وضع النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو حدا لمسيرته الدولية مع منتخب بلاده، معلنا اعتزاله اللعب بقميص البرتغال، بعد رحلة امتدت لأكثر من عقدين، شكل خلالها أحد أبرز الوجوه في تاريخ كرة القدم العالمية، وقاد خلالها منتخب بلاده إلى تحقيق إنجازات غير مسبوقة.
وأعلن قائد المنتخب البرتغالي قراره، اليوم الخميس، من خلال مقطع فيديو نشره على حسابه الرسمي بمنصة إنستغرام، واضعا بذلك حدا للتكهنات التي رافقت مستقبله الدولي خلال الأسابيع الماضية، خاصة بعد الخلاف الذي نشب بينه وبين مدرب المنتخب خورخي جيسوس، والذي أثار تساؤلات بشأن إمكانية عودته إلى صفوف المنتخب في الاستحقاقات المقبلة.
رسالة رونالدو
وجّه النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو رسالة وداع مؤثرة إلى الجماهير البرتغالية، بمناسبة إعلانه إنهاء مسيرته الدولية مع المنتخب الوطني، واضعا حدا لرحلة امتدت على مدى 23 عاما، حمل خلالها القميص رقم 7 ودافع عن ألوان بلاده في مختلف الملاعب العالمية.
وقال رونالدو، في رسالته التي نشرها عبر حسابه الرسمي على موقع “إنستغرام”، مخاطبا البرتغاليين: «لقد حان اليوم الذي أعيد فيه القميص رقم 7 للمنتخب الوطني، قميصنا جميعا. لم أشعر يوما بأنه ملك لي وحدي، لكنني حظيت، على مدى 23 عاما، بشرف ومسؤولية ارتدائه والدفاع عنه وحمله معي إلى ملاعب العالم. واليوم، حانت لحظة تسليمه إلى المستقبل”.
وأوضح قائد المنتخب البرتغالي السابق أن قرار الاعتزال لم يكن سهلا، معتبرا أن “هناك قرارات لا يتخذها العقل وحده، بل يشارك القلب أيضا في اتخاذها”، قبل أن يستحضر بداية رحلته الدولية في غشت 2003، التي قال إنها غيرت حياته إلى الأبد.
وأضاف أنه عندما يستعيد مسيرته مع المنتخب، لا يستحضر فقط المباريات والأهداف والأرقام القياسية والألقاب، بل يتذكر بالأساس الأشخاص الذين رافقوا هذه الرحلة، وفي مقدمتهم المهاجرون البرتغاليون الذين كانوا يشعرون، طوال 90 دقيقة، بأن بلدهم أصبح أقرب إليهم، فضلا عن ملايين البرتغاليين الذين لم يلتق بهم شخصيا، لكنهم ظلوا جزءا من حياته، مؤكدا أن “كرة القدم أكبر بكثير من مجرد لعبة، كرة القدم هي الناس”.
واستعرض رونالدو فلسفته التنافسية طوال مسيرته الدولية، مشيرا إلى أنه ظل يسعى باستمرار إلى تجاوز حدوده، وتحقيق الانتصارات، وأن يكون الأفضل ويصنع التاريخ، مبرزا أنه كان دائما صارما مع نفسه، ويطمح إلى المزيد، ومؤمنا بقدرة المنتخب على الذهاب بعيدا، وأنه قدم كل ما يملك من أجل القميص الوطني.
ولم يخف النجم البرتغالي ما شهدته هذه الرحلة من لحظات متباينة، بين انتصارات وصفها بأنها لا تنسى، وهزائم لا يزال استحضارها صعبا عليه حتى اليوم، فضلا عن إخفاقات ومعاناة ولحظات لم يتمكن فيها من منح الجماهير ما كانت تتطلع إليه. غير أنه شدد على أنه لم يستسلم أبدا، ولم يفقد شعوره بالفخر لتمثيل البرتغال.
دورس الملاعب
وفي استحضاره للدروس التي استخلصها من سنوات اللعب الدولي، اعتبر رونالدو أن الأهداف تصبح جزءا من الماضي، والكؤوس تستقر في المتاحف، والأرقام القياسية يأتي من يحطمها، لكن ما لا يستطيع الزمن محوه هو المكانة التي يحتلها اللاعب في قلوب الناس.
وفي هذا السياق، أعرب عن أمله في أن يكون قد أسهم، من خلال أهدافه، في إسعاد الجماهير، وجعل بعضهم يتعانقون فرحا، أو ينسون همومهم للحظات، أو يشعرون بالفخر ببلدهم، معتبرا أن كل ما عاشه كان يستحق العناء، لأن الانتماء إلى البرتغال يعني المعاناة معا والنهوض معا واستعادة الإيمان بالمستقبل.
وأكد أن بلاده ستظل في حاجة إلى شباب يحلمون من أجلها، ولاعبين لا يستسلمون، وأجيال جديدة تؤمن بإمكانية الوصول إلى إنجازات لم يسبق تحقيقها، مضيفا أن البلد الذي يواصل إنجاب أبطال جدد هو بلد لا يتوقف عن الإيمان بنفسه.
وخص رونالدو زملاءه في المنتخب برسالة شكر وتقدير، استحضر فيها لحظات التنافس والتضامن التي جمعتهم، قائلا: “شكرا لكم على كل ركضة، وكل عناق، وكل نقاش، وكل لحظة صمت سبقت دخول أرضية الملعب، وعلى كل انتصار احتفلنا به معا، وكل هزيمة جعلتنا أكثر قوة”، وأضاف أنه حظي بشرف قيادة زملائه، لكنه شدد على أن “أي قائد لا يسير بمفرده”، وأنهم جميعا يشكلون جزءا من قصته.
كما وجه شكره إلى جميع المدربين والمسؤولين والأطباء وأخصائيي العلاج الطبيعي ومسؤولي التجهيزات والعاملين، وكل الأشخاص الذين اشتغلوا معه طوال هذه السنوات، منوها بالدور الذي أدوه بعيدا عن الأضواء، ومعتبرا أن الكثيرين منهم لم يظهروا في الصور التذكارية، رغم أن تلك الصور ما كانت لتتحقق لولا جهودهم.
ولم تغب عائلته عن رسالة الوداع، إذ أعرب عن امتنانه لها لتقاسمها معه هذا الحلم، وتفهمها فترات غيابه والتضحيات التي تطلبتها مسيرته، واللحظات التي استحوذ فيها المنتخب على جزء من الوقت الذي كان من حقها أيضا، مؤكدا أن بلوغه ما حققه لم يكن ممكنا لولا السير معا يدا في يد.
واستعاد رونالدو، في أكثر مقاطع الرسالة ارتباطا بالذاكرة الجماعية للبرتغاليين، لحظة عزف النشيد الوطني قبل المباريات، واصفا إياها بالصورة التي سيحملها معه طوال حياته. وقال إنه كان ينظر حوله فيجد زملاءه والمدرجات والأطفال والأمهات والآباء والأجداد، إلى جانب برتغاليين قطعوا مسافات طويلة لمساندة المنتخب.
وأضاف أن تلك الدقائق كانت تلغي جميع الاختلافات بين المواطنين، فلا وجود للأندية أو الألوان أو الطبقات الاجتماعية أو المهن أو الآراء، بل يجمع الجميع شغف واحد هو البرتغال، مؤكدا أن هذا الشعور سيظل يرافقه بقية حياته.
“أغادر المنتخب مرفوع الرأس”
وبخصوص نهاية رحلته الدولية، شدد النجم البرتغالي على أنه يغادر المنتخب مرفوع الرأس، ومعتزا بالمسار الذي قطعه، ومرتاح الضمير لأنه قدم كل ما لديه من أجل بلاده، مؤكدا أنه لن يتوقف عن كونه واحدا من البرتغاليين، وسيواصل متابعة المنتخب ومعايشة انتصاراته وهزائمه والاحتفال بكل فوز يحققه، مرددا عبارة “نعم!”.
وختم رونالدو رسالته باستحضار الحلم الذي رافقه منذ طفولته في جزيرة ماديرا، حين كان مجرد طفل يركض خلف كرة، موضحا أنه قضى حياته يعمل ليصبح أفضل لاعب في العالم، قبل أن يدرك اليوم أن أعظم انتصار حققه هو نيله شرف تمثيل ما وصفه بـ”أفضل بلد في العالم”.
وتوجه بالشكر إلى البرتغاليين على السنوات الـ23 التي رافقوه خلالها، وعلى إيمانهم به، وعلى منحه فرصة عيش حلم بدأ منذ طفولته، قبل أن يختتم رسالته بعبارة تختزل علاقته بالمنتخب والبلد: “سيبقى القميص رقم 7، أما فخر ارتدائه فسيظل ملكي إلى الأبد. ستظل البرتغال دائما بداخلي”.
خروج من الباب الخلفي
وجاء هذا القرار في سياق توتر العلاقة بين الطرفين، بعدما شعر رونالدو بأن المدرب البرتغالي لم يحترم اتفاقا مسبقا بينهما بشأن دوره ومشاركته في المباريات، وهو ما دفعه إلى مغادرة معسكر المنتخب خلال فترة التوقف الدولي السابقة، قبل أن تتدخل الجامعة الملكية البرتغالية لكرة القدم، ممثلة في رئيسها بيدرو بروينسا، لمحاولة احتواء الأزمة وإعادة الأمور إلى طبيعتها.
ورغم محاولات الوساطة التي قادتها جامعة الكرة البرتغالية، لم تنجح المساعي في تجاوز الخلاف بشكل نهائي، ليختار رونالدو إنهاء ارتباطه بالمنتخب، بعدما كان اسمه واردا ضمن القائمة الأولية استعدادا لمواجهتي الدنمارك وويلز يومي 14 و17 نونبر الجاري، ضمن منافسات دوري الأمم الأوروبية.
ويغادر صاحب الكرة الذهبية خمس مرات المنتخب البرتغالي باعتباره الهداف التاريخي له، بعدما خاض 234 مباراة دولية، سجل خلالها 146 هدفا، وهي أرقام جعلته يتربع على عرش هدافي المنتخبات الوطنية في تاريخ كرة القدم، فضلا عن كونه أكثر اللاعبين مشاركة بقميص البرتغال.
وخلال مسيرته الدولية، التي انطلقت سنة 2003، لم يكن رونالدو مجرد هداف استثنائي، بل تحول إلى قائد ورمز لجيل كامل من اللاعبين البرتغاليين، وقاد منتخب بلاده إلى التتويج بكأس أوروبا سنة 2016، لأول مرة في تاريخه، فضلا عن إحراز لقب دوري الأمم الأوروبية سنتي 2019 و2025.
ويشكل اعتزال رونالدو دوليا نهاية مرحلة بارزة في تاريخ المنتخب البرتغالي، بالنظر إلى المكانة التي احتلها اللاعب في مسار تطور كرة القدم بالبلاد، وإسهامه في نقل منتخبها من خانة المنافسين الطامحين إلى أحد المنتخبات التي تحسب لها حسابات كبرى البطولات.
وبهذا القرار، يطوي رونالدو صفحة امتدت لأكثر من 23 عاما مع منتخب بلاده، تاركا وراءه إرثا رقميا وتنافسيا يصعب تجاوزه، في انتظار أن تتاح له فرصة وداع الجماهير البرتغالية في مناسبة تليق بمسيرة أحد أعظم اللاعبين الذين حملوا قميص المنتخب.











