تضع الحكومة، ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، تنفيذ الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة في صدارة تدخلاتها لتقليص الفوارق بين المجالات، مع رفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا، وتسريع نقل الاختصاصات وسلط القرار إلى المصالح اللاممركزة.
وتشمل التدابير المبرمجة التعمير وتأهيل المدن والقرى، والماء والتطهير والنقل، واستكمال إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، ودعم التنمية القروية والفلاحة التضامنية.
التوجيهات الملكية بوصلة حكومية
وبحسب المحور المتعلق بتسريع الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية، فإن سنة 2027 ستشهد الانتقال من هيكلة البرامج إلى تنفيذها في مختلف العمالات والأقاليم.
وتقوم هذه البرامج على تحديد حاجيات كل مجال انطلاقا من التشخيص المحلي، مع إعطاء الأولوية للتشغيل، والخدمات الأساسية، خصوصا التعليم والصحة، والتدبير المستدام للماء، والتأهيل الترابي، وإيلاء عناية خاصة للمناطق الجبلية والواحات والساحل والمراكز القروية الناشئة.
وتربط المذكرة التقديمة لقانون المالية، التي اطلعت عليها جريدة “AM+ MEDIA” هذا التوجه بتعليمات خطاب العرش لـ29 يوليوز 2025، وخطاب افتتاح البرلمان في 10 أكتوبر من السنة نفسها، ثم خطابي 29 يوليوز و9 أكتوبر 2026، التي شدد فيها جلالة الملك على فعالية التنفيذ وشمول جميع الجهات والعمل الميداني لمعالجة المشاكل المحلية.
وتستند إلى مقتضيات الباب التاسع من الدستور وتوصيات النموذج التنموي الجديد، وتربط التدخلات القطاعية بأهداف التنمية المستدامة، خصوصا الأهداف المتعلقة بالصحة وتقليص التفاوتات والبنيات التحتية والمدن والمؤسسات.
210 مليارات في 8 سنوات
وفي الجانب المالي، تورد الوثيقة، ضمن حصيلة إعداد البرامج، ميزانية تقارب 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، بمساهمات من الميزانية العامة والقطاعات الوزارية والجماعات الترابية، ستعبأ 130 مليار درهم منها على مدى خمس سنوات، تتحمل الدولة نحو ثلاثة أرباعها والجماعات الترابية قرابة ربعها.
ويشير المصدر ذاته إلى أن المجلس الوزاري المنعقد في 9 أبريل 2026 صدّق على مخطط حكامة البرامج وتنفيذها وتقييمها والتواصل بشأنها، وسبق ذلك تنظيم مشاورات ولقاءات للإنصات بمختلف العمالات والأقاليم خلال الـ12| شهرا السابقة، وإعداد تشخيصات تستند إلى المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وتحدد مكامن القوة والضعف في التشغيل والتعليم والصحة والماء والاستفادة من التأهيل الترابي، بهدف تحسين جاذبية المجالات وإحداث فرص الشغل.
وتتوزع قيادة البرامج على ثلاثة مستويات، فعلى مستوى العمالة أو الإقليم، تتولى لجنة يرأسها العامل وتضم المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة إعداد البرامج وتتبع المشاريع والتشاور مع الساكنة، فيما على المستوى الجهوي، تجمع لجنة يرأسها الوالي برامج العمالات والأقاليم وتضمن انسجامها وتكاملها، أما اللجنة الوطنية، التي يرأسها رئيس الحكومة وتضم القطاعات المعنية، فتتولى التصديق والتأكد من الطابع المندمج والتشاوري وتحديد مؤشرات التتبع والتقييم، مع إسناد التنسيق العام وتعبئة التمويل إلى المستوى الوطني.
آليات لقياس الأثر
يرتبط كل مشروع، منذ برمجته، بمؤشر متفق عليه لقياس أثره، وتشمل آليات التتبع إحداث منصة رقمية مفتوحة للمواطنين والفاعلين المؤسساتيين، تعرض البرمجة وتقدم الأشغال ومستوى الإنجاز، وإجراء افتحاص سنوي مشترك للمفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، لتقييم الأداء والتحقق من احترام مساطر التنفيذ.
ويواكب ذلك تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، وفق القانون التنظيمي 031.26 المغير والمتمم للقانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، المنشور في غشت 2026.
وسيتولى رؤساء مجالس الجهات رئاسة مجالس إدارتها، وستنفذ الشركات المشاريع لحساب الدولة والجماعات الترابية والأشخاص الاعتباريين الخاضعين للقانون العام، بما في ذلك مهام صاحب المشروع المنتدب.
وينص مشروع قانون مالية 2027 على ألا يقل مجموع التحويلات لفائدة الجهات عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من العام المقبل.
وتشمل إجراءات 2027 اعتماد النصوص التطبيقية للإصلاح، والأنظمة الأساسية النموذجية للشركات ونظام صفقاتها ونظام معلوماتها وآليات تقييم أدائها، مع مواكبة انتقال مستخدمي الوكالات إليها.
وتشمل أيضا توضيح الاختصاصات الذاتية والمشتركة للجهات، خصوصا دعم الاستثمار المنتج، وتعبئة العقار لمناطق الأنشطة الاقتصادية والتنمية الرقمية، وملاءمة الاعتمادات مع القدرات الإدارية والتقنية للجهات.
تسريع اللاتمركز الإداري
وفي العلاقة بين الدولة والجهات، تقرر مواصلة خارطة الطريق المتعددة السنوات المنبثقة عن المناظرات الوطنية للجهوية المتقدمة، واستكمال تفعيل الإطار التوجيهي لممارسة اختصاصات الجهات الموقع في دجنبر 2019.
وتشمل الأولويات اعتماد مشروع مرسوم ينظم إعداد الالتزامات التعاقدية وتنفيذها وتتبعها، والتوسع التدريجي في عقود البرامج على أساس أولويات ترابية وأهداف واضحة في التشغيل والاستثمار، مع تتبع الالتزامات وضمان انسجامها مع الاستراتيجيات الوطنية وبرامج التنمية الجهوية.
أما اللاتمركز الإداري، فتعتزم الحكومة تسريع تفعيل ميثاقه عبر استكمال مشاريع مراسيم إحداث التمثيليات الإدارية الجهوية المشتركة والقطاعية، ومواصلة العمل على التصاميم المديرية المحينة للفترة 2025-2027، التي درستها اللجنة التقنية المكلفة بهذا الورش.
وسينصب العمل خلال السنة الأولى من عمر ولاية الحكومة الجديدة على النقل الفعلي للاختصاصات وسلط القرار من الإدارات المركزية إلى مصالحها الترابية، وإعادة توزيع الموارد البشرية والمالية، وتقوية التأطير والتدبير، وتوضيح المسؤوليات وتبسيط المساطر، للحد من تداخل التدخلات وضمان الانسجام بين البرمجة المالية الوطنية والجهوية.
رقمنة المساطر و12 وكالة جهوية للتعمير والإسكان
وفي التعمير، يتجه مشروع المالية إلى استكمال التغطية بوثائق التخطيط وتوفير إطار مستقر للاستثمار، مع تحديث أدوات استشراف حاجيات السكن والتجهيزات والأنشطة الاقتصادية.
واستحضرت المذكرة التقديمية البعد المناخي لهذا الورش، مشيرة إلى أن قطاع السكن يستهلك نحو 33 في المئة من الطاقة على الصعيد الوطني.
وتعرض الحصيلة إرساء البوابة الجغرافية الوطنية لوثائق التعمير، ومنصة “دعم سكن”، ورقمنة المساطر والتصاميم المديرية للتحول الرقمي، مشيرة إلى اعتماد القانون 34.21 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، والقانون 64.23 المتعلق بإحداث 12 وكالة جهوية للتعمير والإسكان، وصدور دورية تحدد مدارات الدواوير لتسهيل البناء في الوسط القروي.
وتشمل أولويات 2027 إعداد مشروع قانون إطار لأدوات التخطيط الترابي، ومواكبة الجهات الـ12 في إعداد الأطر التوجيهية للسياسة العمومية لإعداد التراب والتصاميم الجهوية، وضمان انسجامها مع برامج التنمية والسياسات القطاعية، واستكمال التصميم الاستشرافي للمنظومات الحضرية الكبرى وتفعيل الاستراتيجية الوطنية للمدن المتوسطة.
وتعتزم الحكومة تطوير البوابة الجغرافية ورقمنة المساطر لتيسير الوصول إلى المعلومات وتقليص آجال معالجة الملفات، وتفعيل الوكالات الجهوية بمهام تشمل التخطيط والمواكبة الترابية وتتبع الإسكان.
وفي القرى، تتجه التدابير إلى اعتماد وثائق أكثر مرونة تغطي الدواوير، وإحداث شباك وحيد جماعي وضبط آجال المعالجة، لتسهيل البناء المرخص مع مراعاة الأمن العقاري وحقوق الغير والمناطق المعرضة للأخطار.
تسريع المراكز القروية الناشئة
أما سياسة المدينة، تعتزم الحكومة مواصلة تأهيل الأحياء والتجهيزات والفضاءات العمومية وتحسين خدمات القرب، مع قياس النتائج باستطلاعات آراء السكان.
ويورد مشروع مالية 2027 أن 93 في المئة من سكان النسيج العتيق المستجوبين عبروا عن الاعتزاز بمشاريع تثمين التراث، وأن 85 في المئة أشاروا إلى أثر إيجابي لتحسين المساحات الخضراء على صحتهم، و78 في المئة إلى تعزيز الانتماء لأحيائهم أو مدنهم، و74 في المئة إلى تحسن جودة حياتهم.
وبحسب الاستطلاعات نفسها، أشار 64 في المئة إلى تحسن السلامة والأمن بفضل الإنارة وتنظيم الفضاءات، و58 في المئة إلى سهولة الوصول إلى فضاءات عمومية أفضل تهيئة، و56 في المئة إلى تحسن إطار عيشهم، بينما لاحظ 38 في المئة ارتفاع القيمة السوقية لمساكنهم.
ويمتد برنامج المراكز القروية الناشئة إلى 36 مركزا، بينها 12 مركزا نموذجيا في طور الإنجاز، بمعدل مركز لكل جهة بساكنة إجمالية معنية تبلغ 479 ألف نسمة واستثمارا إجماليا قدره 2.8 مليار درهم.
وخلال 2027، تتجه الحكومة إلى تسريع مشاريع المراكز النموذجية ومواصلة الشطر الثاني الذي يشمل 24 مركزا، لتعزيز أدوارها الاقتصادية والاجتماعية وصلتها بالأقطاب الحضرية وتوسيع الولوج إلى الخدمات والفرص الاقتصادية.
وفي التراث المعماري، تشمل التجربة النموذجية أربعة قصور هي زاوية سيدي حمزة وإسغدان وكالمية وألنيف، لفائدة 1500 مستفيد وبكلفة 31 مليون درهم، إلى جانب تكوين 50 حرفيا في البناء بالطين و40 إطارا عموميا عبر المدارس والمعاهد الخاضعة للوصاية.
وتستهدف البرمجة الأوسع تأهيل نحو 100 قصر وقصبة خلال 2025-2030، باستثمار يبلغ 1.5 مليار درهم، تساهم الدولة فيه بـ550 مليون درهم، مع مواصلة تكوين الحرفيين.
حصيلة إعمار الحوز وتوجهات 2027
ويحتل إعمار المناطق المتضررة من زلزال 8 شتنبر 2023 جزءا مهما من التدخلات، فالبرنامج المحدد في خمس سنوات يقوم على دعامة لإعادة بناء المساكن المنهارة كليا أو جزئيا وتأهيل البنيات المتضررة، الذي خصص له غلاف يقارب 22 مليار درهم معبأ عبر الصندوق الخاص بتدبير آثار الزلزال، ويستهدف نحو 60 ألف مسكن، ودعامة لتنمية الأقاليم المتضررة باستثمار يقدر بـ98 مليار درهم، وتشمل التدخلات السكن والطرق والماء والتطهير والكهربة والصحة والتعليم والفلاحة والموروث الديني، إلى جانب منصات جهوية لتخزين المواد الأساسية استعدادا للكوارث.
وأشارت المذكرة التقديمية لقانون المالية بأن وكالة تنمية الأطلس الكبير، المفعلة منذ مطلع 2025، اعتمدت مخططي عمل بغلاف إجمالي يبلغ 6 ملايير و433 مليون درهم لإعادة بناء البنيات وتأهيلها، فيما يبلغ غلاف المخطط الأخير، المصادق عليه في 17 مارس 2026، نحو مليار و238 مليون درهم، ويشمل الصحة والفلاحة والتجهيز والتهيئة والربط بالشبكات، على أن تنجز العمليات بتدبير مفوض عبر اتفاقيات مع المصالح اللاممركزة للقطاعات المعنية.
ويتضمن المخطط بناء مركز صحي قروي من المستوى الثاني ومستوصف بشيشاوة، وتأهيل 91 كيلومترا من الطرق و19 منشأة فنية، ووضع التشوير وتجهيزات السلامة على 34 كيلومترا ومعالجة نقط الانزلاق على 76 كيلومترا.
ويضم أيضا بناء وتجهيز 29 وحدة للتثمين، وتهيئة هيدروفلاحية على 38.35 كيلومترا وإحداث ثماني نقط ماء، وبناء 230 كيلومترا من المسالك وتهيئة دوارين بورزازات.
وفي دعم الأسر، بلغت اعتمادات الدولة وتحويلاتها إلى الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين، المكلف بتدبير المساعدات المباشرة، نحو 8 ملايير و108 ملايين درهم إلى غاية 15 شتنبر 2026، فيما تشير معطيات المستفيدين والمبالغ المصروفة، المحينة إلى 31 غشت، إلى استفادة 63 ألفا و135 أسرة من المساعدات الاستعجالية الشهرية المحددة في 2500 درهم، بمجموع مليارين و531 مليون درهم.
وبلغ عدد الأسر المستفيدة من دعم إعادة البناء، المحدد في 140 ألف درهم وفق الوثيقة، 5741 أسرة، بمبالغ مصروفة قدرها 765.46 مليون درهم على أربع دفعات، في حين استفاد 52 ألفا و256 من دعم تأهيل المنازل غير الصالحة للسكن، المحدد في 80 ألف درهم، بمبالغ مصروفة قدرها 4 ملايير و6 ملايين درهم على أربع دفعات.
وفي المدينة العتيقة لمراكش، استفادت 326 أسرة إلى نهاية غشت 2026 من مساعدة بقيمة 80 ألف درهم تدفع مرة واحدة، بمجموع 26.08 مليون درهم، ويخص هذا الدعم الأسر المتضررة القاطنة داخل الأسوار وغير المالكة للمساكن، التي لا تستوفي شروط الاستفادة من برنامج المباني الآيلة للسقوط، مع اشتراط إخلاء السكن الأصلي المتضرر.
وعلى مستوى السكن، اكتملت أشغال 52 ألفا و794 وحدة إلى 31 غشت 2026، بنسبة إنجاز 91.15 في المئة، فيما استمرت الأشغال في 5126 ورشا.
وبلغت الاعتمادات المرصودة للعمليات الاستعجالية التي تشرف عليها القطاعات الوزارية نحو 6 ملايير و424 مليون درهم إلى غاية 15 شتنبر، وشملت المآثر والطرق وإزالة الأنقاض واقتناء الآليات وإصلاح المنشآت المائية وشبكات الشرب وإعادة بناء المدارس والمراكز الصحية وتأهيلها.
وبالتاريخ نفسه، رصدت 4 ملايير و300 مليون درهم لبناء وتجهيز وتعبئة المنصات الجهوية لتخزين الاحتياطات والمواد الضرورية، كما تمت تعبئة 928.6 مليون درهم لفائدة برنامجي عمل الوكالة لسنتي 2025 و2026.
وخلال 2027، تعتزم الحكومة استكمال العمليات الجارية، خصوصا تأهيل وتحديث 64 كيلومترا من الطريق الوطنية رقم 7، ومواكبة التجار المتضررين وتأهيل المباني الدينية وممتلكات الأحباس، ومواصلة تمويل مخطط عمل الوكالة واستكمال منصات التخزين لتعزيز الوقاية من الكوارث.











