Logo
Logo
بلا فلتر
رقم الاسبوع
المدرسة السياسية
AM+ CHECK
AM+ LAB
AM+ TALK
DIGEST
تحت المجهر

“نظّارة الصحراء”.. كيف كتبت الحكمة الملكية معادلة الإجماع الدولي؟

خولة اجعيفري
“نظّارة الصحراء”.. كيف كتبت الحكمة الملكية معادلة الإجماع الدولي؟

مساء أول أمس الأربعاء، أطلّ جلالة الملك محمد السادس على شعبه بخطاب العرش السابع والعشرين، في لحظة اختزلت مفارقة جديرة بالتأمل فملف الصحراء المغربية، الذي ظل لعقود أولوية دبلوماسية قصوى استوجبت تعبئة دائمة لكل مقدرات الدولة، فيما تحوّل اليوم إلى الرافعة الأولى لمكانة المغرب الخارجية بل وأيضا إلى محكّ حقيقي تُقاس عليه جدّية أي طرف يريد بناء شراكة فعلية مع الرباط.

لم تُغيّر سبعة وعشرون عاما من الحكم البوصلة الاستراتيجية قيد أنملة، غير أنها حوّلت “الصبر الاستراتيجي” الذي كثيرا ما وُصف به النهج الملكي من خطاب انتظار إلى رصيد سياسي ملموس لا يُقاس اليوم بلغة الشعارات بل بلغة الوقائع التي ترجمتها قرارات أممية متعاقبة، واتفاقيات ثنائية ودولية، وقنصليات مفتوحة في العيون والداخلة تعكس اعترافا متصاعدا بواقع أضحى ثابتا من ثوابت الدبلوماسية الدولية.

هذا التحول، من موقع الترافع الدبلوماسي الدؤوب إلى موقع المبادرة وقيادة الأجندة، هو ما يمنح خطاب العرش لهذا العام بعدا يتجاوز الطقس الاحتفالي المعتاد، ليصير مناسبة لقراءة حصيلة أكثر من عقدين ونصف من إعادة تموضع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.

الصحراء المغربية من ملف نزاع مفتعل إلى مرجعية أممية

لطالما وصف جلالة الملك محمد السادس قضية الصحراء بأنها “منظار” يُقاس من خلاله جدية أي علاقة خارجية للمملكة، وما كان في السابق موقفا سياديا مغربيا صِرفا بات اليوم موقفا تتبناه أعلى هيئة أممية.

الحدث المفصلي الأول جاء في دجنبر 2020 حين اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية رسميا بسيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الجنوبية، اعترافٌ لم يكن عابرا كما حاول خصوم الوحدة الترابية تصويره، بل تأكّد مجددا في 19 يوليوز عندما أكدت الإدارة الأمريكية الجديدة حينها التي ترأسها جو بايدن على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر، أن بلاده اتخذت بالفعل خطوة الاعتراف بمغربية الصحراء وأن هذا الموقف لم يتغير رغم تغير الإدارة من ترامب إلى بايدن، وفي 8 أبريل 2025 في عهد الإدارة الأمريكية الجديدة، شددت على ذلك أيضا ليصبح موقفا أمريكيا ثابتا عابرا للتقلبات الحزبية في واشنطن.

هذا الزخم انتقل إلى الشريك الأوروبي التاريخي الأول أي فرنسا، ففي يوليوز اعترفت باريس بمغربية الصحراء، ثم في أكتوبر 2024، وخلال زيارة دولة قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرباط، جددت تأكيدها رسميا بسيادة المغرب على صحرائه، لتُختم هذه الدينامية بعقد الاجتماع المغربي-الفرنسي الرفيع المستوى الخامس عشر في يوليوز 2026 بالرباط، الذي أفرز توقيع 14 اتفاقية في الطاقة والنقل والأمن والدفاع، إضافة إلى الشروع في صياغة “معاهدة صداقة” تُعدّ الأولى التي توقعها فرنسا مع دولة غير أوروبية، وهو ما يعكس حجم الأولوية التي أصبح المغرب يحتلها في السياسة الخارجية الفرنسية، إذ لا تزال باريس، بحكم هذه العلاقة التاريخية المتجددة، أكبر مستثمر أجنبي في المغرب، باستثمارات مباشرة بلغت 8.4 مليارات يورو.

أما الذروة المؤسساتية لهذا المسار، فتحققت في 31 أكتوبر 2025، حين تبنّى مجلس الأمن الدولي القرار 2797، بأغلبية 11 صوتا مقابل صفر، وامتناع ثلاث دول فقط (روسيا والصين وباكستان)، بينما لم تشارك الجزائر في التصويت.

القرار لم يقتصر على تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (مينورسو)، بل اعتبر صراحة “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية” أساسا أكثر واقعية لحل النزاع، وأحال الأطراف إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب منذ 2007 بوصفها القاعدة الوحيدة الجادة والموثوقة للمفاوضات، والأهم من ذلك، أن القرار سمّى الجزائر صراحة كطرف أساسي في النزاع، ودعاها إلى الانضمام إلى طاولة المفاوضات، في تحوّل قانوني وسياسي غيّر بشكل صريح وواضح معادلة “المغرب في مواجهة البوليساريو” إلى معادلة “المغرب والجزائر” الحقيقية التي حاولت الجزائر التهرّب منها لعقود.

هذا الإجماع الدولي المتصاعد ترجمته أيضا وقائع جغرافية على الأرض، فمدينتا العيون والداخلة، عاصمتا الأقاليم الجنوبية، تحوّلتا إلى مركزين دبلوماسيين فعليين يستضيفان اليوم 12 قنصلية عامة في العيون و17 قنصلية عامة في الداخلة، أغلبها لدول إفريقية وعربية وكاريبية اختارت أن تترجم موقفها السياسي إلى تمثيل دائم على الأرض، بدل بيانات الدعم الخطابية.

توازن الكبار.. دبلوماسية لا تراهن على معسكر واحد

من أهمّ ما يميز دبلوماسية جلالة الملك محمد السادس أنها لا تختزل نفسها في علاقة تبعية لأي قوة كبرى، بل تحرص على تعدّد الشراكات مع الحفاظ على مسافة استراتيجية متساوية، يواصل من خلالها المغرب تعميق شراكته التاريخية مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، في الوقت ذاته الذي يوسّع فيه علاقاته مع الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج، وهذا التوازن ليس شعارا بل ممارسة يومية.

فحين تصاعد التوتر بين مدريد وواشنطن حول موقفي كل منهما من قضايا الشرق الأوسط، حرص المغرب على تجنّب الانحياز لأي طرف، حفاظا على شراكته مع كليهما دون الدخول في مواجهة مع الجارة الإسبانية التي يربطه بها ملف حساس يتعلق بسبتة ومليلية، وأيضا الشراكة الاستراتيجية بين البلدين والعلاقات المتميزة سيما عقب اعتراف هذه الأخيرة هي الأخرى بمغربية الصحراء.

وفي أزمة أوكرانيا، اختار المغرب موقفا متوازنا يدعو إلى احترام السلامة الترابية لكل الدول، دون الانخراط في خطاب عدائي تجاه موسكو، بما يعكس عقيدة دبلوماسية تفضّل المصلحة الوطنية طويلة المدى على المكاسب السياسية السريعة.

وعلى الصعيد الأمني، يظل المغرب الشريك الجنوبي الأكثر التزاما مع حلف شمال الأطلسي، بقيادته المشتركة لتدريبات “الأسد الإفريقي” الأكبر من نوعها في القارة، ومساهمته الفاعلة في مهام الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، وهو ما تصفه مراكز بحثية أوروبية بأنه “قيمة عملياتية مستدامة” ينبغي أن تُترجم إلى شراكة بنيوية أكثر رسوخا داخل هياكل الحلف .

من “العودة إلى البيت” إلى قيادة المشروع الإفريقي

ولا يمكن فهم الدبلوماسية الملكية دون العودة إلى لحظة 30 يناير 2017، حين صوّتت 39 دولة من أصل 54 عضوا في الاتحاد الإفريقي لصالح إعادة انضمام المغرب إلى المنظمة القارية، بعد غياب دام 33 عاما، ليصبح العضو الخامس والخمسين فيها.

في خطابه أمام قمة أديس أبابا، اختار جلالة الملك محمد السادس عبارة بقيت خالدة في الذاكرة الجماعية المغربية هي أن المغرب “عائد إلى بيته”، ولم تكن تلك العودة انتقاما من الخصوم، بقدر ما كانت تجسيدا لفلسفة ملكية معلنة قوامها أن “الجسم المريض يُعالَج من الداخل أفضل من علاجه من الخارج”.

منذ تلك اللحظة، تحوّلت العلاقة مع إفريقيا من موقف سياسي إلى مشروع تنموي متكامل، فالملك محمد السادس قام بأكثر من 50 زيارة رسمية إلى أكثر من 30 دولة إفريقية منذ توليه العرش، ووقّع خلالها ما يقارب ألف اتفاقية تعاون في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية.

على الصعيد الاقتصادي، تقود مجموعة “المكتب الشريف للفوسفاط” ما يوصف بـ”دبلوماسية الفوسفاط”، عبر استثمارات تفوق 13 مليار دولار حتى 2027 لتوسيع الطاقة الإنتاجية للأسمدة من 12 إلى 20 مليون طن، مع تخصيص جزء كبير من هذا الإنتاج لتلبية أكثر من 90% من حاجيات دول مثل إثيوبيا ونيجيريا من الأسمدة، ما يجعل من الأمن الغذائي الإفريقي ركنا أساسيا في السياسة الخارجية المغربية

وفي البعد الأمني والتنموي لمنطقة الساحل، أطلق الملك محمد السادس أواخر 2023 “المبادرة الأطلسية” لتمكين دول الساحل غير الساحلية -مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد- من الوصول إلى المحيط الأطلسي، ضمن مبادرة تُرجمت عمليا في أبريل 2025 حين استقبل الملك في القصر الملكي بالرباط وزراء خارجية دول تحالف الساحل لتسريع تنفيذها.

وبلغت هذه الرؤية محطتها الأبرز في 20 يوليوز 2026، حين وقّعت الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” في فريتاون على الاتفاق الحكومي الدولي لمدّ أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب، مشروع بقيمة 25 مليار دولار وطول يناهز 6900 كيلومتر، انطلقت فكرته من زيارة الملك التاريخية إلى نيجيريا في دجنبر 2016، بمشاركة ودعم 13 دولة إفريقية على طول الساحل الأطلسي.

ولا يكتمل الحديث عن الحضور المغربي في إفريقيا دون التوقف عند البعد الديني، الذي يستحضر مكانة الملك بصفته أميرا للمؤمنين، فمنذ إحداث “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفريقيين” في يونيو 2015، التي تضم أكثر من 200 عالم دين من مختلف الدول الإفريقية، إلى تأسيس “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات” في الرباط سنة 2015، رسّخ المغرب حضوره الروحي في القارة عبر نشر قيم الإسلام الوسطي المالكي المتسامح، بوصفه سدا في مواجهة التطرف، وامتدادا طبيعيا للروابط الصوفية التاريخية التي تجمع المغرب بغرب إفريقيا والساحل .

الجزائر، الجار الذي لم يُغلق الملك الباب أمامه

على النقيض من هذا المسار التصاعدي، ظلت العلاقة مع الجزائر نقطة ظل في العلاقات المغربية الخارجية، ليس بسبب أي تصلّب مغربي بل بفعل عداء جزائري متجدد ظل الملك محمد السادس يقابله بخطاب اليد الممدودة في كل خطب عيد العرش المتعاقبة، فالحدود البرية بين البلدين مغلقة منذ 1994، وأغلقت الجزائر مجالها الجوي مع المغرب سنة 2021، إضافة إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية بشكل كامل في نفس السنة.

ومع ذلك، فإن قرار مجلس الأمن 2797 الذي سمّى الجزائر طرفا في النزاع، وطالبها رسميا بالانضمام إلى مباحثات الطاولة المستديرة، وضع الجارة الشرقية أمام عزلة دبلوماسية متصاعدة، في وقت يستمر فيه المغرب بخطاب الانفتاح تجاه “الشعب الجزائري الشقيق”، بحسب التعبير الملكي المتكرر في خطب العرش الأخيرة.

نظّارة الصحراء التي لم تتغير

سبعة وعشرون عاما من الحكم لم تُغيّر زاوية النظر الملكية إلى العالم، بل عمّقتها وحوّلتها إلى عقيدة دبلوماسية متكاملة بين صبر استراتيجي في ملف الصحراء أثمر إجماعا أمريكيا فرنسيا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا وأمميا غير مسبوق، وتوازن دقيق بين واشنطن وباريس وبكين وموسكو يجنّب المغرب فخّ الاستقطاب.

ولم يعد الحضور المغربي في إفريقيا عنوانا لعودة دبلوماسية فحسب، بل أصبح مشروعا متكاملا تُترجمه الاستثمارات، وتدعمه الشراكات، وتمنحه الروابط الروحية عمقا استراتيجياً متجذرا في التاريخ، رسخ جلالة الملك محمد السادس في قلبه نموذجاً دبلوماسياً يقوم على منطق الإنجاز وعلى أثر المبادرات؛ وهو ما جعل من التجربة المغربية إحدى أبرز قصص التحول في القارة خلال العقود الأخيرة.


اقرأ أيضا

شارك برأيك

التعليقات 0

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!