Logo
Logo
بلا فلتر
رقم الاسبوع
المدرسة السياسية
AM+ CHECK
AM+ LAB
AM+ TALK
DIGEST
تحت المجهر

من خطاب أجدير إلى التفعيل.. رحلة الأمازيغية في 27 سنة من “العهد الجديد”

لمياء زاوي
من خطاب أجدير إلى التفعيل.. رحلة الأمازيغية في 27 سنة من “العهد الجديد”

على امتداد 27 سنة، انتقلت الأمازيغية في المغرب من مرحلة المطالبة بالاعتراف بمكانتها ضمن الهوية الوطنية، إلى لغة رسمية بنص الدستور، ثم إلى ورش مؤسساتي وقانوني يستهدف إدماجها في مختلف مجالات الحياة العامة.

هذا التحول يعكس مسارا متدرجا لإعادة صياغة مفهوم الهوية المغربية في العهد الجديد، على أساس تعدد روافدها وتكامل مكوناتها، بما جعل الأمازيغية تنتقل من مستوى الاعتراف بمكانتها الثقافية إلى ترسيخ حضورها ضمن البناء الدستوري والمؤسساتي للدولة.

فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخلت الأمازيغية مرحلة جديدة اتسمت بانتقال التعامل معها من مستوى الاعتراف الثقافي إلى بناء مسار مؤسساتي للنهوض بها، توالت ضمنه محطات أساسية شملت خطاب أجدير وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم الاعتراف الدستوري بها لغة رسمية، وصولا إلى وضع إطار قانوني لتفعيل هذا الطابع الرسمي وإدماجها في مجالات الحياة العامة.

وفي “العهد الجديد”، لم تعد الأمازيغية موضوعا ثقافيا فحسب، بل أصبحت جزءا من السياسة اللغوية للدولة، ومسارا مؤسساتيا يرتبط بالتعليم والإدارة والقضاء والإعلام وغيرها من مجالات الحياة العامة.

خطاب أجدير.. تأكيد الاعتراف باللغة الأمازيغية

شكل خطاب أجدير الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2001، محطة مفصلية في تاريخ المغرب، إذ مهد لمرحلة جديدة مع اللغة والثقافة الأمازيغيتين، حاملا دعوة واضحة إلى بناء وعي يقوم على الاعتراف بتعدد مكونات الهوية المغربية وتكاملها.

وتجاوز خطاب أجدير التعامل مع الأمازيغية باعتبارها قضية لغوية أو ثقافية محددة، ليضعها في صلب الهوية الوطنية المشتركة، وجعل “تيفيناغ” جزءا أصيلا من الهوية المغربية الجامعة.

وأكد جلالته في خطابه أن “الأمازيغية، التي تمتد جذورها في أعماق تاريخ الشعب المغربي، هي ملك لكل المغاربة بدون استثناء”، في تأكيد لموقعها ضمن الهوية المغربية الجامعة، وهو التوجه الذي تُرجم مؤسساتيا بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في أكتوبر 2001، ليشكل إطارا مؤسساتيا للنهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين.

وفي هذا السياق، أكد عبد الله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن خطاب أجدير شكل منعطفا تاريخيا حاسما في مسار القضية الأمازيغية، حيث نقلها من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”.

فبفضل التوجيهات الملكية المتعاقبة، التي بدأت بـ”انفراج رمزي” في خطاب 20 غشت 1994 وتجذرت بـخطاب أجدير، تم إخراج الأمازيغية من دائرة “المطالبة الهامشية” إلى رحاب “الالتزام المؤسساتي”، يؤكد بادو.

وأضاف أن “هذا الخطاب أسس لمرحلة “المأسسة” من خلال إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كما أعطى للأمازيغية صفة “الرصيد المشترك” لكل المغاربة، مما وضع حدا للإنكار الرسمي وفتح المجال للعمل العلمي واللساني”.

المعهد الملكي ركيزة النهوض بالأمازيغية

منذ تأسيسه، اضطلع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بدور محوري في النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين، وإدماجهما تدريجيا في مجالات حيوية، من قبيل التربية والتعليم والإعلام والثقافة، مستندا في ذلك إلى شبكة من الشراكات مع مؤسسات عمومية وقطاعات حكومية.

وبعد مرور أكثر من عقدين على إحداثه، راكم المعهد حصيلة واسعة في مجالات البحث اللساني والإنساني، والتعليم والترجمة والنشر والإعلام، بما أسهم في بناء أدوات معرفية ولغوية مهدت للانتقال بالأمازيغية من مرحلة الاعتراف إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي.

ووفق المعطيات التي قدمها المعهد بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لخطاب أجدير، تجاوز إنتاجه المعرفي 500 إصدار في الترجمة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وغيرها، إلى جانب تنظيم نحو 75 ندوة خلال 24 سنة، بما يعكس حجم العمل المؤسساتي الذي واكب مسار النهوض بالأمازيغية منذ سنة 2001.

وفي هذا المسار، برزت محطات مؤسساتية ورمزية أخرى عززت مكانة الأمازيغية، إذ تم سنة 2003 اعتماد حرف “تيفيناغ” لكتابة وتدريس اللغة الأمازيغية، في قرار ملكي جاء استجابة لرأي المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

وشكل القرار خطوة في مسار بناء منظومة لغوية مكتوبة لها أدواتها ومعاييرها الخاصة، وهو ما واكبته جهود المعهد في تنميط الحرف وتهيئة اللغة وإعداد المعاجم والموارد التعليمية.

اعتراف يكرسه الدستور والقانون التنظيمي

وإذا كان خطاب أجدير قد أطلق المسار المؤسساتي، فإن دستور 2011 شكل لحظة التحول الكبرى من الاعتراف السياسي والمؤسساتي إلى الاعتراف الدستوري بتنصيص الفصل الخامس على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء، وأحال إلى قانون تنظيمي يحدد كيفيات إدماج اللغة الأمازيغية في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.

وبذلك، لم تعد مكانة الأمازيغية مرتبطة فقط بإرادة سياسية أو ببرامج ومؤسسات للنهوض بها، وإنما أصبحت التزاما دستوريا على الدولة، الأمر الذي يمثل أحد أبرز التحولات التي طبعت تدبير اللغة الأمازيغية، إذ انتقل المسار من سؤال “الاعتراف” إلى سؤال “كيفيات الترسيم”.

وهو ما أكده بادو بقوله إن “الاعتراف الدستوري لسنة 2011 أحدث تحولا جذريا في طبيعة الترافع الأمازيغي؛ إذ لم يعد النقاش متمحورا حول أحقية وجود الأمازيغية، بل حول كيفية تفعيل رسميتها”، مبرزا أنه “من خلال الفصل الخامس، تحولت الأمازيغية إلى التزام دستوري صريح يفرض على الدولة التخطيط والميزانية والتقييم، مما مهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16”.

 ويوضح عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية أن وضع الدستور حدا قانونيا لـ”مرحلة التجاهل”، وجعل من الأمازيغية مكونا بنيويا في الشخصية المغربية، نقل الملف من كونه قضية ثقافية أو حقوقية إلى ورشٍ مؤسساتي خاضع للمساءلة القانونية.

القانون التنظيمي رقم 26.16.. ترجمة الالتزام الدستوري

ويأتي القانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر سنة 2019، ليترجم هذا الالتزام الدستوري إلى إطار قانوني يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في التعليم ومختلف مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.

وأدخل القانون التنظيمي الورش مرحلة جديدة لم يعد فيها التحدي الأساسي هو تثبيت مكانة الأمازيغية، وإنما توفير الشروط البشرية والمؤسساتية والمالية والتقنية اللازمة لتحويل الترسيم إلى ممارسة فعلية.

ويوضح بادو أن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية سنة 2011 نقل مركز النقاش من المطالبة بالاعتراف إلى البحث في كيفية تفعيل طابعها الرسمي، ثم من مطلب ثقافي أو حقوقي إلى التزام دستوري صريح بموجب الفصل الخامس، بما فرض على الدولة التزامات قانونية ومالية مرتبطة بالتخطيط والميزانية والتقييم، ومهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي رقم 26.16.

وفي الوقت نفسه، يضيف المتحدث، وضع الاعتراف الدستوري حدا لمرحلة تجاهل أو إقصاء اللغة والثقافة الأمازيغيتين، ورسخ التعامل معهما باعتبارهما مكونا بنيويا في الشخصية المغربية وليس كملف ثانوي.

وانعكس هذا التحول تدريجيا على الحضور في القطاعات الحيوية، حيث تعزز حضور الأمازيغية وتزايد الاهتمام بها، لتنتقل من موقع محدود إلى مكون أكثر حضورا في قطاع التعليم، الإدارة، والمشهد الإعلامي الوطني.

حضور الأمازيغية في القطاعات الأساسية

لم يعد تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية مرتبطا فقط بالنصوص القانونية، بل بدأ ينعكس تدريجيا على عدد من المجالات التي تلامس الحياة اليومية للمواطن.

ويحدد القانون التنظيمي رقم 26.16 مجالات واسعة لهذا الإدماج، تشمل التعليم والإعلام والإدارات والمرافق العمومية والتقاضي والفضاءات العمومية.

ففي مجال التدريس، انتقلت الأمازيغية تدريجيا من مرحلة الإدماج المحدود إلى توسيع نطاق تدريسها في التعليم الابتدائي، في إطار مخطط يستهدف تعميمها على مختلف المؤسسات التعليمية.

وأشار الناشط الأمازيغي ذاته إلى أن الوضع انتقل من الغياب أو التهميش إلى توسع كمي ملحوظ، حيث بلغت نسبة التغطية في التعليم الابتدائي حوالي 32 بالمئة من المؤسسات سنة 2024، مع وجود 16.530 قسما.

وفي مجال الإدارة، بدأ التفعيل ينتقل من وضع الإطار القانوني إلى توفير خدمات فعلية باللغة الأمازيغية، من خلال الاستقبال والتوجيه والإرشاد، ومراكز الاتصال، وترجمة بعض اللوحات وعلامات التشوير، وإدماج الأمازيغية في المواقع والخدمات الرقمية.

وفي قطاع الإعلام، بعدما كان حضور الأمازيغية في الإعلام العمومي يقتصر على مساحات زمنية أكبر، فإن تأسيس القناة الأمازيغية سنة 2010، وفر فضاء لإنتاج الأخبار والبرامج الثقافية والوثائقية والدرامية والرياضية بالأمازيغية.

ومنذ انطلاقتها، راكمت القناة إنتاجا متنوعا يشمل البرامج الإخبارية والثقافية والترفيهية والوثائقية، بمختلف روافد اللغة الأمازيغية، وأسهمت في تثمين التراث والثقافة الأمازيغيين وتعزيز حضور اللغة في الفضاء الإعلامي الوطني، كما أتاحت للناطقين بها متابعة مضامين إعلامية بلغتهم، لتشكل إحدى أولى صور الحضور المنتظم للأمازيغية داخل المرفق الإعلامي العمومي.

 2023.. زخم متواصل

واكتسب مسار تفعيل الأمازيغية زخما جديدا، بعد القرار الملكي الصادر في ماي 2023 بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مدفوعة الأجر، على غرار رأس السنة الميلادية وفاتح محرم.

وقد حمل القرار دلالة تتجاوز الجانب الاحتفالي، باعتباره إدماجا لمناسبة مرتبطة بالثقافة والتاريخ الأمازيغيين ضمن الأجندة الوطنية الرسمية، بما يعكس الانتقال من الاعتراف بالأمازيغية كمكون من مكونات الهوية إلى جعل رموزها حاضرة في الحياة العامة للمغاربة.


اقرأ أيضا

شارك برأيك

التعليقات 0

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!