علق المغرب مؤقتا صادرات الطماطم نحو الأسواق الإفريقية، ابتداء من الخميس 5 نونبر الجاري، في خطوة تستهدف تعزيز تموين السوق الوطنية والحد من ارتفاع الأسعار، بعدما بلغ ثمن الكيلوغرام الواحد 18 درهما في بعض أسواق التقسيط، بالتزامن مع تراجع الإنتاج بجهة سوس ماسة التي تشكل أحد أهم أحواض زراعة الطماطم بالمملكة.
ويأتي القرار في وقت تكشف فيه بيانات التجارة الدولية أن المغرب صدر خلال سنة 2025 نحو 47 ألفا و240 طنا من الطماطم نحو ثماني دول إفريقية تتصدرها موريتانيا والسنغال، من أصل صادرات إجمالية بلغت نحو 748 ألف طن.
من جانبه، أكد الحسين أضرضور رئيس الفيدرالية البيمهنية المغربية لإنتاج وتصدير الفواكه والخضر في تصريح لـAM+MEDIA إبلاغ المصدرين العاملين في الأسواق الإفريقية بقرار التعليق فيما أوضح مصدر حكومي أن الإجراء مؤقت وأن استئناف عمليات التصدير مرتقب خلال الفترة المقبلة، دون تحديد موعد رسمي.
موريتانيا والسنغال تستقبلان 97% من صادرات الطماطم المغربية نحو إفريقيا
تكشف بيانات التجارة الدولية لسنة 2025، المنشورة في قاعدة WITS التابعة للبنك الدولي والمستندة إلى إحصاءات UN Comtrade، أن المغرب صدر نحو 747 ألفا و728 طنا من الطماطم الطازجة أو المبردة، بقيمة إجمالية بلغت 1.378 مليار دولار.
ومن هذه الكميات، اتجه نحو 47 ألفا و240 طنا إلى ثماني دول إفريقية، بقيمة قاربت 11.12 مليون دولار، أي ما يمثل نحو 6.3 في المائة من الحجم الإجمالي للصادرات المغربية من هذه المادة.
واستحوذت موريتانيا على الحصة الأكبر، بواردات بلغت 34 ألفا و154 طنا، تلتها السنغال بـ11 ألفا و540 طنا، فيما استقبلت غامبيا 510 أطنان، وغينيا 408 أطنان، وبوركينا فاسو 372 طنا، ومالي 164 طنا، وغانا 61 طنا، ثم غينيا بيساو 31 طنا.
وبذلك، استقبلت موريتانيا والسنغال وحدهما نحو 45 ألفا و694 طنا، أي ما يعادل 96.7 في المائة من مجموع الطماطم المغربية المصدرة نحو الوجهات الإفريقية المذكورة.
وتكتسب السوق الموريتانية أهمية خاصة، إذ تشير البيانات التي صرحت بها موريتانيا إلى أن المغرب وفر نحو 34.42 ألف طن من أصل 34.55 ألف طن استوردتها خلال سنة 2025، ما يعادل قرابة 99.6 في المائة من وارداتها المسجلة من الطماطم.
ويكشف هذا الاعتماد التجاري عن أهمية الإمدادات المغربية بالنسبة إلى السوق الموريتانية، كما يبرز احتمال تأثر شبكات التوزيع والنقل في حال استمرار التعليق لفترة طويلة، خصوصا بالنسبة إلى المصدرين والناقلين المرتبطين بخطوط التجارة البرية نحو غرب إفريقيا.
أسعار تصل إلى 18 درهما.. ماذا يحدث في أسواق الجملة؟
يأتي قرار تعليق الصادرات بعد أسابيع من ارتفاع أسعار الطماطم في الأسواق الوطنية، في ظل تراجع الكميات الوافدة من مناطق الإنتاج الرئيسية.
وأظهرت معطيات مرتبطة بسوق الجملة بالدار البيضاء ارتفاع سعر الطماطم إلى نحو 10 دراهم للكيلوغرام مطلع نونبر، بعدما كان في حدود خمسة دراهم خلال الأسابيع السابقة، فيما بلغت الأسعار في بعض أسواق التقسيط ما بين 17 و18 درهما للكيلوغرام.
وكشف جعفر صبان مدير سوق الجملة بالدار البيضاء، أن الكميات التي استقبلها السوق يوم الثلاثاء 3 نونبر لم تتجاوز 187 طنا، مقابل حاجيات يومية مقدرة بما لا يقل عن 400 طن.
وتعني هذه الأرقام أن الكميات الوافدة خلال ذلك اليوم لم تغط سوى نحو 47 في المائة من الحاجيات المقدرة، بعجز بلغ حوالي 213 طنا، وهو مؤشر يعكس حجم الضغط على التموين في أحد أكبر أسواق الجملة بالمملكة.
ولا تمثل هذه الأرقام تقديرا للخصاص الوطني، بالنظر إلى ارتباطها بسوق واحدة ويوم محدد، لكنها توضح طبيعة الاختلال الذي دفع السلطات إلى التدخل في حركة الصادرات كما أن الفارق بين أسعار الجملة والتقسيط يسلط الضوء على أهمية قنوات التوزيع والنقل والتخزين في تحديد السعر النهائي، وإن كان لا يمكن اعتباره هامش ربح صافيا للوسطاء دون احتساب المصاريف والخسائر المرتبطة بالتسويق.
سوس ماسة.. تراجع المحاصيل يضغط على الإنتاج الوطني
تتجه الأنظار إلى جهة سوس ماسة، باعتبارها أحد أهم مراكز إنتاج الطماطم بالمغرب، حيث تزامن ارتفاع الأسعار مع صعوبات زراعية أثرت على مردودية عدد من الضيعات.
وأوضح المنتج والمصدر أمين أمان الله أن منطقة أكادير توفر نحو 75 في المائة من الطماطم المتداولة خلال الموسم الشتوي، مشيرا إلى أن موجات الحرارة التي شهدها شهر غشت أثرت في نمو النباتات وأخرت الإنتاج.
وأضاف أن الأمراض الزراعية وضعف مقاومة بعض الأصناف ساهمت في تراجع المردودية، إذ انخفض الإنتاج في بعض الضيعات من مستويات تتراوح بين 180 و200 طن للهكتار إلى نحو 90 و100 طن للهكتار.
وتعكس هذه التقديرات المهنية تراجعا قد يصل إلى النصف في الحالات المعنية، دون أن تشكل إحصاء رسميا شاملا لجميع الضيعات بجهة سوس ماسة.
وتزامنت هذه الوضعية مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والمبيدات والمحروقات، ما أدى إلى زيادة الأعباء المالية التي يتحملها المنتجون، وانعكس على تكاليف التسويق والنقل.
وتكشف هذه العوامل أن ارتفاع أسعار الطماطم لا يرتبط بالتصدير وحده، بل يتأثر كذلك بحجم المحاصيل وكلفة إنتاجها وانتظام وصولها إلى الأسواق، ما يجعل أي تحسن مستدام في الأسعار مرتبطا بتعافي الإنتاج وتحسين شبكات التوزيع.
صادرات قياسية رغم تراجع المردودية
تأتي القيود الجديدة بعد موسم سجل فيه المغرب مستويات مرتفعة من صادرات الطماطم، رغم الصعوبات المناخية والإنتاجية التي تواجه القطاع.
فبحسب معطيات مكتب الصرف بلغت صادرات الطماطم المغربية نحو 745 ألف طن خلال الموسم الفلاحي الممتد من يوليوز 2024 إلى يونيو 2025، بعائدات قاربت 1.2 مليار دولار، مسجلة زيادة بنسبة 8.3 في المائة مقارنة بالموسم السابق.
وسجل شهر نونبر 2024 وحده صادرات بلغت نحو 105 آلاف طن، ما يعكس أهمية هذه الفترة من السنة في النشاط التصديري، الذي يعرف عادة ارتفاعا خلال الأشهر الممتدة من نونبر إلى مارس.
وتبرز هذه المعطيات حجم النشاط التجاري المرتبط بزراعة الطماطم، لكنها لا تسمح وحدها بتحديد الكميات المتاحة للاستهلاك الوطني، بالنظر إلى اختلاف مواسم الإنتاج والأصناف الموجهة إلى مختلف الأسواق.
كما أن ارتفاع الصادرات لا يعني بالضرورة ارتفاع الإنتاج بالنسبة نفسها، إذ تتدخل عوامل أخرى في توزيع المحاصيل بين الاستهلاك الداخلي والتصدير، من بينها الأسعار والعقود التجارية والطلب الموسمي.
الحكومة تتحرك لضبط التموين والأسعار
يتزامن قرار تعليق صادرات الطماطم مع توجه حكومي معلن نحو تعزيز تموين السوق الوطنية وحماية القدرة الشرائية، في ظل الضغوط التي تعرفها أسعار عدد من المواد الغذائية.
وكان الوزير المكلف بالمالية فوزي لقجع قد تحدث عن توجه الحكومة نحو تنظيم صادرات المواد الغذائية للمساهمة في تخفيف الأسعار، فيما أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة سمير بلفقيه، عقب اجتماع مجلس الحكومة الخميس 5 نونبر أولوية السيادة الغذائية.
وتشمل التدابير الحكومية المعلنة مواصلة دعم النقل، إلى جانب التوجه نحو إحداث شركات جهوية للتوزيع، بهدف تحسين تنظيم تسويق المنتجات وتقليص حلقات الوساطة.
ويكتسب تنظيم قنوات التوزيع أهمية خاصة في ظل الفوارق المسجلة بين أسعار الجملة والتقسيط، غير أن معالجة هذه الفوارق تقتضي التمييز بين تكاليف النقل والتخزين والفاقد التجاري وهوامش مختلف المتدخلين.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت سجلت فيه الصادرات الفلاحية المغربية ارتفاعا بنسبة 4.3 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، لتبلغ قيمتها 33.1 مليار درهم، بحسب المعطيات التي أوردتها رويترز.
ويعكس هذا التطور استمرار النشاط التصديري للقطاع الفلاحي، فيما تظل قدرة السوق الوطنية على الاستفادة من الإنتاج مرتبطة بحجم العرض وتكاليفه وفعالية قنوات توزيعه.
هل تكفي الكميات الموجهة إلى إفريقيا لتخفيض الأسعار؟
وتضع الأرقام المتاحة قرار تعليق الصادرات أمام اختبار يرتبط بحجم الكميات التي يمكن الاحتفاظ بها داخل السوق الوطنية فإجمالي 47 ألفا و240 طنا الذي استقبلته الأسواق الإفريقية خلال سنة 2025 لا يمثل حجم الشحنات التي سيجري تعليقها خلال نونبر 2026، وإنما يعكس حركة التصدير خلال سنة كاملة.
وسيتوقف الأثر المباشر للإجراء على الكميات التي ستعاد إلى قنوات التوزيع الداخلية، ومدى وصولها إلى أسواق الجملة، بالتزامن مع تطور الإنتاج في جهة سوس ماسة وبقية المناطق الزراعية.
وتشير تقديرات مهنية سابقة للقرار إلى احتمال تحسن العرض تدريجيا خلال النصف الثاني من نونبر، مع دخول محاصيل إضافية إلى الأسواق، غير أن هذه التوقعات تبقى مرتبطة بالظروف المناخية وحجم الإنتاج الفعلي.
كما أن تسجيل انخفاض في الأسعار خلال الأسابيع المقبلة لن يكفي وحده لإثبات أثر تعليق الصادرات، ما لم يتم التمييز بين تأثير الكميات المعاد توجيهها وتحسن المحاصيل والتغيرات التي قد تعرفها تكاليف التوزيع.
وبين صادرات إفريقية بلغت نحو 47 ألف طن خلال سنة كاملة، وخصاص يومي وصل إلى 213 طنا في سوق الجملة بالدار البيضاء يوم 3 نونبر، تتجه الأنظار إلى النتائج الفعلية للتدخل الحكومي، ومدى قدرته على زيادة العرض وتخفيف الأسعار.
المنصوري تضع القدرة الشرائية على رأس أولويات الحكومة
ويأتي قرار تعليق صادرات الطماطم نحو الأسواق الإفريقية بعد ثلاثة أيام من الاجتماع الحكومي الذي ترأسته فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، الثلاثاء الماضي وخصص لتدارس تطورات الوضع الاقتصادي الوطني، ومتابعة تقلبات الأسعار وانعكاساتها على القدرة الشرائية للأسر المغربية، خصوصا الفئات الفقيرة والمتوسطة.
وخلال الاجتماع، أقرت المنصوري بحجم الضغوط التي تتحملها الأسر جراء ارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكدة أن حماية القدرة الشرائية وصيانة التماسك الاجتماعي تشكلان أولوية قصوى في تنفيذ البرنامج الحكومي.
وشددت على التزام الحكومة بإعداد وتنفيذ تدابير عملية للتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار، وضمان انتظام تموين الأسواق الوطنية بالمواد الأساسية واستقرار أسعارها.
وأسفر الاجتماع عن قرار إحداث لجنة بين وزارية تضم مختلف القطاعات الحكومية المعنية، تعقد اجتماعات دورية لتتبع تقلبات الأسعار واتخاذ التدابير اللازمة لحماية القدرة الشرائية، مع إيلاء اهتمام خاص للمواد الغذائية التي يرتفع عليها الطلب خلال شهر رمضان.
وشارك في الاجتماع وزراء الداخلية، والاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، والفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، والصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، والنقل واللوجستيك، إلى جانب الأمين العام للحكومة. ويعكس هذا التمثيل تعدد القطاعات المعنية بملف الأسعار، من الإنتاج الفلاحي والتموين إلى النقل والتوزيع ومراقبة الأسواق.




