دخلت بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية “المينورسو” اليوم الأحد مرحلة التصفية الرسمية منهية بذلك 35 عاماً من العمل الميداني بعدما انتهى تفويضها دون أن يتمكن مجلس الأمن الدولي من الاتفاق على تمديده.
ويأتي هذا التطور عقب مواجهة دبلوماسية بين واشنطن وموسكو انتهت بسقوط مشروعي قرار متنافسين، ووضعت البعثة الأممية أمام إجراءات إنهاء عملياتها بدلاً من تجديد ولايتها.
وأعلنت الأمم المتحدة، في بيان صادر عن المتحدث باسم أمينها العام ستيفان دوجاريك، انطلاق إجراءات تصفية البعثة اعتباراً من فاتح نونبر على أن يتولى فريق أممي مصغر، تابع لإدارة الدعم العملياتي بالأمم المتحدة، الإشراف على هذه المرحلة بما يشمل إعادة المعدات والأصول التابعة للدول المساهمة بقوات إلى بلدانها، والتصرف في التجهيزات المملوكة للمنظمة وفق المساطر المعتمدة.
وانتقل مستقبل “المينورسو” من النقاش السياسي داخل مجلس الأمن بشأن طبيعة تفويضها ومهامها إلى الترتيبات الإدارية واللوجستية لإنهاء وجودها العملياتي، في تحول لم يكن مطروحاً بهذه الصيغة عندما بدأت المفاوضات حول مشروع القرار الأمريكي الرامي إلى إعادة هيكلة البعثة وتعديل تسميتها.
وجاءت هذه النهاية عقب جلسة مجلس الأمن المنعقدة يوم الجمعة التي شهدت استخدام روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، رغم حصوله على تأييد 11 عضواً، مقابل صوت معارض وثلاثة امتناعات.
وكان المشروع يقترح جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للمفاوضات، إلى جانب تعديل تسمية البعثة وإعادة النظر في بنيتها ومهامها.
في المقابل أخفق المشروع الروسي، الذي سعى إلى تمديد التفويض القائم لمدة سنة دون إدخال تغييرات جوهرية عليه، بعدما لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت معارض وامتناع 11 عضواً، فضلاً عن استخدام الولايات المتحدة حق النقض ضده، ولم ينجح أي من المشروعين في تأمين استمرار البعثة، لتنتهي ولايتها في 31 أكتوبر دون اعتماد قرار بديل.
وفي أول موقف له عقب انتهاء التفويض، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، عن تقديره للعمل الذي اضطلعت به البعثة منذ إنشائها سنة 1991 ولا سيما مساهمتها في مراقبة وقف إطلاق النار ودعم الظروف الملائمة للتوصل إلى تسوية سياسية كما دعا الأطراف المعنية إلى التعاون الكامل لضمان تنفيذ إجراءات التصفية بصورة منظمة وفي أقرب الآجال.
وأشاد غوتيريش بجهود العاملين في البعثة خلال العقود الماضية، وبقيادة ممثله الخاص ورئيس “المينورسو” ألكسندر إيفانكو، في مرحلة اتسمت بتعقيدات أمنية وسياسية متزايدة، خصوصاً منذ استئناف الأعمال العدائية سنة 2020.
ولم يغب البعد الأمني عن الموقف الأممي، إذ أعرب الأمين العام عن استمرار قلقه من الوضع في المنطقة واحتمالات تصاعد المواجهات، داعياً الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتجنب أي خطوات من شأنها زيادة التوتر أو تهديد الاستقرار الإقليمي.
ويطرح هذا التطور أسئلة عملية بشأن الجدول الزمني لمغادرة أفراد البعثة ومصير مواقعها وتجهيزاتها والترتيبات الأمنية التي ستواكب انتهاء وجودها الميداني. ولم يحدد الإعلان الأممي تاريخاً نهائياً لاستكمال التصفية، ولا عدد الموظفين الذين سيبقون مؤقتاً للإشراف عليها.
وبينما طُويت صفحة التفويض الذي حكم عمل «المينورسو» منذ سنة 1991، يبقى مستقبل التحرك الأممي رهيناً بالتطورات السياسية داخل مجلس الأمن وبالمساعي الدبلوماسية المقبلة، في مرحلة باتت فيها إدارة الملف منفصلة، للمرة الأولى منذ 35 عاماً، عن استمرار البعثة بصيغتها السابقة.
وكان وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، قد أكد مساء أمس السبت أن بعثة “المينورسو” ستفقد سندها القانوني المرتبط بتفويض مجلس الأمن بانتهاء المهلة المحددة له، موضحاً أن عدم اعتماد قرار جديد لتمديد ولايتها يعني انتهاء مهمتها بصيغتها السابقة، بعد 35 عاماً من الوجود الميداني في الصحراء.
وأوضح بوريطة خلال ظهوره على القناة الثانية، أن المغرب لن يلجأ إلى طرد البعثة أو اتخاذ إجراءات أحادية لإخراجها، بل سيتعامل مع ترتيبات مغادرتها بروح المسؤولية، من خلال منح الأمم المتحدة الوقت اللازم وتوفير الإمكانات والتسهيلات اللوجستية المطلوبة لضمان انتقال منظم وفي ظروف ملائمة.
واعتبر رئيس الدبلوماسية المغربية أن “المينورسو” أُحدثت سنة 1991 في سياق سياسي ودولي لم يعد قائماً بالشروط نفسها، مشيراً إلى أن الاستفتاء الذي تحمله البعثة في تسميتها لم يعد، وفق الموقف المغربي، خياراً قابلاً للتنفيذ كما أثار مسألة مدى ملاءمة اسم البعثة وتفويضها وطبيعة مهامها للتحولات التي شهدها الملف خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الاستمرار في تجديد ولايتها دون مراجعة جوهرية لم يعد ينسجم مع الواقع السياسي الراهن.
وفي قراءته لمآلات التصويت داخل مجلس الأمن، حمّل بوريطة الفيتو الروسي مسؤولية التعجيل بانتهاء مهمة البعثة، بعدما حال دون اعتماد المشروع الأمريكي ولفت إلى أن المفارقة تكمن في كون البعثة يرأسها المسؤول الروسي ألكسندر إيفانكو، في حين جاء الاعتراض على مشروع تمديدها من موسكو نفسها.
وربط الوزير هذا التطور بالتوجيه الملكي القائم على الانتقال من منطق تدبير ملف الصحراء إلى تغيير القواعد التي حكمت معالجته داخل الأمم المتحدة
وشدد على أن انتهاء مهمة “المينورسو” لا يمثل، في نظره، عودة إلى نقطة البداية، وإنما طي صفحة من الآليات التي تأسست قبل 35 عاماً، في ظل ما وصفه بتحول المواقف الدولية الداعمة للمقترح المغربي للحكم الذاتي.











