قال عبد الفتاح الفاتحي الخبير في العلاقات الدولية ومدير مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية، إن التوجه الذي بات يحكم مقاربة مجلس الأمن الدولي لملف الصحراء يقوم على تحميل الأطراف الأربعة مسؤولية الانخراط الفعلي في العملية السياسية، مع إعطاء أولوية لمعالجة الوضع الإنساني للسكان الموجودين بمخيمات تندوف بالجزائر، مشددا على أن المرحلة المقبلة لا تحتمل استمرار المشاورات الشكلية أو الرهان على إطالة أمد النزاع.
وأوضح الفاتحي، في حوار خاص مع AM+MEDIA، أن القرار يتحدث عن مسؤولية رئيسية تقع على عاتق الأطراف الأربعة على قدم المساواة، بالنظر إلى أن المدخل الأساسي بالنسبة للأمم المتحدة هو الجانب الإنساني، خصوصا وضعية سكان الصحراء الموجودين إما في موريتانيا أو في مخيمات تندوف بالجزائر.
وأكد أن هذه الأطراف مطالبة بالمشاركة الفعالة في المشاورات التي ستشرف عليها الأمم المتحدة، من خلال المبعوث الشخصي للأمين العام، موضحا أن التوجيه الأساسي الذي يحمله القرار يتمثل في ضرورة تعاون جميع الأطراف مع المبعوث الأممي، في إطار الالتزامات الدولية المترتبة عليها.
وفي قراءته لخلفيات هذا التوجه، رأى مدير مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن الأمم المتحدة لم تعد راغبة في استمرار الرهانات التي تقوم عليها بعض الجهات لإطالة أمد نزاع الصحراء، وإنما تتجه نحو البحث عن تسوية سياسية، في ظل التحديات الأمنية المتنامية التي تواجه منطقة الساحل والصحراء وفي مقدمتها نشاط الجماعات الإرهابية والاتجار بالبشر والجريمة العابرة للحدود.
وشدد الفاتحي على أن الدعوة إلى الانخراط في المشاورات لا تعني مجرد الحضور إلى طاولة المفاوضات، بل تفرض مساهمة فعالة ونشطة من جميع الأطراف، معتبرا أن فتح نقاشات هامشية لا تفضي إلى نتائج ملموسة لم يعد يستجيب لمتطلبات المرحلة.
وأضاف أن المطلوب هو توجيه المشاورات نحو التوصل إلى حل سياسي، معتبرا أن المسار الحالي يضع الأطراف أمام ما وصفه بأجندة زمنية لتطبيق الحكم الذاتي.
وفي السياق ذاته، أوضح أن الأمم المتحدة تحتفظ بهامش من المرونة على مستوى التوقيت، لكنها، وفق قراءته، لا تعتزم انتظار موافقة كل طرف على الانخراط في العملية السياسية قبل مواصلة جهودها.
وأشار إلى أن المنظمة الأممية وسعت دائرة الأطراف المعنية بالتشاور، بعدما كانت جبهة البوليساريو تقدم نفسها باعتبارها الممثل الوحيد لما تسميه “الشعب الصحراوي” إذ أصبحت الأمم المتحدة تدعو أطرافا أخرى في المنطقة إلى المشاركة في التفكير في مستقبلها وأمنها، انطلاقا من أساس سياسي واحد يتمثل، بحسب الفاتحي، في الحكم الذاتي.
البوليساريو بين الانخراط في المشاورات ومخاطر العزلة
وفي تقييمه لموقع جبهة البوليساريو ضمن التطورات المرتبطة بالملف، اعتبر الفاتحي أن الجبهة توجد اليوم في وضع وصفه بـ”الضعيف جدا” وأنها أصبحت أمام خيارين، إما الانخراط في المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، أو مواجهة احتمال العزلة وما قد يترتب عنها من إجراءات أممية.
وذهب إلى أن استمرار رفض الانخراط في العملية السياسية قد يضع الجبهة، وفق تقديره، أمام عقوبات أممية محتملة، مشيرا إلى أن الجزائر ستكون بدورها أمام مسؤوليات سياسية وأخلاقية مرتبطة بالتزاماتها الدولية إذا لم تتمكن من التأثير في موقف البوليساريو ودفعها نحو التعاون مع الجهود الأممية.
وفي هذا الإطار، أثار الخبير في العلاقات الدولية مسألة الارتباطات التي ينسبها إلى بعض القيادات التاريخية المنحدرة من المنطقة مع جماعات إرهابية مسلحة، مستحضرا حالة أحد القياديين الصحراويين الذين ارتبط اسمهم بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
كما أشار إلى وجود مقترح تشريعي مطروح على الكونغرس الأمريكي يرمي إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، معتبرا أن هذه المعطيات تزيد من الضغوط السياسية التي تواجهها الجبهة في المرحلة الحالية.
وربط الفاتحي هذه التطورات بضرورة تعاون البوليساريو مع الأمم المتحدة، مؤكدا أن الأولوية بالنسبة للمنظمة الدولية لا ترتبط، في تقديره، بما تمثله الجبهة من تنظيم عسكري مسلح، بقدر ما تتعلق بمصير السكان الموجودين في مخيمات تندوف وضرورة إيجاد حل لوضعيتهم الإنسانية.
وأوضح أن الدور الذي يمكن أن تضطلع به البوليساريو على طاولة المشاورات ينبغي أن ينصرف أساسا إلى المساهمة في معالجة هذا الإشكال الإنساني، باعتباره أحد المداخل الأساسية لأي تسوية سياسية.
من النزاع السياسي إلى الإشكال الإنساني
وفي تحليله للتحول الذي يراه في مقاربة مجلس الأمن، اعتبر الفاتحي أن إحدى الخلاصات الأساسية التي انتهى إليها المجلس تتمثل في أن قضية الصحراء لم تعد، وفق قراءته، تُطرح باعتبارها نزاعا دوليا بالمعنى الذي ساد خلال المراحل السابقة، وإنما أصبحت مرتبطة بإشكال إنساني يستوجب معالجة وضعية السكان الموجودين في مخيمات تندوف.
وشدد على أن الأمم المتحدة معنية بحماية الإنسان وصون كرامته، ولا سيما الأشخاص الذين وصفهم بالمحتجزين داخل المخيمات، معتبرا أن هذا البعد الإنساني بات يشكل مدخلا رئيسيا في تدبير المنظمة الدولية للملف.
وأضاف أن هذا التوجه يقتضي من الأطراف المعنية استيعاب المقصد العام للتحرك الأممي، والانخراط في حل سياسي يضع حدا للوضع الذي يعتبر أن جبهة البوليساريو تمارس فيه سلطتها على مجموعات سكانية في غياب الضمانات القانونية اللازمة.
وفي هذا الصدد، أثار الفاتحي مسألة الإطار القانوني المنظم لوضعية اللاجئين، مستحضرا اتفاقية جنيف لسنة 1951، وما يرتبط بها من إشكالات الإحصاء والوثائق الثبوتية وحرية التنقل.
ونبّه إلى أن سكان المخيمات لا يستفيدون من الضمانات المطلوبة في ما يتعلق بالإحصاء وحرية الانتقال والحصول على جوازات السفر ووثائق الهوية تحت إشراف الأمم المتحدة، مشددا على ضرورة معالجة هذه الوضعية في إطار القانون الدولي.
ووصف الخبير الوضع القائم في تندوف بأنه أشبه بوجود “دولة داخل دولة” في إشارة إلى ممارسة جبهة البوليساريو سلطات داخل التراب الجزائري، معتبرا أن هذا الوضع يثير إشكالات قانونية تتعارض، في تقديره، مع مقتضيات القانون الدولي.
وأكد أن هذا التحدي يفسر جانبا من الحذر الذي تتعامل به الأمم المتحدة مع الملف، إذ تسعى، بحسب تحليله، إلى معالجة الجانب الإنساني بكثير من الصبر والحكمة، وتفادي تعقيدات إضافية قد تعرقل الوصول إلى تسوية.
المجتمع الدولي لا يريد كيانا هشا جنوب المغرب
وعلى المستوى السياسي والاستراتيجي، اعتبر الفاتحي أن المجتمع الدولي والأمم المتحدة باتا مقتنعين بعدم جدوى إقامة كيان سياسي ضعيف وهش جنوب المملكة المغربية، بالنظر إلى المخاطر التي قد تترتب عن ذلك على أمن المنطقة واستقرارها.
وأوضح أن إقامة “دويلة ضعيفة” من شأنها، أن تفتح المجال أمام تنامي الإرهاب والجريمة والفقر، في منطقة تواجه أصلا تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية معقدة.
وفي المقابل، أبرز الخبير في العلاقات الدولية ما أنجزه المغرب من بنيات اقتصادية مهيكلة في أقاليمه الجنوبية، معتبرا أن آثارها التنموية لا تقتصر على المملكة، وإنما تمتد إلى دول غرب إفريقيا ومنطقة الساحل وجنوب الصحراء.
وأشار إلى أن هذه البنيات تتيح فرصا لتعزيز المبادلات الاقتصادية والربط الإقليمي، بما يجعل التنمية الاقتصادية عاملا أساسيا في دعم الاستقرار والأمن داخل المنطقة.
واعتبر الفاتحي أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في حاجة إلى شريك يتمتع بالجدية والمصداقية والموثوقية، وهي الصفات التي يرى أنها تتوفر في المملكة المغربية، بالنظر إلى التزاماتها ومبادراتها الإقليمية.
واستحضر في هذا السياق التوجهات التي يقترحها جلالة الملك محمد السادس في إطار تعزيز التعاون جنوب جنوب باعتبارها نموذجا لمقاربة تربط الاستقرار السياسي بالتنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي.
كما توقف عند المبادرة الملكية الأطلسية الرامية إلى تمكين دول الساحل غير المطلة على البحر من الولوج إلى المحيط الأطلسي، مشيرا إلى أهميتها في فتح منافذ بحرية أمام هذه الدول وتوسيع فرص اندماجها في المبادلات التجارية الدولية.
وأكد أن تمكين الدول الحبيسة من الولوج إلى المنافذ البحرية يمكن أن يسهم في ازدهار اقتصاداتها وتحسين شروط تنميتها، بما ينعكس على الأوضاع الأمنية والاجتماعية في المنطقة.
وخلص مدير مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى أن الرهان على التنمية والتعاون الاقتصادي يشكل أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق الاستقرار، معتبرا أن الاقتصاد يظل الضامن الرئيسي لأمن الدول واستقرارها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.











