وضعت الحكومة، السيادة المائية في صدارة رهانات مشروع قانون المالية لسنة 2027، من خلال تسريع إنجاز 14 سدا كبيرا وإطلاق منشآت جديدة لتحلية مياه البحر وتوسيع شبكة الطرق السيارة للماء، في إطار توجه يستهدف رفع القدرة الوطنية للتخزين إلى أكثر من 24 مليار متر مكعب بنهاية السنة المقبلة مع زيادة إنتاج المياه المحلاة إلى أزيد من 1.8 مليار متر مكعب سنويا بحلول سنة 2031، بما يغطي نحو 60 في المائة من احتياجات المملكة من الماء الشروب.
وجاء ذلك، ضمن مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027، التي كشفت عن توجه حكومي لتقليص هشاشة التزويد بالمياه أمام التقلبات المناخية سيما وأن البلاد ذاقت ويلات الجفاف الحاد خلال العقود الست الماضية، إذ سيتم ذلك عبر تعزيز قدرة المغرب على إنتاج موارده المائية وتخزينها ونقلها بين الجهات وتقليل الاعتماد على التساقطات المطرية باعتبارها المصدر التقليدي الرئيسي لتعبئة المياه.
وتقوم هذه المقاربة على توسيع البنيات التحتية المائية وتنويع مصادر التزويد، وتحسين مردودية شبكات التوزيع والري وحماية المخزونات الجوفية، في ظل تزايد الطلب على المياه الموجهة للاستهلاك المنزلي والأنشطة الفلاحية والصناعية.
14 سدا كبيرا لتعزيز المخزون الوطني
وفي مقدمة الأوراش المبرمجة، تعتزم الحكومة مواصلة أشغال بناء 14 سدا كبيرا توجد حاليا في طور الإنجاز، مع إطلاق مشروع سد كبير جديد وتعليـة سد آخر، بهدف زيادة القدرة الوطنية على تعبئة المياه السطحية ورفع الطاقة التخزينية إلى أكثر من 24 مليار متر مكعب مع نهاية سنة 2027.
وتندرج هذه المشاريع ضمن استكمال البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027، الذي مكن منذ انطلاقه من استكمال إنجاز ثمانية سدود كبرى، بطاقة تخزينية إضافية تصل إلى 1.89 مليار متر مكعب.
ويتعلق الأمر بسدود قدوسة، وتيداس، وتودغى، وأكدز، وفاسك، وكدية بورنة، ومداز، وغيس، التي عززت القدرة الوطنية على تخزين المياه وتعبئة الموارد السطحية.
كما شهدت خمسة سدود كبرى أخرى عملية ملء استباقي لحقيناتها، بطاقة تخزينية إجمالية تبلغ 746 مليون متر مكعب، وهي سد الساقية الحمراء بالعيون، وآيت زيات بإقليم الحوز، وسيدي عبو بتاونات، وبني عزيمان بالدريوش، وتمري بأكادير.
وإلى جانب المنشآت الكبرى، تواصل الحكومة تنفيذ برنامج يضم 155 سدا صغيرا وتليا، أُنجز منها 24 سدا، فيما توجد 32 منشأة أخرى قيد الإنجاز.
وتستهدف هذه المنشآت تعزيز التزويد المحلي بالمياه، ودعم الأنشطة الزراعية، وتقوية قدرة المناطق القروية على مواجهة فترات الجفاف، بما يسمح بتوسيع الاستفادة من البنيات المائية خارج المراكز الحضرية الكبرى.
تحلية مياه البحر.. إنتاج 1.8 مليار متر مكعب سنويا
وتحتل تحلية مياه البحر موقعا رئيسيا في الاستراتيجية الحكومية للسيادة المائية، باعتبارها مصدرا إضافيا للتزويد لا يرتبط مباشرة بحجم التساقطات المطرية أو بمستويات ملء السدود.
وبعد إنجاز محطات أكادير والجرف وآسفي، تستعد الحكومة لإدخال منشآت جديدة حيز الاستغلال خلال سنة 2027، تشمل محطة الداخلة، وتوسعة محطة آسفي لتأمين التزويد بالماء لمدينة مراكش، إلى جانب تشغيل المرحلة الأولى من محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء الكبرى.
ومن شأن هذه المشاريع وفق الأهداف المعلنة، تعزيز تأمين الماء الشروب للتجمعات السكانية الكبرى، وتخفيف الضغط على الموارد المائية التقليدية، خصوصا حقينات السدود التي تتأثر بتوالي سنوات الجفاف.
وتتجه الحكومة في مرحلة لاحقة، إلى تطوير جيل جديد من محطات التحلية المعتمدة على الطاقات المتجددة، مع برمجة مشاريع في الجهة الشرقية وسوس ماسة وطنجة وكلميم طانطان والرباط، يرتقب دخولها حيز الاستغلال خلال سنتي 2029 و2030.
وتراهن هذه المشاريع على رفع القدرة الوطنية لإنتاج المياه المحلاة إلى أكثر من 1.8 مليار متر مكعب سنويا في أفق سنة 2031، بما يسمح بتغطية نحو 60 في المائة من الحاجيات الوطنية من الماء الشروب.
ويشمل هذا التوجه أيضا إرساء صناعة وطنية متخصصة في تحلية مياه البحر، عبر توسيع مشاركة المقاولات المغربية في إنجاز المشاريع وتطوير التجهيزات والخدمات المرتبطة بها، إلى جانب تكوين كفاءات تقنية متخصصة.
ويكتسي هذا الجانب أهمية ضمن تصور السيادة المائية، إذ تسعى الحكومة إلى مواكبة الاستثمار في محطات التحلية بتطوير القدرات الصناعية والبشرية الوطنية المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
الطرق السيارة للماء.. نقل الموارد بين الأحواض لتأمين المدن
وفي محور آخر من استراتيجية تأمين الموارد المائية، تعتزم الحكومة مواصلة تطوير مشاريع الربط بين الأحواض، المعروفة بالطرق السيارة للماء، بهدف تحويل الموارد من الأحواض التي تتوفر على كميات قابلة للتعبئة إلى المناطق التي تواجه عجزا في التزويد.
وقد دخل الشطر الأول من مشروع تحويل مياه حوض سبو نحو حوض أبي رقراق حيز التشغيل، بصبيب يبلغ 15 مترا مكعبا في الثانية، بما يساهم في تعزيز تأمين التزويد بالماء الشروب على محور الرباط والدار البيضاء.
وفي شمال المملكة، يساهم مشروع الربط بين سد وادي المخازن وسد دار خروفة، بصبيب يصل إلى 3.2 أمتار مكعبة في الثانية، في دعم التزويد بالماء لمدينة طنجة.
وتخطط الحكومة خلال سنة 2027 لمواصلة التحضير لمشروع الربط بين أحواض سبو وأبي رقراق وأم الربيع، مع اشتراط مراعاة حجم الموارد المتاحة والحفاظ على التوازنات المائية للأحواض المعنية.
وتقوم هذه المشاريع على مبدأ التضامن المائي بين الجهات، من خلال إتاحة نقل المياه وفق الحاجيات والإمكانات المتوفرة، بما يحد من مخاطر انقطاع التزويد ويعزز قدرة منظومة الإمداد الوطنية على التعامل مع التفاوت في توزيع الموارد.
توسيع استعمال المياه المحلاة في الفلاحة
ولا تقتصر المشاريع الحكومية على تأمين الماء الشروب، إذ يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 إجراءات تستهدف تخفيف الضغط الذي يمارسه النشاط الفلاحي على الموارد المائية.
وتعتزم الحكومة مواصلة تحديث شبكات الري وتأهيل قنوات السقي، إلى جانب تحويل مساحات زراعية إضافية نحو تقنيات الري الموضعي، بهدف الحد من ضياع المياه وتحسين مردودية استعمالها.
كما يشمل البرنامج توسيع استخدام المياه المحلاة في الأنشطة الفلاحية، إذ يتضمن مشروع الداخلة توفير مياه السقي لفائدة مساحة تبلغ 5 آلاف هكتار.
وتدرس الحكومة كذلك تطوير شراكات جديدة بين القطاعين العام والخاص لتزويد مدارات فلاحية بالمياه المحلاة، خصوصا بمنطقتي سيدي رحال وملوية.
ويرتبط هذا التوجه بالسعي إلى توفير مصادر مائية إضافية للإنتاج الفلاحي، مع تقليص الضغط على المياه السطحية والجوفية، التي تتأثر بارتفاع الطلب وتراجع الموارد خلال فترات الجفاف.
رفع مردودية شبكات الماء إلى 78 في المائة
وفي موازاة الاستثمار في إنتاج المياه وتخزينها، وضعت الحكومة تقليص ضياع الموارد داخل شبكات التوزيع ضمن أولوياتها لسنة 2027.
وتستهدف بلوغ مردودية وطنية لشبكات توزيع الماء الشروب بنسبة 78 في المائة، عبر تحسين البنيات التحتية وتقليص التسربات والرفع من كفاءة عمليات التوزيع.
كما تعتزم تسريع مشاريع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، خصوصا في سقي المساحات الخضراء وملاعب الغولف، بما يسمح بتوجيه كميات أكبر من الموارد المائية التقليدية نحو الاستعمالات ذات الأولوية.
وتعكس هذه التدابير توجها نحو الجمع بين زيادة العرض المائي وترشيد الطلب، باعتبار أن تأمين الموارد لا يرتبط بحجم الإنتاج والتخزين وحده، وإنما أيضا بقدرة الشبكات على إيصال المياه إلى المستهلكين بأقل قدر ممكن من الضياع.
حماية الفرشات الجوفية وتشديد مراقبة استغلالها
وتشمل الاستراتيجية الحكومية إجراءات تستهدف حماية الفرشات المائية الجوفية من الاستنزاف، عبر تعميم عقود التدبير التشاركي التي تحدد قواعد استغلال الموارد وتنظم عمليات السحب.
وقد جرى وفق مذكرة تقديم مشروع المالية، توقيع خمسة عقود لتدبير الفرشات الجوفية تخص الحوز مجاط والرمل ومسكي بودنيب، وفايجة، وفاس مكناس وتعتزم الحكومة توقيع ثلاثة عقود إضافية تتعلق بفرشات تريفة والداخلة وبرشيد، فيما توجد 16 اتفاقية أخرى قيد الإعداد كما يرتقب تعزيز مراقبة كميات المياه المستخرجة من المخزونات الجوفية، وإقرار ضوابط أكثر صرامة لاستغلالها، وتطوير تقنيات إعادة تغذية الفرشات المائية.
وتستهدف هذه الإجراءات الحد من الاستغلال المفرط للمياه الجوفية والحفاظ على استدامتها، خصوصا في المناطق التي تواجه ضغطا متزايدا نتيجة الأنشطة الفلاحية وتراجع التساقطات.
وفي المناطق الرعوية، تعتزم الحكومة إنجاز نحو ألف نقطة ماء جديدة بهدف دعم أنشطة تربية الماشية ومواكبة جهود إعادة تكوين القطيع الوطني.
أنظمة ذكية لمراقبة جودة المياه والوقاية من الفيضانات
ويمتد البرنامج الحكومي إلى تعزيز مراقبة جودة الموارد المائية والوقاية من المخاطر المناخية، عبر تحديث المنظومة الوطنية لتتبع جودة المياه.
وتعتزم الحكومة اعتماد أنظمة ذكية للمراقبة الآنية، تسمح برصد مؤشرات التلوث والتكاثر المفرط للطحالب، بما يساعد على تحسين عمليات التدخل وحماية الموارد المائية كما يرتقب تحيين المخطط المديري الوطني للتنبؤ بالفيضانات، من خلال إدماج تأثيرات التغير المناخي على الأنظمة الهيدرولوجية، وتحسين آليات الاستباق وتقييم المخاطر وستواصل الحكومة تنفيذ المخطط الوطني للحماية من الفيضانات، استكمالا للتدخلات التي أعقبت الفيضانات التي شهدتها مناطق الغرب وشمال المملكة.











