساسا في تمكين عدد أكبر من الأسر المغربية من امتلاك سكنها الرئيسي، بعدما أصبحت كلفة الاقتناء تمثل أحد أكبر التحديات أمام الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود، فقد أكدت الوزارة، ضمن خارطة الطريق التي وضعتها، أن تعزيز القدرة الشرائية للأسر وتيسير الولوج إلى السكن يشكلان أحد المرتكزات الأساسية للإصلاح الجديد.

ويقوم البرنامج على منح دعم مالي مباشر بقيمة 100 ألف درهم لاقتناء سكن لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 300 ألف و700 ألف درهم، وهو ما خفف جزءا مهما من كلفة الاقتناء بالنسبة لآلاف الأسر، وساهم في تقليص قيمة التمويل البنكي المطلوب.               

وتشير آخر المعطيات الرسمية التي قدمتها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة أمام مجلس النواب، خلال جلسة 22 يونيو 2026، إلى أن عدد المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن بلغ 108 آلاف و459 مستفيداً من الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، وهو ما يعكس استمرار الإقبال على البرنامج واتساع قاعدة المستفيدين عبر مختلف جهات المملكة.

وتظهر الأرقام أن الطلب لم يعد يقتصر على المدن الكبرى، بل امتد إلى مختلف جهات المملكة، كما أن فئات عمرية مختلفة أبدت اهتماما بالبرنامج، إذ يشكل الشباب دون الأربعين سنة أكثر من نصف المستفيدين، وهو ما يعكس أن البرنامج استهدف شريحة كانت تجد صعوبة في ولوج سوق العقار بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة الادخار.

غير أن ارتفاع عدد المستفيدين لا يعني بالضرورة أن معضلة الولوج إلى السكن قد حلت بالكامل، فعدد الطلبات المسجلة يفوق بكثير عدد الملفات التي استفادت فعليا من الدعم، وهو ما يعكس استمرار وجود طلب مرتفع على السكن، لكنه يكشف أيضا عن وجود تحديات مرتبطة باستكمال الملفات، والحصول على التمويل البنكي، واختيار السكن المناسب ضمن السقف المالي المحدد.

كما أن الدعم المالي، مهما بلغت أهميته، يبقى جزءا من تكلفة الاقتناء، إذ ما تزال الأسرة مطالبة بتغطية الجزء المتبقي من الثمن، وهو ما يجعل الولوج إلى القروض البنكية وأسعار الفائدة ومستوى الدخل عوامل مؤثرة في القرار النهائي بالشراء.

ويرى عدد من المتابعين أن نجاح البرنامج ينبغي أن يقاس على المدى المتوسط، ليس فقط بعدد المستفيدين، وإنما بقدرته على تحويل الأسر التي كانت خارج سوق العقار إلى ملاك فعليين، مع الحفاظ على استقرار الأسعار وتوفير عرض سكني كاف يستجيب للطلب المتزايد.

هل حقق البرنامج الهدف الذي أطلق من أجله؟

شكلت الطبقة المتوسطة إحدى أكثر الفئات التي راهنت عليها الحكومة عند إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، كونها كانت لسنوات خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج السكن الاجتماعي، وفي الوقت نفسه لم تكن قادرة على تحمل الارتفاع المتواصل في أسعار العقار أو كلفة التمويل البنكي.

ولهذا، صممت الحكومة البرنامج بشكل يسمح باستفادة الأسر الراغبة في اقتناء سكن يصل ثمنه إلى 700 ألف درهم، وهو سقف يستهدف أساسا جزءا كبيرا من الطبقة المتوسطة، التي تبحث عن سكن بمواصفات أفضل وفي أحياء أكثر تجهيزا.

وتؤكد المعطيات الرسمية أن 60 في المئة من المستفيدين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، وهو ما تعتبره الوزارة مؤشرا على أن البرنامج نجح في الوصول إلى الفئة التي كانت تواجه أكبر صعوبة في الولوج إلى التملك.

غير أن خبراء الاقتصاد يعتبرون أن نجاح البرنامج بالنسبة إلى هذه الفئة لا ينبغي أن يقاس فقط بنسبة المستفيدين، بل أيضا بمدى قدرتها على تحمل الأقساط الشهرية للقروض في ظل استمرار ارتفاع أسعار بعض العقارات، وتكاليف المعيشة، والفوائد البنكية، خاصة بالنسبة للأسر الشابة التي توجد في بداية مسارها المهني.

كما يطرح ارتفاع الطلب على السكن تحديا آخر يتعلق بضرورة مواكبة العرض العقاري لهذا الإقبال، حتى لا يؤدي ارتفاع الطلب إلى الضغط على الأسعار، وهو ما قد يقلص جزءا من الأثر الإيجابي للدعم.

وفي المقابل، يرى منعشون عقاريون أن وجود دعم مباشر موجه للمواطن خلق وضوحا أكبر داخل السوق، وشجع المستثمرين على إطلاق مشاريع جديدة، بعدما أصبح الطلب أكثر استقرارا مقارنة بالسنوات السابقة.

ويؤكد متابعون أن قدرة البرنامج على الحفاظ على هذا الزخم ستظل رهينة باستمرار توازن العلاقة بين الدعم العمومي، وأسعار العقار، وكلفة التمويل، حتى لا يتحول ارتفاع الطلب إلى عامل يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما قد يحد من أثر البرنامج بالنسبة للطبقة المتوسطة.

استفادة النساء.. هل تغيّرت خريطة التملك؟

وإذا كانت السياسات السكنية السابقة تقاس في الغالب بعدد الوحدات السكنية التي يتم إنجازها، فإن البرنامج الجديد أضاف مؤشرا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بهوية المستفيدين من الدعم، فإلى جانب استهداف الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، أتاح البرنامج إمكانية قياس مدى استفادة النساء والشباب ومغاربة العالم من حق التملك، باعتباره أحد المؤشرات المرتبطة بالإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

وتظهر المعطيات الرسمية التي تحصلت عليه “AM+ MEDIA” من وزارة إعداد التراب الوطنب أن النساء يمثلن 47.5 في المئة من مجموع المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن إلى غاية 7 ماي 2026، وهي نسبة تعتبرها الحكومة مؤشرا على اتساع قاعدة الولوج إلى التملك مقارنة بالبرامج السابقة، التي كانت ترتبط في الغالب بالأسرة كوحدة اجتماعية دون إبراز توزيع المستفيدين حسب الجنس.

ولا تعني هذه النسبة بالضرورة أن جميع المستفيدات اقتنين مساكن بشكل فردي، إذ إن جزءا من الطلبات يقدم باسم أحد الزوجين، غير أنها تعكس حضورا متزايدا للمرأة داخل سوق العقار، سواء باعتبارها المقتنية الرئيسية أو شريكة في عملية الاقتناء.

ويرى متابعون أن هذا المعطى يرتبط بعدة عوامل، من بينها ارتفاع نسبة النساء المشتغلات، وتوسع ولوجهن إلى التمويل البنكي، إضافة إلى اعتماد البرنامج على معايير موضوعية للاستفادة، بعيدا عن أي تمييز مرتبط بالجنس أو الوضعية الاجتماعية.

كما ينسجم هذا التوجه مع المقاربة الحكومية الرامية إلى تعزيز الإدماج الاقتصادي، باعتبار أن امتلاك السكن لا يمثل فقط استقرارا اجتماعيا، بل يشكل أيضا أحد أشكال بناء الثروة الأسرية وتعزيز الاستقلالية المالية.

ومع ذلك، يرى خبراء أن رفع نسبة استفادة النساء بشكل أكبر يظل رهينا باستمرار تحسين ولوج المرأة إلى سوق الشغل، ورفع دخلها، وتوسيع استفادتها من التمويل، لأن الدعم المالي وحده لا يكفي إذا لم يكن مقرونا بقدرة فعلية على تحمل باقي كلفة الاقتناء.

هل نجح البرنامج في تقليص الفوارق المجالية؟

منذ انطلاق الحوار الوطني حول التعمير والإسكان سنة 2022، وضعت الوزارة تقليص الفوارق المجالية في صلب الإصلاح الجديد، معتبرة أن الولوج إلى السكن لا ينبغي أن يبقى رهينا بالمدن الكبرى، بل يجب أن يشمل أيضا العالم القروي والمناطق الجبلية، التي تعاني في كثير من الأحيان من ضعف العرض السكني، وقلة الاستثمار، وصعوبة الولوج إلى التمويل. وقد جعلت خارطة الطريق من دعم العالم القروي وتعزيز جاذبيته الاقتصادية أحد أهدافها الاستراتيجية.

كما أبرز التشخيص الذي أعدته الوزارة قبل إطلاق الإصلاح وجود اختلالات خاصة بالمجال القروي، من بينها ضعف التخطيط، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وندرة فرص الشغل، وهو ما انعكس على جاذبية الاستثمار والسكن بهذه المناطق.

ورغم أن البرنامج مفتوح أمام جميع جهات المملكة، فإن الاستفادة منه تختلف بحسب طبيعة العرض العقاري. ففي المدن الكبرى، يجد المواطن خيارات أكثر تنوعا، سواء من حيث عدد المشاريع أو أنواع السكن، بينما يظل العرض محدودا في عدد من الجماعات القروية والمراكز الصاعدة، وهو ما يجعل الاستفادة مرتبطة أيضا بقدرة السوق المحلية على توفير مساكن تستجيب لشروط البرنامج.

ولهذا، تؤكد الوزارة أن نجاح السياسة السكنية لا يقتصر على تقديم الدعم المالي، بل يرتبط أيضا بإعداد التراب، وتسريع وثائق التعمير، وتحسين جاذبية المراكز القروية، وتشجيع الاستثمار بها، حتى يصبح العرض السكني متوفرا خارج المحاور الحضرية الكبرى. وقد تضمنت خارطة الطريق إجراءات لتطوير المراكز القروية الصاعدة، وإحداث أقطاب متخصصة بالعالم القروي، وتسريع وثائق التعمير، وتبسيط المساطر لفائدة الاستثمار.

ويعتبر متابعون أن نجاح البرنامج في تحقيق العدالة المجالية سيقاس خلال السنوات المقبلة بمدى قدرته على تشجيع المنعشين العقاريين على الاستثمار خارج المدن الكبرى، وبمدى توفر البنيات التحتية والخدمات الأساسية التي تجعل السكن في العالم القروي خيارا اقتصاديا واجتماعيا مستداما، وليس مجرد استفادة من دعم مالي.

لماذا انخرط المنعشون في البرنامج الحالي بينما تعثر برنامج 2019؟

تكشف حصيلة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة عن تفاوت واضح بين نتائج برنامج الدعم المباشر للسكن والبرنامج السابق الموجه إلى السكن الاجتماعي بالعالم القروي.

فقد انطلق برنامج السكن الاجتماعي بالقرى سنة 2019 على أساس إبرام اتفاقيات مع المنعشين العقاريين لإنجاز مساكن اجتماعية بالمجال القروي، إذ بلغ عدد الاتفاقيات الموقعة 13 اتفاقية، تستهدف بناء 6852 وحدة، غير أن المنجز لم يتجاوز 1347 وحدة إلى غاية مارس 2025، ما دفع الوزارة إلى الإقرار بأن البرنامج لم يحقق الأهداف المنتظرة ولم يعرف انخراطا كافيا للمنعشين.

أما البرنامج الحالي، فيقوم على تقديم الإعانة مباشرة إلى الأسر المؤهلة، بدل ربطها بمشاريع عقارية متعاقد بشأنها مسبقا، وتبلغ قيمة الدعم 100 ألف درهم بالنسبة إلى السكن الذي لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم بالنسبة إلى السكن الذي يتراوح سعره بين 300 ألف و700 ألف درهم.

وساهم هذا التحول في توفير طلب ممول جزئيا داخل السوق، بعدما أصبح المستفيد يتوفر على مساهمة من الدولة في ثمن المسكن، وهو ما شجع المنعشين والمقاولات الصغرى على عرض وحدات منسجمة مع الشروط المالية للبرنامج.

ويؤكد عمر رحال، منعش عقاري بدوار قصبة الطاهر، في تصريح لمنصة “AM+ MEDIA”  إن تحويل الدعم مباشرة إلى المقتني أحدث تغييرا مهما في السوق العقارية، لأنه جعل المستفيد هو من يختار المشروع الذي يناسب احتياجاته، بدل أن يكون الدعم مرتبطا بمنتج عقاري معين، مضيفا أن هذا التحول أعاد الثقة إلى عدد من الأسر، وساهم في تحريك الطلب، كما دفع المنعشين العقاريين إلى تحسين جودة المشاريع والأسعار والخدمات من أجل استقطاب الزبناء.

وأوضح أن الطلب أصبح اليوم أكثر وضوحا بالنسبة إلى المستثمرين مقارنة بالسنوات الماضية، إذ بات المنعش العقاري يمتلك رؤية أفضل للفئات المستهدفة وقيمة الدعم الذي تستفيد منه، وهو ما يساعد على برمجة المشاريع واتخاذ قرارات الاستثمار بثقة أكبر، كما أن ارتفاع عدد الراغبين في الاستفادة من البرنامج منح الفاعلين في القطاع مؤشرات أوضح حول احتياجات السوق، خاصة في المدن التي تعرف طلبًا متزايدًا على السكن.

وفي المقابل، أشار رحال إلى أن إنجاز مشاريع سكنية في المجال القروي ما يزال يواجه عددا من التحديات، في مقدمتها ضعف التجهيزات الأساسية في بعض المناطق، وتعقيد المساطر المرتبطة بالتعمير والعقار، إضافة إلى محدودية الطلب مقارنة بالمجال الحضري، وهو ما يقلص الجدوى الاقتصادية للمشاريع العقارية، معتبرا أن تشجيع الاستثمار في العالم القروي يقتضي مواكبة إضافية من خلال تحسين البنيات التحتية، وتبسيط المساطر الإدارية، وإقرار تحفيزات خاصة تراعي خصوصية هذه المناطق، بما يساهم في تحقيق تنمية عمرانية أكثر توازنا.

دعم السكن ينعش معاملات العقار والبناء

إلى جانب البعد الاجتماعي، قدمت الحكومة برنامج الدعم المباشر للسكن باعتباره آلية لإنعاش قطاع العقار، وتحريك الاستثمار، وإشراك المقاولات الصغرى والمتوسطة، ودعم فرص الشغل في البناء والأنشطة المرتبطة به.

وإلى غاية 3 يونيو 2026، صرح أديب بنبراهيم، كاتب الدولة المكلف بالإسكان، بمجلس المستشارين، بأن القيمة الإجمالية للمساكن المقتناة تجاوزت 43.19 مليار درهم، مقابل مساهمة للدولة بلغت نحو 8.6 مليارات درهم في شكل دعم مباشر، أي ما يمثل حوالي 20 في المئة من القيمة الإجمالية للاستثمارات المنجزة.

وساهم البرنامج، إلى جانب برامج السكن الاجتماعي والسكن منخفض التكلفة، في توفير ما مجموعه 99 ألفاً و140 وحدة سكنية مدعمة إلى غاية متم سنة 2025.

وتزامن تنفيذ البرنامج مع تحسن عدد من مؤشرات القطاع، إذ سجلت مبيعات الإسمنت ارتفاعا بنسبة 7 في المئة، وزاد عدد المعاملات العقارية بنسبة 12.1 في المائة، فيما ارتفعت مبيعات العقارات السكنية بنسبة 11.1 في المئة، ومبيعات الأراضي الحضرية بنسبة 25.6 في المئة.

كما ارتفعت قروض السكن بنسبة 1.49 في المئة، والقروض الموجهة إلى المنعشين العقاريين بنسبة 5.57 في المئة، وفق الفترات المرجعية الواردة في العرض الوزاري.

وتعكس هذه المؤشرات استعادة القطاع جزءا من ديناميته، غير أن قياس الأثر المباشر للبرنامج يحتاج إلى التمييز بين المساكن الجديدة والمساكن الجاهزة التي جرى تداولها داخل السوق، وبين أثر الدعم وبقية العوامل المؤثرة في العقار والبناء.

وبينما تظهر الأرقام تحسنا في معاملات العقار، وارتفاعا في مبيعات الإسمنت، وانتعاشا في القروض السكنية، يظل تقييم الأثر الاقتصادي الحقيقي للبرنامج مرتبطا بمدى قدرته على تحويل هذا التحسن الظرفي إلى دينامية استثمارية مستدامة.

وفي هذا الإطار، يرى بدر الزاهر الأزرق، المحلل الاقتصادي، أن المؤشرات الحالية تعكس عودة الثقة تدريجيا إلى السوق العقارية، لكنها تستدعي قراءة متأنية لتمييز ما هو ناتج عن برنامج الدعم وما يرتبط بعوامل اقتصادية أخرى.

ويؤكد أن ارتفاع مبيعات الإسمنت والمعاملات العقارية يشير إلى تحسن النشاط داخل القطاع، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع العمليات ترتبط بإنتاج مساكن جديدة، إذ إن جزءا مهما من هذا النشاط يعود إلى تسويق المخزون السكني الجاهز الذي ظل ينتظر الطلب خلال السنوات الماضية.

ويضيف أن الدعم المباشر للمقتنين نجح في تحريك هذا الطلب الكامن، وهو ما انعكس على وتيرة البيع واستعادة السوق جزءاً من حيويتها، قبل أن تبدأ آثاره تدريجياً في تشجيع المنعشين على إطلاق مشاريع جديدة استجابة لتحسن مؤشرات السوق.

ويشير إلى أن البرنامج لم يؤثر فقط على حركة البيع والشراء، بل امتد أثره إلى القطاع البنكي، حيث ساهم في رفع الطلب على القروض السكنية من خلال تعزيز القدرة الشرائية للأسر المستفيدة وتقليص حجم التمويل الذي تحتاج إليه لإتمام عملية الاقتناء. كما استفاد المنعشون العقاريون بصورة غير مباشرة من تحسن وتيرة التسويق، وهو ما عزز ثقة المؤسسات البنكية في تمويل مشاريع جديدة، لأن انخفاض مخاطر التسويق ينعكس إيجاباً على قرارات الاستثمار والتمويل.

ويرى بدر أن الحفاظ على هذه الدينامية يظل رهيناً باستمرار وضوح البرنامج واستقراره، مع توفير عرض سكني كافٍ يستجيب للطلب المتزايد، وتسريع المساطر الإدارية، وضمان توفر العقار المجهز، إلى جانب الحفاظ على توازن الأسعار حتى لا يتحول ارتفاع الطلب إلى عامل لزيادة أثمنة السكن. ويخلص إلى أن نجاح البرنامج على المدى المتوسط سيقاس بقدرته على الانتقال من تحريك السوق إلى توسيع الإنتاج السكني وخلق استثمارات جديدة وفرص شغل مستدامة، بما يعزز مساهمة قطاع البناء والعقار في النمو الاقتصادي.


اقرأ أيضا

شارك برأيك

التعليقات 0

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

السكن في المغرب.. إصلاح يُحرِّك السوق وتحوّل في فلسفة الدعم يختبر رهان التملك - AM+ MEDIA