دخل مستقبل بعثة المينورسو مرحلة جديدة بعد إخفاق مجلس الأمن، الجمعة 30 أكتوبر 2026، في اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي بشأن تمديد ولايتها، ليرد المغرب باعتبار أن عدم التجديد يطوي صفحة مهمة استمرت 35 سنة، وأن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.
وسقط المشروع الأمريكي، الذي اقترح تمديد البعثة سنة وتغيير اسمها بحذف الإشارة إلى الاستفتاء، بسبب الفيتو الروسي، رغم حصوله على تأييد 11 عضوا، مقابل ثلاثة ممتنعين.
أما المشروع الروسي، الذي اقترح التمديد سنة مع الإبقاء على صيغة البعثة الحالية، فلم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل معارضة الولايات المتحدة بـ”الفيتو” وامتناع 11 عضوا، دون بلوغ الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده.
وجاء الموقف المغربي في بلاغ للديوان الملكي اعتبر عدم التمديد خطوة في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، مؤكدا أن وجود البعثة، بأطقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي، مضيفا: “إنها صفحة دامت 35 سنة، تم طيها من الآن فصاعدا”.
وبين موقف الرباط ومحاولات إنقاذ الحضور الأممي، تتيح سوابق مجلس الأمن استعراض مسارات محتملة لمستقبل المينورسو، تبدأ بالانسحاب والتصفية، وتشمل تمديدا مؤقتا بتوافق جديد، أو استمرار دور أممي بصيغة مختلفة، وهي السيناريوهات التي تبدو بعيدة التحقق، سيما في ظل شبه الإجماع بمجلس الأمن على تقليص أدوار البعثة في أفق إنهاء مهامها.
الانسحاب والتصفية.. سابقة مقدونيا
يقوم السيناريو الأول على انتهاء الولاية دون اعتماد تمديد جديد، ثم الشروع في سحب أفراد البعثة ومعداتها وتصفية وجودها الميداني، وهو المسار الأقرب إلى الموقف الذي أعلنه المغرب، حين اعتبر أن عدم التجديد يستوجب إنهاء وجود المينورسو في الأقاليم الجنوبية.
وتقدم بعثة الأمم المتحدة للانتشار الوقائي في مقدونيا، المعروفة اختصارا بـ”UNPREDEP”، سابقة مباشرة لهذا الاحتمال، إذ في 25 فبراير 1999، استخدمت الصين الفيتو ضد تمديد البعثة 6 أشهر، رغم تأييد 13 عضوا، لتنتهي ولايتها في 28 فبراير.
غير أن تنفيذ الانسحاب استغرق وقتا إضافيا، حيث أوضح التقرير النهائي للأمين العام للأمم المتحدة أن سحب الأفراد والمعدات وأعمال التصفية الميدانية جرت بين 01 مارس و30 يونيو 1999، بينما استمرت أعمال تصفية إضافية حتى 15 أكتوبر من السنة نفسها.
وبالقياس إلى هذه السابقة، قد تدخل المينورسو، إذا لم يصدر تمديد جديد بناء على المشروع الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية، مرحلة ترتيبات الانسحاب والتصفية.
تمديد قصير.. تجربة تسوية البوسنة
يبقى التوصل إلى تمديد تقني قصير احتمالا آخر مستبعد، ورهين اتفاق أعضاء مجلس الأمن على نص جديد يمنحهم مهلة إضافية للتفاوض حول مستقبل البعثة.
وقد عرف المجلس وضعا مشابها في البوسنة والهرسك سنة 2002، عندما استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد تمديد البعثة الأممية، على خلفية خلاف بشأن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على أفراد عمليات حفظ السلام.
ولم يؤد الفيتو إلى إنهاء البعثة، إذ اعتمد مجلس الأمن، في 30 يونيو نفسه، تمديدا حتى 3 يوليوز، ثم تمديدا آخر حتى 15 يوليوز، قبل الاتفاق على استمرار المهمة حتى نهاية دجنبر بموجب القرار 1423.
وتعني هذه السابقة أن سقوط مشروع التمديد يترك مجالا لمشروع بديل، وهو ما ينسجم مع دعوة بريطانيا، عقب جلسة أمس الجمعة، إلى البحث عن تسوية انطلاقا من المشروع الأمريكي، مشيرة إلى أنه حصل على 11 صوتا مؤيدا.
غير أن تطبيق هذا المسار على المينورسو يحتاج إلى توافق جديد داخل مجلس الأمن الذي تميل فيه الكفة لواشنطن، مقابل موسكو التي تلعب ورقة “الفيتو”، في وقت أعلنت فيه الرباط أن صفحة البعثة قد طويت بشكل نهائي.
حضور أممي مختلف.. درس جورجيا
يتمثل المسار الثالث في انتهاء البعثة بصيغتها الحالية، مع استمرار نشاط سياسي أممي أو التفاوض على شكل آخر من الحضور، بمهام وترتيبات جديدة.
وتبرز هنا سابقة بعثة المراقبين في جورجيا، التي تعطّل تمديدها في 15 يونيو 2009 بسبب الفيتو الروسي، وكان المشروع يقترح مهلة إضافية لا تتجاوز أسبوعين، وسط خلافات شملت الوضع الإقليمي وتسمية البعثة.
وبدأت البعثة الانسحاب بعد توقف وظائفها اعتبارا من 16 يونيو؛ غير أن الأمين العام للأمم المتحدة أعلن، في بيان بتاريخ 30 يونيو، استمرار تمثيل الأمم المتحدة في مناقشات جنيف بشأن الأمن والاستقرار وعودة النازحين واللاجئين.
وبالنسبة إلى المينورسو، يفتح هذا المسار احتمال البحث عن حضور مختلف عن البعثة القائمة، في وقت كان المشروع الأمريكي المتعثر قد اقترح بالفعل تغيير تسميتها، لكن سقوطه حال دون إقرار هذا التعديل.
مصير البعثة ومطلب طي الملف
يربط المغرب بين إنهاء وجود المينورسو ووقف معالجة القضية بصيغتها الحالية داخل الأمم المتحدة، إذ دعا بلاغ الديوان الملكي إلى سحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن، وإنهاء الاجتماعات والتقارير والإحاطات الدورية المرتبطة به.
وفي بلاغه عقب جلسة الجمعة، أكد المغرب تمسكه بوقف إطلاق النار، مع احترام سلامة أراضيه وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه، وأعلن استمرار التحرك الدبلوماسي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية على المستويين الثنائي والإقليمي.











