دعت المملكة المتحدة الدول التي لم تصوت لصالح مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية إلى مواصلة البحث عن حل سياسي يستند إلى مضامين هذا المشروع، الذي حظي بتأييد 11 عضوا داخل مجلس الأمن، معتبرة أنه يطرح تصورا لإعادة إطلاق المسار السياسي وإنهاء الوضع القائم.
وجاء الموقف البريطاني على لسان الممثلة الدائمة للمملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة، سارة ماكنتوش، خلال تفسير تصويت بلادها في اجتماع مجلس الأمن الذي انعقد عقب فشل اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي بشأن الصحراء، وما ترتب عن ذلك من اقتراب انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو”.
وقالت ماكنتوش، مساء يوم أمس الجمعة، إنه “عقب عدم نجاح اعتماد مشروعي القرار اللذين طُرحا بعد ظهر اليوم بشأن الصحراء، فإن ولاية بعثة المينورسو تتجه إلى الانتهاء غدا (اليوم السبت 31 أكتوبر 2026)”.
وشددت المسؤولة البريطانية على أن تجاوز هذا الوضع يكتسي أهمية تتجاوز الجوانب الإجرائية المرتبطة بولاية البعثة، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على استقرار المنطقة وأمنها، فضلا عن الأوضاع الإنسانية للسكان المتأثرين بالنزاع، بمن فيهم الأجيال التي ولدت وعاشت داخل مخيمات اللاجئين.
وفي هذا السياق، دعت الدول التي لم تدعم المشروع الأمريكي إلى العودة إلى مضامينه باعتباره أرضية ممكنة لاستئناف الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية، وقالت: “ومن أجل استقرار الصحراء، وأمن المنطقة، والسكان المتأثرين بهذا النزاع، بمن فيهم أجيال وُلدت وعاشت في مخيمات اللاجئين، ندعو أولئك الذين لم يدعموا القرار الأمريكي إلى العمل من أجل إيجاد حل على أساس ذلك المشروع، الذي حصل على 11 صوتا مؤيدا، وطرح رؤية لمسار سياسي يرمي إلى تسوية الوضع في الصحراء”.
واعتبرت ماكنتوش أن مسؤولية البحث عن مخرج من حالة الانسداد تقع على عاتق أعضاء مجلس الأمن، مؤكدة أن “هذه مسؤوليتنا المشتركة”.
واشنطن: المينورسو فقدت مُبرِّر استمرارها
وضعت الولايات المتحدة الأمريكية، خلال جلسة مجلس الأمن الأخيرة، نقطة نهاية لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”، معتبرة أن استمرارها، بعد 35 سنة من إحداثها، لم يعد مبررا في ظل عجزها عن تحقيق الهدف الأساسي الذي أنشئت من أجله، وتحول جزء كبير من مواردها وجهودها إلى ضمان استمرار عملها بدل الاضطلاع بمهامها الأصلية.
وأوضح السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، في مداخلة أمام أعضاء مجلس الأمن أمس الجمعة، أسباب موقف بلاده الرافض لتجديد ولاية البعثة، معتبرا أنها أصبحت “للأسف رمزا ثابتا لمشروع محكوم عليه بالفشل”، في إشارة إلى ما وصفه باستمرار بعثة أممية لعقود دون تحقيق نتائج ملموسة.
واعتبر الدبلوماسي الأمريكي أن واشنطن لم تعد ترى جدوى في تجديد ولايات بعثة المينورسو “سنة بعد أخرى وعقدا بعد آخر”، في وقت لم تتمكن فيه من تحقيق مهمتها الأساسية، مؤكدا أن الإبقاء على الوضع القائم لا يمثل حلا قابلا للاستمرار، خصوصا أن اسم البعثة ومبرر وجودها لم يعودا يعكسان واقع مهمتها على الأرض.
ومن أبرز المؤشرات التي استند إليها الموقف الأمريكي، ما كشفه والتز بشأن طريقة اشتغال البعثة، إذ أوضح، نقلا عن موظفين تابعين لها، أنها تخصص حوالي 80 في المئة من وقتها لإعادة تموين نفسها، وهو ما اعتبره مؤشرا على اختلال الأولويات التشغيلية لبعثة يفترض أن تضطلع بمهمة أممية محددة، بدل استهلاك معظم وقتها في ضمان متطلبات استمرارها اللوجستي.
مقترح عمره ربع قرن
لم يقتصر الطرح الأمريكي على تقييم أداء البعثة خلال السنوات الأخيرة، بل أعاد إلى الواجهة نقاشا أمميا قديما بشأن جدوى استمرارها، يعود إلى سنة 2002، عندما اقترح الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، كوفي عنان، على مجلس الأمن إنهاء ولاية المينورسو، في خطوة تعكس أن مسألة إنهاء مهامها لم تكن وليدة النقاشات الحالية، بل سبق أن طرحت قبل 24 سنة دون أن يترتب عنها تغيير في واقع البعثة.
وفي هذا السياق، عبر والتز عن أسفه لاستمرار الوضع ذاته بعد أكثر من عقدين على ذلك المقترح، قائلا: “كان ذلك قبل 24 سنة، وما زلنا في النقطة ذاتها”، في إشارة إلى استمرار البعثة رغم عدم تحقيق الغاية الأساسية من وجودها، واستمرار حالة الجمود التي طبعت الملف.
وربط السفير الأمريكي بين هذا الجمود وتداعياته الإنسانية، مستحضرا أوضاع آلاف الأشخاص المحتجزين في مخيمات تندوف، مشيرا إلى معطيات أممية بشأن انتشار فقر الدم وتأخر النمو وسوء التغذية في صفوف الأطفال، مؤكدا أن استمرار الوضع القائم يعني عمليا نشأة أجيال جديدة في الظروف نفسها.
وقال والتز إن “ثلثي الأطفال دون سن الخامسة يعانون من فقر الدم، فيما يعاني ثلثهم من تأخر في النمو، ولا يحصل سوى 10 في المئة منهم على الحد الأدنى المقبول من التغذية”، مضيفا أن جيلا كاملا نشأ داخل المخيمات، ومحذرا من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى نشأة جيل آخر بالظروف ذاتها.
وفي مقابل انتقاد استمرار “المينورسو”، شددت واشنطن على ضرورة عدم وقف المسار الدبلوماسي، حيث دعا والتز إلى مواصلة الجهود السياسية، مذكرا بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعاد الأطراف إلى طاولة المفاوضات، بمشاركة الأمم المتحدة والمبعوث الشخصي للأمين العام.
وخلص المسؤول الأمريكي إلى أن المرحلة الراهنة تستدعي اعتماد مقاربة جديدة، مؤكدا أن العمل الدبلوماسي ينبغي أن يستمر، لكن دون الإبقاء على الصيغ نفسها التي لم تتمكن، على مدى عقود، من إحداث اختراق في مسار تسوية النزاع.
صدام أمريكي روسي في ملف الصحراء
شهدت جلسة مجلس الأمن المخصصة لملف الصحراء المغربية، أمس الجمعة، مواجهة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا، انتهت بسقوط مشروعي القرار اللذين تقدمت بهما القوتان بشأن مستقبل بعثة المينورسو، بعدما استخدمت موسكو حق النقض “الفيتو” ضد المشروع الأمريكي، رغم حصوله على تأييد 11 عضوا وامتناع ثلاثة عن التصويت، فيما استخدمت واشنطن “الفيتو” بدورها ضد المشروع الروسي.
وتمحور الخلاف بين المشروعين حول المرجعية السياسية للمفاوضات ومستقبل البعثة الأممية؛ إذ اقترحت الولايات المتحدة اعتماد مبادرة الحكم الذاتي المغربية الموسعة والمحيّنة أساسا للمناقشات السياسية، مع تغيير اسم المينورسو إلى “بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية”، وإعادة النظر في هيكلتها ومواردها ومواقع انتشارها، مقابل تمديد ولايتها إلى غاية 31 أكتوبر 2027.
ودعا المشروع الأمريكي إلى مواصلة المفاوضات برعاية الأمم المتحدة وبدعم من واشنطن، مستحضرا جولات المحادثات التي جمعت الأطراف المعنية خلال السنة الجارية.
في المقابل، تمسكت روسيا بتمديد ولاية البعثة سنة إضافية مع الإبقاء على تسميتها الحالية وطبيعة مهامها دون تغييرات جوهرية.
وانتهت الجلسة دون اعتماد أي قرار جديد بشأن ولاية المينورسو، في ظل استمرار الانقسام داخل المجلس حول مستقبل البعثة والمرجعية التي ينبغي أن تؤطر المفاوضات المقبلة.
الديوان الملكي يعلن نهاية “المينورسو”
مباشرة بعد جلسة مجلس الأمن، أكد بلاغ للديوان الملكي أن عدم تجديد مجلس الأمن مهمة بعثة المينورسو، تطور يشكل خطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.
وأوضح البلاغ أن هذا التطور يتزامن مع تخليد المغرب “عيد الوحدة”، الذي أقره صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، “لتجسيد القطيعة في التعاطي مع هذا الملف، والانتقال من مجرد منطق التدبير إلى مقاربة مبنية على التحول العميق للمحددات”.
وفي هذا السياق، أبرز الديوان الملكي أن عدم تمديد مهمة “المينورسو” يعني بوضوح أن وجود هذه البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، لاسيما من خلال طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، “ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة”.
وأضاف أن الأمر يتعلق بطي صفحة دامت 35 سنة، مؤكدا أن هذه البعثة، “الموروثة عن سياق عفا عليه الزمن، شكلت لفترة طويلة أداة لتدويل النزاع الإقليمي المتعلق بالاسترجاع المشروع للمملكة المغربية لأقاليمها الصحراوية”.
المغرب يطالب يسحب ملف الصحراء من مجلس الأمن
علاوة على ذلك، شدد البلاغ على أن عدم التمديد لمهمة المينورسو “يتعين أن يضع حدا لإحالة هذا الملف على مجلس الأمن، وسحب هذه القضية من جدول أعماله”، مشيرا إلى أنه “لن يبقى أي مبرر لانعقاد الاجتماعات النظامية الدورية للمجلس المخصصة للصحراء المغربية، ولا لتقارير الأمين العام للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا لإحاطات مبعوثه الشخصي”.
وتابع البلاغ أن هذا التطور يعني أن “المسار السياسي الأممي، الذي اتسم للأسف بمماطلة الأطراف الأخرى، وإصرارها على خلق حالة من الجمود وإدامة الوضع الراهن”، سيتوقف، مضيفا أنه سيتم اتخاذ خطوات مماثلة في القريب العاجل داخل هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة.
وفي المقابل، أكد البلاغ أن المغرب، “وفي الوقت الذي يعرب فيه عن ارتياحه لهذا التطور، يظل متمسكا بقوة بوقف إطلاق النار، مع الاحترام التام لسلامة ووحدة أراضيه، وأمنه الوطني، وطمأنينة مواطنيه”.
ومن ناحية أخرى، أبرز البلاغ أن الدينامية الدولية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، “ستتواصل على المستويين الثنائي والإقليمي”، مشيرا إلى أن هذه الدينامية مكنت بالفعل من حشد دعم هام للموقف المغربي.
وفي هذا الصدد، أفاد البلاغ بأن “أكثر من ثلثي أعضاء منظمة الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة،” يؤيدون بوضوح مبادرة الحكم الذاتي، في إطار السيادة المغربية، باعتبارها “الإطار الوحيد لحل هذا النزاع الإقليمي”.











