قضت المحاكم المغربية بإرجاع أكثر من مليار درهم إلى الدولة في قضايا اختلاس المال العام خلال سنة 2025، فيما بلغت نسبة الأحكام الصادرة لفائدتها، كليا أو جزئيا، 71.73 في المئة.
وبموازاة هذه الحصيلة، كشف التقرير السنوي للوكالة القضائية للمملكة ضرورة تحيين الإطار القانوني للوكالة ضمن مطالب تعزيز حماية المال العام، بعد أكثر من سبعة عقود على النص المنظم لاختصاصاتها، الصادر سنة 1953، داعيا إلى الانتقال بتدبير منازعات الدولة إلى أولوية في السياسات العمومية، تجمع بين استرداد الأموال والوقاية من النزاعات التي تثقل كلفة التقاضي على الخزينة.
ووفرت الوكالة القضائية للمملكة 4.45 مليار درهم لفائدة خزينة الدولة خلال سنة 2025، وخفضت المبالغ المحكوم بها ضد الدولة إلى 2.88 مليار درهم، بانخفاض نسبته 25 في المئة مقارنة بسنة 2024، وفق تقرير نشاطها السنوي الذي يعرض حصيلة الدفاع عن مصالح الدولة أمام القضاء وهيئات التحكيم، وجهود استرداد المال العام والوقاية من المنازعات.
وبلغت نسبة الأحكام الصادرة لفائدة الدولة، كليا أو جزئيا، 71.73 في المئة، متجاوزة النسبة المستهدفة لسنة 2025، المحددة في 64 في المئة ضمن مشروع نجاعة الأداء لوزارة الاقتصاد والمالية.
وسجلت المبالغ المحكوم بها ضد الدولة، وفي التقرير الذي اطلعت عليه جريدة “AM+ MEDIA”، أدنى مستوى خلال السنوات الخمس الأخيرة، بعدما بلغت 3.84 مليارات درهم في سنة 2024.
وأوضح التقرير أن المبالغ المطالب بها بلغت نحو 6.04 مليارات درهم، مقابل 2.88 مليار درهم محكوما بها ضد الدولة و1.29 مليار درهم محكوما بها لفائدتها.
ويشمل مؤشر التوفير الفارق بين المبالغ المطالب بها والمبالغ المحكوم بها ضد الدولة، مضافا إليه المحكوم به لفائدتها، في حين بلغ مجموع المبالغ التي تم توفيرها للخزينة خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2025 نحو 22.89 مليار درهم.
وتحققت هذه النتائج بالتزامن مع ارتفاع عدد القضايا الجديدة التي توصلت بها الوكالة إلى 22.910 قضية، مقابل 21.218 قضية في سنة 2024، بزيادة تقارب 8 في المئة، فيما توصلت المؤسسة بـ10.004 أحكام قضائية، مقابل 8.963 حكما في السنة السابقة، بارتفاع نسبته 11.61 في المئة.
المنازعات الإدارية تتصدر الملفات الجديدة
واستمرت المنازعات الإدارية في تصدر الملفات الجديدة، بما مجموعه 12.976 قضية، تمثل 56.71 في المئة من الإجمالي، وبزيادة نسبتها 5.4 في المئة مقارنة بسنة 2024.
وبلغت المنازعات المعروضة أمام القضاء العادي 8822 قضية، بنسبة 38.56 في المئة، فيما سجلت المساطر الحبية 1082 ملفا، بنسبة 4.73 في المئة.
ويظهر التوزيع التفصيلي أن القضاء الشامل استأثر بـ9.997 قضية، تليه القضايا المدنية بـ5.423 قضية، ثم القضايا الجنائية بـ3.169 قضية، ومنازعات قضاء الإلغاء بـ2.979 قضية، إلى جانب 230 قضية تجارية.
ويربط التقرير حضور القضاء الشامل بكثرة المطالبات بالتعويض وإقرار مسؤولية الدولة والإدارات والمؤسسات العمومية.
وشكلت القطاعات الوزارية 74.32 في المئة من القضايا، مقابل 15.22 في المئة للجماعات الترابية و10.07 في المئة للمؤسسات العمومية و0.39 في المئة للمندوبيات.
وجغرافيا، تركزت 68.25 في المئة من المنازعات في ثلاث جهات، تتصدرها الرباط-سلا-القنيطرة بنسبة 24.56 في المئة، تليها مراكش-آسفي بنسبة 23.08 في المئة، ثم الدار البيضاء-سطات بنسبة 20.60 في المئة.
ومثلت منازعات البنيات التحتية والخدمات 92.71 في المئة، مقابل 7.29 في المئة لمنازعات الاستثمار.
3 ملفات دولية بمطالب 41 مليارا
ودبرت الوكالة ثلاثة ملفات استثمارية دولية ذات أهمية مالية وقانونية، ترتبط باتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار المبرمة مع المملكة المتحدة والسويد وإسبانيا، بمطالبات تبلغ مجتمعة 41.762 مليار درهم.
ويخص الملف الأول مشروع استغلال منجمي بمطالبات تبلغ 26.321 مليار درهم، بينما يتعلق الثاني بالطعن في حكم تحكيمي صادر سنة 2024، بمبلغ مطالب به قدره 11.578 مليار درهم، فيما الملف الثالث يهم مشاريع تهيئة بمطالبات تبلغ 3.863 مليارات درهم.
وبحسب الوضعيات المدرجة في التقرير، كان الملف الأول في مرحلة تحضير المذكرة الجوابية للمملكة بعد صدور الأمر الإجرائي الأول، فيما بلغ الملف الثاني مرحلة المداولة بعد الجلسة الختامية المنعقدة بباريس في مارس 2026، في حين الملف الثالث بلغ تحضير جلسات حدد موعدها في ماي 2026 بباريس.
وتتعلق هذه الأرقام بالمبالغ المطالب بها في الملفات، وليس بمجموع تعويضات محكوم بأدائها على الدولة.
وعملت الوكالة، وفي تقريرها السنوي، على بحث فرص التسوية الودية في ملفات تتعلق بشركات إسبانية وبلجيكية وألمانية وماليزية، من خلال التنسيق مع القطاعات المعنية وتجميع الوثائق وتقييم المقترحات التفاوضية.
وشاركت أيضا في 37 اجتماعا للجان المكلفة بدراسة مشاريع الاستثمار وتتبعها، وقدمت آراء بشأن صياغة الاتفاقيات وإدراج بنود تحدد الالتزامات وآليات معالجة الخلافات.
أحكام باسترجاع مليار مختلس من المال العام
وفي قضايا اختلاس المال العام، بلغت قيمة الأحكام الصادرة لفائدة الدولة نحو 1.10 مليار درهم، مقابل 533 مليون درهم سنة 2024، بزيادة نسبتها 106 في المئة.
وناهز إجمالي الأحكام المتعلقة بالجرائم المالية واسترجاع صوائر الدولة 1.11 مليار درهم، مقابل 540 مليون درهم في السنة السابقة.
ولدعم تنفيذ الأحكام، أنجزت مصالح الوكالة أكثر من 490 مراسلة للبحث عن أموال المتابعين والمحكوم عليهم واتخاذ الإجراءات التحفظية والتنفيذية.
وشملت هذه المراسلات أكثر من 437 طلب بحث عن الذمة المالية وأكثر من 53 طلبا لإيقاع حجوز على عقارات وأسهم وعربات أو حجز ما للمدين لدى الغير.
كما باشرت الوكالة دعاوى لإبطال التصرفات الصورية التي يلجأ إليها بعض المحكوم عليهم لتهريب أموالهم، واستصدرت أحكاما بإبطال عقود هبة والتشطيب عليها من الرسوم العقارية، كما شاركت في 14 اجتماعا للجان الجهوية لتتبع تنفيذ الأحكام، مع توسيع البحث عن أموال المحكوم عليهم ليشمل الحسابات البنكية تحت إشراف النيابة العامة.
وفي استرجاع صوائر الدولة، صدرت أحكام بقيمة 2.51 مليون درهم، فيما تمكنت الوكالة من استرجاع 2.69 مليون درهم لفائدة الخزينة عبر المساطر الودية والقضائية المتبعة مع شركات التأمين، علما أن الأمر يتعلق باسترداد المبالغ التي تحملتها الدولة لفائدة موظفين تضرروا من حوادث، ومنها الأجور المؤداة خلال فترات العجز ورواتب الزمانة ورأسمال الوفاة.
إفراغ مساكن الدولة
وسجلت حماية المساكن الإدارية والوظيفية استصدار 435 حكما بالإفراغ ضد شاغلين بدون سند قانوني، وإفراغ 198 مسكنا عبر مختلف جهات المملكة، كما صدرت 33 حكما بالتعويض عن الاحتلال غير المشروع، بأثر مالي يناهز 7.35 ملايين درهم.
وتوصلت الوكالة بـ3013 قضية تتعلق باعتداءات طالت موظفي الدولة أثناء مزاولة مهامهم، وتولت مؤازرتهم والمطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية.
وأفرزت هذه القضايا 1914 مقررا قضائيا، بينها 1231 حكما ابتدائيا و681 قرارا استئنافيا وقراران لمحكمة النقض، وبلغت قيمة الأحكام لتعويض الموظفين المتضررين 7.747.030 درهما.
وبشكل منفصل، توصلت المؤسسة من النيابة العامة بـ2.262 متابعة ضد موظفين بالقطاع العام، موزعة على 1058 متابعة مرتبطة بمخالفة الضوابط الإدارية، بنسبة 46.8 في المئة، و258 متابعة تتعلق بالمخالفات والجنح المرتبطة بالجرح غير العمدي، بنسبة 11.4 في المئة، و946 متابعة تخص باقي الجرائم، بنسبة 41.8 في المئة.
وواصلت الوكالة تطوير الوقاية من المنازعات من خلال تقديم 26 استشارة قانونية، وتحليل 10.004 أحكام، وإعداد تقارير قطاعية حول مخاطر المنازعات.
وشملت موضوعات الاستشارة حماية المعطيات الشخصية، والوضعية الفردية للموظفين، والصفقات العمومية، بينما همت التقارير قطاعات التربية الوطنية والصحة والشباب والثقافة والرياضة.
ضعف تجاوب الإدارات يعرقل التسويات
وفي التوفيق بين الإدارات العمومية، تلقت الوكالة 15 طلبا خلال سنة 2025، وتصدرت الخلافات العقارية هذه الطلبات بنسبة تقارب 33 في المئة، تليها المستحقات المالية بنحو 27 في المئة.
وبلغت نسبة التسوية النهائية 60 في المئة والتسوية الجزئية 10 في المئة، فيما تعذر التوصل إلى حل توافقي في 30 في المئة من الملفات.
وأشار التقرير إلى صعوبات تؤثر في فعالية التوفيق، منها بطء اتخاذ القرار لدى بعض الإدارات والمؤسسات، وعدم الرد على المراسلات أو حضور الاجتماعات، وعدم تنفيذ مخرجات الجلسات.
وسجل المصدر ذاته، في قضايا الجرائم المالية، ضعف تجاوب بعض الإدارات المتضررة مع طلبات الوثائق الضرورية لتحديد الضرر وتعزيز المطالب المدنية.
الرقمنة تقلص البحث إلى 5 دقائق
وعلى مستوى الرقمنة، بلغ عدد الوثائق التي توصلت بها الوكالة 17.706 وثائق، بينها 9.276 وثيقة عبر منصة “تبادل”، مقابل 3286 وثيقة إلكترونية سنة 2024، بزيادة نسبتها 182.3 في المئة.
وارتفعت حصة الوثائق الواردة إلكترونيا من 17.9 إلى 52.4 في المئة، فيما بلغ عدد الوثائق الصادرة عن المؤسسة 39.774 وثيقة.
وشمل تحديث العمل إعادة تنظيم الأرشيف ورقمنته، حيث نقلت الوكالة 98.852 ملفا من الأرشيف النهائي إلى مركز الحفظ، وأعادت تنظيم 197.765 ملفا من الأرشيف الوسيط.
وأفاد التقرير بأن مدة الحصول على الملفات تقلصت إلى خمس دقائق، بعدما كانت عملية البحث تستغرق عدة أيام، خاصة بالنسبة إلى الملفات القديمة.
وتتوفر الوكالة على 178 موظفا، بينهم 113 إطارا يتولون الدفاع أمام القضاء، و13 موظفا مكلفا بتدبير المعرفة، و52 موظفا للمساندة والدعم، وتقدر حاجتها بنحو 300 موظف لتدبير حجم العمل، والتنقل إلى المحاكم، وتجهيز الملفات، وتنفيذ برامج الوقاية ومواكبة الإدارات.
ولتعزيز القدرات، كشف التقرير السنوي للوكالة القضائية للمملكة أن أطر المؤسسة استفادوا من 31 دورة تكوينية، شملت 133 مستفيدا، كما اعتمدت ثلاثة أقطاب متخصصة للمنازعات الإدارية، والمنازعات المدنية والزجرية، والقضايا التجارية والتحكيم والدراسات، وواصلت تطوير النظام المعلوماتي “سجيل” لتتبع الملفات والآجال القانونية وتقييم النتائج.
وبلغ تنفيذ المخطط الاستراتيجي للفترة 2024 إلى 2028 ما مجموعه 19 برنامجا و39 إجراء، أنجز بعضها كليا وبعضها جزئيا، من أصل 26 برنامجا و73 إجراء، إذ تم إنجاز 26 إجراء بالكامل و13 جزئيا، مقابل 17 إجراء في طور الإنجاز و17 لم تنجز بعد.
إطار قانوني منذ 1953
ودعا التقرير إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم لاختصاصات الوكالة، الذي يرجع إلى سنة 1953، ومركزة معطيات منازعات الدولة عبر منصة وطنية مندمجة، وتوفير الموارد البشرية المؤهلة.
وفي هذا الصدد، أكد الوكيل القضائي للمملكة، عبد الرحمان اللمتوني، في كلمة افتتاحية للتقرير السنوي، أنه “رغم النتائج الإيجابية المحققة برسم سنة 2025، فلا يزال موضوع تدبير منازعات الدولة يتطلب بذل المزيد من الجهود وتوفير الإمكانيات اللازمة لتباشر الوكالة القضائية للمملكة ومصالح الشؤون القانونية بمختلف الإدارات العمومية مهامها على الأوجه الأمثل”.
وأوضح اللمتوني أنه “من جهة حان الوقت لمراجعة الإطار القانوني المنظم لاختصاصات الوكالة القضائية للمملكة الذي يرجع إلى سنة 1953، ومن جهة أخرى يتعين أن ينتقل موضوع تدبير المنازعات من مجال تقني إلى أولوية ضمن السياسات العمومية باعتباره يتقاطع مع مختلف هذه السياسات ومع جهود حماية المال العام”.
وشدد على أن ذلك “يتطلب مركزة منازعات الدولة عبر اعتماد منصة وطنية مندمجة تسمح بتقييم النتائج واستخلاص الدروس وتطوير الأداء، فضلا عن توفير الموارد البشرية الكافية والمؤهلة لفائدة الوكالة القضائية للمملكة والمصالح القانونية بمختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، مع تسطير برامج للوقاية من مخاطر المنازعات واعتماد منظومة لليقظة بمختلف الإدارات العمومية”.











