أثار الانتباه في النقاش الدائر حول قضايا الهوية واللغة ما جاء في مداخلة السيد عمر بنجلون، المتدخل باسم تحالف اليسار، والتي دافع فيها بحرارة عن اللغة العربية. ومبدئيا، لا غبار على موقف الدفاع عن لغة الضاد؛ فهي لغة وطنية ودستورية، والمكون الأساسي لسيادتنا الوطنية، ووجداننا الجماعي الذي لا منازعة في مركزيته ولا في مكانته الحضارية. بل إن أي وطني غيور لا يمكنه إلا أن يقف صفا واحدا لصونها وتطويرها.
لكن، المثير للاستغراب والأسف في ذات الوقت، هو المنحى الإقصائي الذي سلكته المداخلة عندما اختارت حصر صفة “الرسمية والوطنية” في اللغة العربية وحدها، مع تعمد تجاهل واستصغار مكانة اللغة الأمازيغية، بل والتبرم من تخصيص الدولة اعتمادات مالية (ملياري درهم) لتفعيل طابعها الرسمي.
وهنا بالتحديد تبرز المفارقة الفكرية والسياسية، وتستوجب التوقف والتمحيص.
أولا: خيانة روح الحركة الوطنية والتنكر لوعيها المتجدد
رضع السيد عمر بنجلون، ومن يسير في ركابه، من ثدي الحركة الوطنية المغربية ونشأ في أحضان مرجعيتها الفكرية والسياسية. غير أن القراءة السطحية لأفكار هذه الحركة تغفل تحولاتها العميقة؛ فقد أدركت الحركة الوطنية وأقطابها الفكريون والسياسيون—منذ مرحلة النضال ضد الاستعمار، مرورا ببناء الدولة الوطنية، ووصولا إلى العصر الحديث—ضرورة التخلي عن أي مقاربة تقوم على العداء أو الخصومة المفتعلة مع اللغة الأمازيغية.
لقد استوعب الفكر الوطني الحقيقي (بعد الخطاب الملكي، 17 أكتوبر 2001) أن الأمازيغية ليست لغة منافسة ولا مهددة للعروبة، بل هي اللغة الأصيلة، العريقة، والتاريخية لهذا الوطن. والتنكر للأمازيغية أو وضعها في موقع الخصم للغة العربية هو في واقع الأمر نكوص عن هذا الوعي الوطني الناضج، واجترار لطروحات إقصائية تجاوَزها التطور الفكري والتاريخي لأقطاب الحركة الوطنية أنفسهم.
ثانيا: التناقض الصارخ مع المبدأ اليساري التقدمي
من المفترض في الخطاب المحسوب على اليسار والتقدمية أن يكون سباقا للانتصار لقيم التعدد، والتنوع، والعدالة الثقافية، وحق الشعوب في صون لغاتها وتراثها الشفهي والكتابي. إن حصر الهوية الوطنية في مكون واحد وتهميش المكون الأمازيغي ينطوي على تناقض صارخ مع المبادئ الكونية لحقوق الإنسان. لا يمكن للدفاع عن العربية أن يتحول إلى ذريعة لإقصاء العمق الأمازيغي الضارب في القدم، وإلا انقلب الموقف من دفاع مشروع عن الهوية إلى ممارسة تجزيئية لا تخدم سوى منطق الإغلاق والتعصب.
ثالثا: الالتفاف على النص الدستوري القاطع
إن الدستور المغربي، في فصله الخامس، لم يترك مجالا للـتأويلات التبسيطية؛ فقد نص صراحة على أن “العربية هي اللغة الرسمية للدولة”، وأكد في نفس الآن وبنفس القوة أن “الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء”.
إن القول بأن العربية وحدها هي اللغة الرسمية والوطنية هو التفاف صريح على النص الدستوري وتجزئة للوثيقة الأسمى في البلاد.
فالأمازيغية ليست ضيفا ثقيلا ولا خيارا تفادليا، وتأصيلها الدستوري لم يكن “عطايا” سياسية، بل هو استرداد لحق تاريخي وتصحيح لمسار طويل من التهميش الرمزي.
رابعا: مغالطة الأرقام ووظيفة الميزانية العمومية
أما بخصوص الاستنكار الموجه لتخصيص ميزانية (ملياري درهم) لتفعيل رسمية الأمازيغية، فهو طرح يفتقر إلى الموضوعية والوعي التنموي. إن هذه الميزانية ليست امتيازا فئويا أو إهدارا للمال العام، بل هي واجب قانوني ودستوري ملزم للدولة لتدارك التأخر الحاصل في دمج الأمازيغية في مجالات التعليم، والإعلام، والإدارة، والقضاء.
ولو احتكمنا إلى هذا المنطق الاستنكاري، لأعتُبرت الميزانيات المخصصة للتعليم والثقافة والصحة “استنزافا” للمالية العامة!
إن التمويل الموجه للأمازيغية هو استثمار مباشر في الاستقرار الثقافي والتلاحم المجتمعي وترسيخ للمساواة وتكافؤ الفرص بين كافة المواطنين.
ختاما: التكامل لا الصراع
إن القوة التاريخية والحضارية للمغرب كانت ولا تزال تكمن في تكامل ألسنته وروافده. وإن افتعال المعارك بين العربية والأمازيغية لا يخدم وحدة الوطن ولا يثري نقاشه الفكري. إن اليسار الحقيقي والوطنية الصادقة يستوجبان امتلاك الشجاعة للانتصار للعدالة اللغوية والثقافية جنبا إلى جنب مع العدالة الاجتماعية والاقتصادية، لأن إنصاف الأمازيغية هو إنصاف لمغرب التنوع والمواطنة الكاملة.
رئيس المجلس الإقليمي لحزب الأصالة والمعاصرة بالناظور(*)











