في الرابع عشر من غشت من كل سنة، يستحضر المغرب ذكرى استرجاع إقليم وادي الذهب سنة 1979، باعتبارها محطة بارزة في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، وذكرى وطنية تختزن أبعادا تاريخية وسياسية ورمزية تتجاوز حدود المناسبة نفسها.
لكن استحضار هذه الذكرى اليوم لا ينبغي أن يظل مجرد عودة إلى صفحات الماضي، بل يفترض أن يكون مناسبة للتأمل في معنى الوطن الموحد، وفي المسار الذي قطعه المغرب منذ الاستقلال، وفي المسؤولية الجماعية تجاه صون وحدته وتعزيز تنميته وترسيخ الثقة في مستقبله.
في هذا المعنى، يصبح وادي الذهب أكثر من اسم في الذاكرة الوطنية، إنه محطة من محطات مسار طويل، ارتبط باسترجاع الأقاليم الجنوبية وبناء مغرب يواصل، جيلا بعد جيل، ترسيخ وحدته وتعزيز اندماج مختلف جهاته ومناطقه في مشروع وطني واحد.
والأهم أن قيمة هذه الذكرى لا تقاس فقط بما وقع في سنة 1979، وإنما بما راكمه المغرب منذ ذلك التاريخ من مشاريع وتنمية وحضور مؤسساتي، وبقدرته على تحويل الوحدة الترابية إلى واقع معاش، يشعر فيه المواطن، أينما كان، بأن المسافة الجغرافية لا تعني مسافة في الانتماء أو الحقوق أو الطموحات.
ولأن الكتابة عن وادي الذهب لا تكتمل من وراء مكتب، فقد كتب هذا المقال في أصيلة مع شمس الأصيل، عابرا بين القراء في مختلف تراب الوطن؛ من الشمال إلى الجنوب، مرورا بكل القرى والمداشر والمدن، في رحلة رمزية عبر الجغرافيا المغربية، وصولا إلى الداخلة، عاصمة جهة الداخلة- وادي الذهب، ثم مواصلة الطريق في اتجاه الكويرة، حتى تكتمل الصورة: صورة الوطن الموحد.
إنها صورة لا ترسمها الخرائط وحدها، وإنما يرسمها امتداد الناس في فضاء وطني واحد، وتنوع المدن والقرى والمداشر، وتعدد اللهجات والثقافات والتقاليد، وتوحد الإحساس بالانتماء إلى وطن واحد.
ومن هنا، فإن استرجاع وادي الذهب يطرح سؤالا يتجاوز التاريخ: ماذا يعني أن يكون الوطن موحدا؟
الوحدة الترابية ليست فقط حدودا جغرافية، ولا قضية تستحضر في المناسبات الوطنية فحسب؛ إنها أيضا تنمية وعدالة مجالية ومؤسسات قوية وفرص متكافئة وشعور مشترك بالمواطنة.
فكلما تقلصت الفوارق بين المجالات، واتسعت فرص التنمية، وتعززت الثقة في المؤسسات، أصبح معنى الوحدة أكثر رسوخا في الحياة اليومية للمواطنين.
ولذلك فإن أفضل احتفاء بذكرى وادي الذهب هو أن نواصل بناء المغرب الذي يجعل من امتداد جغرافيته مصدر قوة، ومن تنوعه رصيدا، ومن وحدته قاعدة لمستقبل أكثر استقرارا وازدهارا.
كما أن استحضار هذه المحطة التاريخية يفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للتعرف على تاريخ بلادها، ليس باعتباره مجموعة من التواريخ والأحداث، وإنما باعتباره مسارا وطنيا متواصلا، صنعته أجيال وراكمته أخرى، وتتحمل الأجيال الحالية مسؤولية الحفاظ على مكتسباته وتطويرها.
إن الطريق من أصيلة إلى الداخلة، ومن الداخلة في اتجاه الكويرة، ليس مجرد مسافة تقاس بالكيلومترات، إنه، في رمزيته، خط يصل أطراف الوطن ببعضها، ويمنح الجغرافيا معنى سياسيا وإنسانيا ووطنيا أعمق.
وعندما نصل في هذه الرحلة المتخيلة إلى أقصى الجنوب، لا تكون الغاية مجرد بلوغ نقطة جغرافية، بل اكتمال المشهد: شمال يلتقي بجنوب، قرية بالمدينة، ساحل بالداخل، ومجالات متعددة تلتقي في وطن واحد.
تلك هي الصورة التي تستحق أن تستعاد في ذكرى 14 غشت: صورة المغرب الموحد، الممتد من طنجة، وبعدها أصيلة إلى الداخلة، ومن الداخلة في اتجاه الكويرة، وطن تتعدد جغرافياته وتتوحد هويته، وتتجدد فيه مسؤولية الأجيال عن صون الوحدة وبناء المستقبل.
فالتاريخ يمنحنا الذاكرة، والجغرافيا تمنحنا الامتداد، لكن المستقبل يحتاج إلى العمل.
ومن هنا، فإن ذكرى استرجاع وادي الذهب ليست فقط مناسبة لاستحضار ما تحقق بالأمس، بل دعوة إلى مواصلة بناء ما نريده غدا: مغربا موحدا، قويا في تنوعه، متماسكا في مجاله، وواثقا في مستقبله.











