كشف محمد صالح التامك، المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، عن إعداد الدراسات التقنية لمشروع مركب سجني بمديونة يضم خمس مؤسسات، لتعويض المركب السجني بعين السبع المعروف باسم “عكاشة”، ضمن مشاريع لتعزيز الطاقة الاستيعابية وتجديد الحظيرة السجنية، في وقت بلغت نسبة شغل المؤسسات السجنية 158 في المئة، وتجاوزت في بعضها 300 في المئة.
وجاءت هذه المعطيات خلال تقديم مشروع الميزانية الفرعية للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج برسم السنة المالية 2027، اليوم الأربعاء أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب.
وأوضح المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج أنه “تم إعداد دراسات تقنية لإنجاز مشاريع بناء مؤسسات سجنية جديدة، في إطار تجديد الحظيرة السجنية وعقلنة التوزيع الترابي للطاقة الاستيعابية، ويتعلق الأمر بمشروع المركب السجني بمديونة، والذي يضم خمس مؤسسات لاستبدال المركب السجني بعين السبع المعروف بعكاشة، والمشاريع المبرمجة بآسا الزاك وتنغير، فضلا عن مشروع بناء مؤسسة سجنية جديدة لتعويض السجن المحلي بصفرو”.
وفي عرضه حصيلة السنة الجارية، أوضح أنه “على الرغم من هذه الإكراهات، واصلت المندوبية العامة خلال سنة 2026 تنفيذ برامجها الرامية إلى تحسين ظروف الاعتقال وتطوير الخدمات الأساسية المقدمة للسجناء، وصون كرامتهم وتعزيز أمنهم وسلامتهم، ومضاعفة فرص تأهيلهم للاندماج في المجتمع بعد الإفراج”.
وأشار إلى أنه “على مستوى تعزيز الطاقة الاستيعابية، شهدت السنة الجارية افتتاح السجن المحلي الجديد ببنجرير، ومواصلة بناء المؤسسات السجنية الجديدة بكل من الحسيمة وشيشاوة والعرجات بثلاث مؤسسات، ومؤسستين برأس الماء بفاس، إلى جانب مواصلة مشاريع التوسعة والإصلاح وترميم المؤسسات السجنية”.
وعن ظروف الإقامة، قال المندوب العام إنه “تمت مواصلة تحسين الظروف المادية للإقامة بالمؤسسات السجنية، من خلال تغطية حاجيات مختلف المؤسسات من الأغطية والأفرشة والأسرة وأجهزة التلفاز، مع مراعاة معايير الجودة والسلامة”.
وأبرز استمرار الجهود للارتقاء بخدمات التغذية، من خلال تأهيل المطابخ وتوفير وسائل تسخين الوجبات، وتحديث المعدات المخصصة لحفظ المواد الغذائية وتوسيعها، وافتتاح مخابز جديدة، كاشفا أن عدد المؤسسات السجنية المتوفرة على محلات لإنتاج مادة الخبز “ارتفع إلى 47 مؤسسة، تقوم بدورها بتموين المؤسسات المجاورة لها بهذه المادة، مما يرفع نسبة الساكنة السجنية المستفيدة من هذه المادة إلى 90 في المئة”.
وأكد أن الجهود شملت أيضا تحسين الخدمات الموجهة إلى الفئات الهشة، خاصة الأطفال المرافقين لأمهاتهم داخل المؤسسات السجنية، من خلال توفير تغذية تراعي أعمارهم وحاجياتهم، إلى جانب إيلاء عناية خاصة لتغذية السجناء الأحداث.
أزيد من 102 ألف سجين في المغرب
وفي تشخيصه للإكراهات التي تواجه القطاع، كشف محمد صالح التامك أن أحد التحديات الأساسية التي ما فتئت المندوبية العامة تثير الانتباه إلى انعكاساتها على مختلف جوانب تدبير المؤسسات السجنية، هي الارتفاع المتواصل في عدد السجناء، وما يترتب عنه من اكتظاظ بالمؤسسات السجنية”.
واستدرك بالقول: “بالرغم من الجهود المبذولة خلال السنوات الماضية لتعزيز الطاقة الاستيعابية لهذه المؤسسات، فإن الضغط العددي لا يزال يشكل أحد أبرز الإكراهات التي تحد من فعالية التدابير والمشاريع الرامية إلى تحسين ظروف الاعتقال وتحسين الخدمات المقدمة للسجناء”.
وأشار المسؤول ذاته إلى أن “عدد السجناء في متم أكتوبر المنصرم بلغ 102 ألف و941 سجينا، مقابل 98 ألفا و692 سجينا في الفترة ذاتها من السنة الماضية”، مؤكدا أنه رقم “يعكس استمرار المنحى التصاعدي لعدد السجناء المسجل منذ عدة سنوات، بمعدلات نمو سنوية تصل في بعض الأحيان إلى 5 في المئة”.
وشدد التامك على أن “هذا الوضع يحد من جهود المندوبية ويزيد من حجم مسؤوليتها في مجال الأمن والإيواء والتغذية والرعاية الصحية والتأهيل، فضلا عن انعكاساته على مختلف جوانب التدبير، من خلال الضغط على البنيات التحتية والتجهيزات والموارد البشرية وارتفاع النفقات المرتبطة بالخدمات الأساسية”.
سجون باكتظاظ يصل 300%
في المقارنة الدولية، قال التامك إنها تبرز “حجم هذا التحدي، إذ بلغ معدل الاعتقال في المغرب في خلال السنة الجارية 280 سجينا لكل 200 ألف نسمة، مقابل 217 بالجزائر، و267 بتونس، و57 بموريتانيا، في حين بلغ 121 بإسبانيا، و129 بفرنسا، و113 ببلجيكا”، مضيفا “كما بلغت نسبة شغل المؤسسات السجنية بالمغرب 158 في المئة خلال السنة نفسها، مع تفاوتات ملحوظة بين المؤسسات، تجاوزت في بعضها 300 في المئة”.
تأثيرات محدودة للإصلاحات التشريعية
بخصوص أثر الإصلاحات التشريعية، يرى المندوب العام أنه “إذا كانت السنوات الأخيرة شهدت اعتماد إصلاحات تشريعية ترمي إلى ترشيد اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية وتطوير آليات تنفيذها، فإن المعطيات المسجلة إلى حدود اليوم تبين أن أثر هذه المستجدات على تطور الساكنة السجنية لا يزال محدودا، في ظل استمرار العوامل المساهمة في ارتفاع أعداد الوافدين على المؤسسات السجنية”.
وتوقف عند حصيلة التخفيض التلقائي للعقوبة، قائلا: “يمكن الوقوف هنا عند النتائج الهامة التي تحققت بفضل تفعيل آلية التخفيض التلقائي للعقوبة، التي أسفرت، إلى غاية 25 أكتوبر المنصرم، عن 152 ألفا و487 حالة استفادة، تم الإفراج على إثرها عن 12 ألفا و540 سجينا”.
واستدرك بالقول: “رغم أهمية هذه النتائج وما تعكسه من جهود مشتركة بين المندوبية العامة والسلطات القضائية المختصة لضمان التنزيل السليم لهذه الآلية، فإنها لم تكن كافية لإحداث انخفاض مستدام في أعداد السجناء، كما أن أثر تنزيل العقوبات البديلة ظل ضعيفا جدا، خاصة أن عدد المحكومين بهذه العقوبات لا يزال محدودا في هذه المرحلة”.
وشدد التامك على أن “معالجة ظاهرة الاكتظاظ لا يمكن أن تقوم فقط على توسيع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية أو على تعزيز دينامية الإفراج، بل تقتضي معالجة العوامل البنيوية المساهمة في ارتفاع الساكنة السجنية”، مردفا أن “المطلوب اليوم إحداث كبح فعلي ودائم لمسار تطور الساكنة السجنية، وذلك وفق مقاربة متكاملة تجعل هذا التوجه هدفا مشتركا بين مختلف مكونات سلسلة العدالة الجنائية، والقطاعات والمؤسسات المعنية بالتأهيل وإعادة الإدماج”.
واسترسل في السياق ذاته أن معالجة الاكتظاظ “تقتضي أيضا مواصلة تطوير الإطار التشريعي والممارسة القضائية بما يعزز ترشيد اللجوء إلى الاعتقال، مع دراسة السبل القانونية الكفيلة بمراعاة الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية عند اتخاذ القرارات المرتبطة بالإيداع، دون المساس باستقلال السلطة القضائية وبالضمانات القانونية المقررة”.
ودعا، بموازاة ذلك، إلى “إرساء سياسة عمومية مندمجة لتأهيل السجناء وإعادة إدماج المفرج عنهم، تحظى بمكانة واضحة ضمن البرامج والمشاريع المنبثقة عن البرنامج الحكومي الجديد، وتقوم على تحديد مسؤوليات المتدخلين، وتعبئة الموارد والشراكات وآليات التتبع والتقييم، بما يضمن انخراطا فعليا وناجعا للقطاعات المعنية”.
وشدد محمد صالح التامك على أن من شأن هذا التوجه أن يحقق مكاسب تتجاوز تدبير المؤسسات السجنية لتشمل تعزيز مبادئ العدالة، ودعم صورة المملكة في مجال حقوق الإنسان، وتوطيد ثقة الرأي العام الوطني والدولي، فضلا عن تمكين المندوبية العامة من تحسين جودة التكفل بالسجناء وتوجيه مزيد من الجهود نحو تأهيلهم”.











