تراهن الحكومة على الصناعة والخدمات المُرحّلة والأنشطة المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، إلى جانب الفلاحة والرياضة، لإحداث مليون منصب شغل خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويفصل البرنامج الحكومي توزيع هذه الفرص، ويربط بلوغها بتحفيز الاستثمار الخاص، وتقوية الإنتاج المحلي، ومواكبة المقاولات، وإعادة هيكلة المؤسسات والمقاولات العمومية، ضمن دينامية تستهدف تعزيز النمو والتشغيل.
وبحسب التوزيع الوارد في البرنامج، تستهدف الحكومة إحداث 250 ألف منصب صاف في الصناعة، و270 ألف منصب في الخدمات المُرحّلة ذات القيمة المضافة العالية، و360 ألف منصب في إطار تنظيم كأس العالم 2030 والأنشطة المواكبة ذات الطابع الإنتاجي والخدماتي.
ويشمل التوزيع كذلك 40 ألف منصب في المجال الرياضي، إلى جانب 80 ألف فلاح شاب مقيم، ضمن التصور الحكومي لتوسيع فرص النشاط الاقتصادي والتشغيل خلال الولاية.
ويربط البرنامج تحقيق هذه الأهداف بدينامية متكاملة تجمع بين تعزيز تنافسية القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وتثمين مؤهلاتها، وتحفيز الاستثمار، وتقوية الإنتاج المحلي، بما يفتح آفاقا جديدة للنمو والتشغيل، بالإضافة إلى التدابير الواردة في المحور الخامس.
رفع نشاط النساء وخفض البطالة لـ7%
وباحتساب التزام الحكومة برفع نسبة النشاط الاقتصادي للنساء إلى 21.2 في المئة، يتوقع البرنامج انخفاض معدل البطالة إلى 7 في المئة سنة 2031.
ولتمويل هذه الدينامية وتوسيع قدرتها على إحداث فرص الشغل، يخصص البرنامج حزمة من الإجراءات لتسريع الأجرأة الفعلية لميثاق الاستثمار، ومواكبة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وتعزيز القدرة الاستثمارية للمؤسسات والمقاولات العمومية واستقطاب التمويل الخاص.
ويستحضر البرنامج الإصلاحات الهيكلية التي عرفتها سياسة الاستثمار الخاص بالمغرب، والرامية إلى تعزيز جاذبية المملكة، والرفع من حجم الاستثمارات المنتجة، وتحسين مساهمتها في النمو الاقتصادي وإحداث فرص الشغل والتنمية المجالية.
ويشير، في هذا الإطار، إلى دخول الميثاق الجديد للاستثمار حيز التنفيذ في مارس 2023، باعتباره الإطار المرجعي للسياسة الوطنية في مجال الاستثمار الخاص، التي تستهدف رفع حصة الاستثمارات الخاصة إلى ثلثي إجمالي الاستثمارات بحلول سنة 2035.
ويقوم الإطار التحفيزي للميثاق على نظام دعم أساسي، ونظام دعم خاص بالمشاريع ذات الطابع الاستراتيجي، إلى جانب نظام دعم خاص بالمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة. وتتيح هذه الآليات الاستفادة من منح استثمارية قد يصل مجموعها إلى 30 في المئة من مبلغ الاستثمار القابل للاستفادة من المنح.
وتستهدف آليات الدعم توجيه الاستثمار نحو القطاعات ذات الأولوية والمجالات الترابية المستهدفة، وتشجيع إحداث فرص الشغل، وتعزيز الاندماج المحلي والتنمية المستدامة، وإشراك النساء في الأنشطة الاقتصادية المنتجة.
وسجل البرنامج استمرار تحديات مرتبطة بتحويل المشاريع المستفيدة من الدعم العمومي إلى استثمارات فعلية ذات أثر ملموس، خصوصا على مستوى إحداث القيمة المضافة، وتقليص الواردات، وتوفير فرص شغل قارة.
وأورد، ضمن هذه التحديات، صعوبة الولوج إلى التمويل، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، بسبب محدودية قدرتها على التمويل الذاتي، ومتطلبات الضمانات، وكلفة القرض، تنضاف إلى ذلك الإكراهات المرتبطة بتوفر العقار الصناعي وتكلفته، وارتفاع كلفة الطاقة، بما يؤثر خصوصا على تنافسية الصناعات ذات الاستهلاك المرتفع للطاقة.
مرصد لتتبع الاستثمار الخاص
لمعالجة هذه الإشكالات، تعتزم الحكومة توجيه سياسة الاستثمار بدرجة أكبر نحو تتبع إنجاز المشاريع وتقييم آثارها، مع مواصلة استقطابها ودعمها.
وفي هذا السياق، ينص البرنامج على تسريع إحداث مرصد لتتبع الاستثمار الخاص، يوفر رؤية موحدة ومتكاملة لمراحل إعداد المشاريع وإنجازها، ويتيح تتبع نسبة إنجاز الاستثمارات، وعدد مناصب الشغل المحدثة فعليا، ونسبة الاندماج المحلي، والمداخيل الضريبية والجبائية الناتجة عن تنفيذ المشاريع المستفيدة من التحفيزات الحكومية.
ويراهن البرنامج على هذا المرصد لتعزيز التقييم البعدي لفعالية الدعم الممنوح وتحسين توجيه السياسات العمومية.
وتواكب الحكومة هذا التوجه بمواصلة تبسيط مسار المستثمر، عبر تقليص الآجال وعدد الوثائق المطلوبة، وتعزيز رقمنة المساطر، وتحسين التنسيق بين الإدارات المعنية، بهدف توفير مسار أكثر تكاملا يغطي المراحل الأساسية للمشروع وصولا إلى دخوله مرحلة التنفيذ.
كما تعتزم مراجعة المنح وآليات التحفيز الحالية لضمان ملاءمتها بصورة أفضل مع الأولويات الاقتصادية الوطنية وتعزيز أثرها في الاقتصاد. وتستند هذه المراجعة إلى معايير تشمل إمكانيات التصنيع لاستبدال الواردات، وإحداث القيمة المضافة، والرفع من الاندماج المحلي، والقدرة على التصدير، ومدى اندماج المشاريع في سلاسل القيمة الاستراتيجية.
وبالنسبة للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، يضع البرنامج هدف مواكبة 60 ألف مقاولة خلال مراحل تطورها، لتقوية قدرتها على النمو والحد من مخاطر تعثرها، عبر خدمات تجمع بين الاحتضان والتأطير التقني وتقوية قدرات التدبير والمساعدة على الولوج إلى الأسواق.
ويطرح البرنامج إمكانية اعتماد شباك موحد، بتنسيق مع وكالة “مغرب المقاولات” وبحضور فعلي على المستوى الترابي، لتيسير استفادة هذه المقاولات من خدمات المواكبة وآليات دعم الاستثمار، مع توجيه الدعم نحو المشاريع التي تحقق أثرا ملموسا في إحداث فرص الشغل.
وتعطي الحكومة الأولوية لحماية خزينة هذه المقاولات، من خلال تتبع احترام آجال أداء مستحقاتها من طرف الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، ونشر نتائج هذا التتبع بحسب القطاعات المعنية.
وتشمل الإجراءات تأطير آجال الاسترداد الدوري لدين الضريبة على القيمة المضافة وملاءمة الاقتطاع من المنبع، لتفادي تحول الالتزامات الجبائية إلى عبء على السيولة.
المواكبة المنتظمة وتحسين الدعم
موازاة مع ذلك، يعتزم البرنامج تعزيز الولوج إلى التمويل عبر رفع نسبة تغطية الضمان لفائدة هذه المقاولات، وتطوير عروض ملائمة للمناطق الأقل استفادة من الخدمات التمويلية.
ويمتد الدعم إلى تيسير الولوج إلى الطلبيات العمومية وأسواق المناولة، من خلال التنزيل الفعلي للمقتضيات التي تخصص 30 في المئة من المبلغ التقديري السنوي للصفقات لفائدة هذه المقاولات، مع نشر حصيلة سنوية توضح الصفقات المبرمجة وتلك المسندة فعليا.
ويربط البرنامج بين المواكبة المنتظمة وتحسين السيولة وتوسيع فرص الولوج إلى الأسواق، باعتبارها وسائل لدعم استمرارية المقاولات واندماجها في سلاسل القيمة.
وإلى جانب الاستثمار الخاص والمقاولات، تعول الحكومة على إعادة هيكلة المحفظة العمومية لتعزيز قدرتها على الاستثمار وفتح فرص جديدة أمام القطاع الخاص، خاصة بالنسبة للمؤسسات البالغ عددها 57 والمدرجة في نطاق تدخل الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة.
وأبرز البرنامج الحكومي حجم هذا الورش بالإشارة إلى أن استثمارات قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية ككل بلغت 179.7 مليار درهم في إطار قانون المالية لسنة 2026، بما يقارب نصف الاستثمار العمومي برسم السنة نفسها.
وتضع الحكومة ضمن أولوياتها تسريع إعادة الهيكلة بحسب وضعية كل مؤسسة، عبر التجميع والاندماج، ونقل الأنشطة أو إحداث شركات تابعة، وإعادة التركيز على المهام الأساسية، مع تصفية المؤسسات غير القابلة للاستمرار.
وتشمل التدابير تحويل بعض المؤسسات ذات الطابع التجاري إلى شركات مساهمة، لتيسير إعادة تنظيمها وشراكاتها، وتحديد التزامات الخدمة العمومية وتمويلها تعاقديا. ويتوقع البرنامج أن تسهم هذه العمليات في ترشيد النفقات والحد من الاستثمارات المتكررة وغير المجدية.
وتواكب إعادة الهيكلة معالجة للوضعية المالية للمؤسسات المعنية، تبدأ بتشخيص موثوق للأصول والالتزامات، وتسوية المستحقات المتبادلة مع الدولة، بما يحرر السيولة اللازمة للاستثمار.
وعند الاقتضاء، يتيح التصور الحكومي تحويل بعض الديون والمساهمات إلى رأسمال، مع تحسين التحصيل وضبط النفقات، فيما تعتزم الحكومة تعبئة قيمة الأصول غير الاستراتيجية عبر تفويتها أو إعادة توظيفها، ودراسة إمكانية تسنيد المستحقات المؤهلة لتنويع مصادر التمويل.
تمويل الاستثمارات وخدمة الدين
توجه الحكومة الموارد والقدرات الاستثمارية الناتجة عن هذه الإصلاحات نحو مشاريع قادرة على استقطاب تمويل خاص إضافي، عبر شركات المشاريع وعقود الامتياز وعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع الإعداد الجيد للمشاريع وتوزيع المخاطر بصورة واضحة.
وينص البرنامج على تعبئة الإمكانيات التمويلية والاستثمارية لصندوق محمد السادس للاستثمار، وصندوق الإيداع والتدبير، وصندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والمؤسسات البنكية العمومية، كل في نطاق اختصاصه، لمواكبة هذه المشاريع.
ويتوقع أن يسهم تحسن مردودية المؤسسات المعنية، بصورة تدريجية، في تعزيز موارد الدولة عبر الأرباح المحولة، وفق سياسة توزيع تراعي تمويل الاستثمارات وخدمة الدين، حفاظا على استدامة هذه المساهمة وعلى دور المؤسسات في دعم الاستثمار الخاص.
ويضع البرنامج هذه التدابير ضمن مسار ماكرو اقتصادي إرادي وواقعي، مستندا إلى الإمكانات الفعلية للتحول التي يتوفر عليها الاقتصاد الوطني خلال الولاية الحكومية.
نمو مشغّل ومدمج ومستدام
يستهدف هذا المسار تحقيق متوسط نمو بنسبة 5 في المئة سنويا خلال الفترة 2027–2031، مقابل حوالي 3.7 في المئة خلال الفترة 2022–2025، بحسب المقارنة الواردة في البرنامج.
ويستهدف أيضا إبقاء التضخم في حدود 2 في المئة سنويا، صونا للقدرة الشرائية للأسر والاستقرار الماكرو اقتصادي، والتحكم في عجز الميزانية في حدود 3 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي طيلة الفترة 2026–2031.
ويرتكز ضبط العجز على توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين نجاعة النفقات العمومية في إطار إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية، والاستفادة من أثر النمو على مداخيل الدولة، والرفع من مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية.
وتعهدت الحكومة بوضع المديونية العمومية في مسار تنازلي لتبلغ حوالي 62 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي في أفق 2031، بهدف الحفاظ على الهوامش الميزانياتية، مع الإبقاء على مستوى مرتفع من الاستثمار المنتج والاستثمار في القطاعات الاجتماعية.
وشدد البرنامج على أن النمو المستهدف “ليس نموا محاسباتيا تحتفي به التقارير، بل نمو مشغّل ومدمج ومستدام”، موضحا أن طابعه المشغّل يرتبط بتوجيهه نحو القطاعات الكثيفة التشغيل، بينما يقوم الإدماج على جعل الشباب والنساء والعالم القروي أطرافا فاعلة فيه.
أما الاستدامة، فيربطها البرنامج بتحصين الاقتصاد من التقلبات المناخية والجيوسياسية، وصون التوازنات المالية للدولة في أفق يتجاوز الآجال الانتخابية.











