كشفت معطيات المندوبية السامية للتخطيط عن اختلال واضح في توزيع خسائر الشغل بين القطاعات الاقتصادية خلال الفصل الثالث من سنة 2026، بعدما فقد قطاعا الفلاحة والخدمات مجتمعين 241 ألف منصب شغل صاف بين الفصلين الثاني والثالث من السنة الجارية، في مقابل إحداث 69 ألف منصب في القطاع الصناعي، دون أن تتمكن هذه الزيادة من تعويض التراجع المسجل في باقي الأنشطة الاقتصادية.
وبحسب المعطيات المستخلصة من البحث حول القوى العاملة، فقد الاقتصاد الوطني 173 ألف منصب شغل صاف خلال ثلاثة أشهر، ليتراجع عدد المشتغلين مقابل دخل إلى 10 ملايين و470 ألف شخص، بانخفاض نسبته 1.6 في المائة مقارنة بالفصل الثاني من السنة نفسها.
وتكشف القراءة القطاعية لهذه الأرقام أن التراجع لم يكن موزعا بالتساوي بين الأنشطة الاقتصادية، إذ تحمل قطاع الفلاحة واستغلال الغابات والصيد النصيب الأكبر من الخسائر، بفقدانه 145 ألف منصب شغل صاف، أي بانخفاض بلغ 5.6 في المائة، بينما فقد قطاع الخدمات 96 ألف منصب، بتراجع نسبته 1.8 في المائة.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الذي يحتله القطاعان في سوق الشغل الوطنية، إذ يشغل قطاع الفلاحة وحده مليونين و425 ألف شخص، يمثلون 23.2 في المائة من مجموع المشتغلين مقابل دخل، فيما يستوعب قطاع الخدمات 5 ملايين و155 ألف شخص، بما يعادل 49.2 في المائة من إجمالي المشتغلين.
وبذلك، يستقطب القطاعان مجتمعين نحو 72.4 في المائة من المشتغلين مقابل دخل، وهو ما يجعل تطور التشغيل داخلهما عاملا حاسما في تحديد الاتجاه العام لسوق الشغل، ويحد من قدرة المكاسب المسجلة في قطاعات أخرى على تعويض الخسائر التي تطالهما.
وفي المقابل، سجل قطاع الصناعة أداء مخالفا للاتجاه العام، بعدما أحدث 69 ألف منصب شغل صاف بين الفصلين الثاني والثالث من سنة 2026، بزيادة بلغت 4.8 في المائة، ليكون القطاع الوحيد من بين القطاعات الاقتصادية الأربعة الذي سجل ارتفاعا في عدد المشتغلين خلال الفترة المدروسة.
أما قطاع البناء، فقد سجل تراجعا محدودا نسبيا، بفقدانه 3 آلاف منصب شغل صاف، أي بانخفاض لم يتجاوز 0.2 في المائة.
غير أن المكاسب الصناعية، رغم أهميتها، ظلت دون مستوى الخسائر المسجلة في الفلاحة والخدمات، وهو ما يفسر استمرار المنحى التراجعي لحجم الشغل مقابل دخل على المستوى الوطني.
العالم القروي يتحمل العبء الأكبر
وعلى المستوى المجالي، تكشف معطيات المندوبية أن الوسط القروي تحمل الجزء الأكبر من التراجع المسجل في فرص الشغل، بعدما فقد 148 ألف منصب صاف خلال ثلاثة أشهر، مقابل 25 ألف منصب في الوسط الحضري.
وتعني هذه الأرقام أن العالم القروي استأثر بنحو 85.5 في المائة من صافي المناصب المفقودة على المستوى الوطني، مقابل 14.5 في المائة بالوسط الحضري، وهو تفاوت يتقاطع مع حجم الخسائر المسجلة في القطاع الفلاحي، بالنظر إلى ارتباط جزء مهم من النشاط الاقتصادي القروي بهذا القطاع.
ولا تسمح هذه المعطيات، في حد ذاتها، بتحديد الأسباب المباشرة للتراجع أو الجزم بارتباطه بعوامل موسمية أو مناخية، لكنها تكشف حجم تأثر التشغيل القروي بالتطورات المسجلة خلال الفترة الفاصلة بين الفصلين الثاني والثالث.
وانعكس هذا التراجع على معدل الشغل مقابل دخل، الذي انتقل من 38.2 في المائة خلال الفصل الثاني إلى 37.4 في المائة خلال الفصل الثالث من سنة 2026، مسجلا انخفاضا قدره 0.8 نقطة مئوية.
هل تعكس الأرقام تحولا في سوق الشغل؟
ورغم حجم التراجع المسجل، وضعت المندوبية السامية للتخطيط حدودا واضحة لقراءة هذه النتائج، مؤكدة أن الفوارق المرصودة تمثل التغير الصافي في حجم الشغل مقابل دخل بين فصلين متتاليين، ولا تسمح وحدها باستنتاج وجود تحول بنيوي في فقدان مناصب الشغل.
ويكتسي هذا التوضيح أهمية منهجية، لأن المقارنة بين فصلين متتاليين ترصد حصيلة التغير خلال فترة محددة، دون أن تكشف بمفردها عن طبيعة العوامل التي تقف وراءه أو مدى استمراره خلال الفصول المقبلة كما أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة فقدان 173 ألف شخص لوظائفهم، وإنما تعبر عن انخفاض صاف في عدد المشتغلين مقابل دخل بين الفترتين، بعد احتساب الزيادات والتراجعات المسجلة في مختلف الأنشطة الاقتصادية.
وتستند النتائج إلى البحث الجديد حول القوى العاملة الذي اعتمدته المندوبية السامية للتخطيط خلفا للبحث الوطني حول التشغيل، في إطار مراجعة المنهجية والمفاهيم المعتمدة لرصد تطورات سوق الشغل.
وتضع حصيلة الفصل الثالث من سنة 2026 قطاع الصناعة في موقع مغاير لباقي القطاعات، بعدما تمكن من توسيع حجم التشغيل في ظرف ثلاثة أشهر، لكنها تكشف، في الوقت نفسه، استمرار الثقل الحاسم للفلاحة والخدمات في تحديد الحصيلة الوطنية، بالنظر إلى استحواذهما على أكثر من سبعة أعشار المشتغلين مقابل دخل.











