لم تجعل المقاعد الـ97 التي تصدر بها حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية المغربية في 23 شتنبر الجاري، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة حتى الآن، لكنها جعلت وصول امرأة إلى رأس السلطة التنفيذية احتمالا دستوريا وسياسيا غير مسبوق، وكشفت أن العائق المتبقي ليس قانونيا بقدر ما هو راسخ في المخيال الاجتماعي.
ولم يكن السؤال الأكثر أهمية في الندوة الصحافية التي عقدها حزب الأصالة والمعاصرة، الخميس 24 شتنبر، هو السؤال المتعلق بالتحالفات أو البرنامج الحكومي أو تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية، بل السؤال الذي بحث الصحافيون عن إجابة له لموقف المنصوري إذا ما عينها جلالة الملك رئيسة للحكومة، لكن السؤال الأكثر رمزية لآخر قلاع المقاومة الذكورية كان “كيف ستصلي فاطمة الزهراء المنصوري إلى جانب الملك إذا أصبحت رئيسة للحكومة؟”.
هذا السؤال، الذي يطرح على مواقع التواصل الاجتماعي أيضا، بدا متعلقا بالبروتوكول والمراسم الدينية، لكنه، في عمقه، اختزل نظرة ذكورية ما تزال تتعامل مع رئاسة الحكومة باعتبارها موقعا “هُندِس” للرجل، وأن حضور امرأة فيه يحتاج إلى تبريرات وترتيبات استثنائية.
غير أن المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة لم تدخل في نقاش فقهي أو بروتوكولي، بل أعادت السؤال إلى جوهره السياسي، مؤكدة أن جلالة الملك محمد السادس كان من أكبر المدافعين عن مكانة المرأة وإنصافها، وأن معيار الاختيار هو أن يشتغل المسؤول بـ”نزاهة وكفاءة ونكران الذات”، مغلقة الباب أيضا أمام شائعات وجود صراع بينها وبين فوزي لقجع بشأن رئاسة الحكومة.
من صدارة الحزب إلى مشروعية الاحتمال
أكدت النتائج النهائية لانتخابات 23 شتنبر تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال و54 لحزب العدالة والتنمية.
وبمقتضى الفصل 47 من الدستور، يعين جلالة الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، غير أن الدستور يحدد الحزب الذي يأتي منه رئيس الحكومة، ولا يفرض اسما بعينه داخله.
لذلك، لا تجعل الصدارة تعيين المنصوري أمرا آليا، لكنها تنقل اسمها من دائرة التكهن الرمزي إلى دائرة الاختيار الدستوري الممكن، وهي نفسها حافظت على هذه المسافة حين قالت خلال الندوة التي تلت إعلان تصدر “الجرار” نتئاج الانتخابا “إذا اختارني صاحب الجلالة وطلب مني أن أتحمل المسؤولية، سيكون ذلك شرفا كبيرا ليا”، مضيفة أن جلالة الملك “سيختار الأحسن للوطن”.
الكفاءة تفكك الصورة النمطية
بالنسبة لقياديي “البام”، لا ينبع احتمال وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة من كونها امرأة فقط، بل من مسار سياسي جعل اختزالها في هويتها الجندرية أمرا صعبا، فقد انتُخبت عمدة لمراكش سنة 2009، وراكمت تجربة برلمانية، ثم عادت إلى رئاسة جماعة مراكش سنة 2021، قبل أن تتولى وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ثم أصبحت المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة.
ولا يترك تراكم الخبرة المحلية والتشريعية والحكومية والحزبية مجالا للحجة التقليدية التي تزعم أن وصول امرأة إلى قمة الجهاز التنفيذي سيكون قفزة في المجهول، أو اختيارا من باب مقاربة جندرية ضيقية، لأنه لو كان صاحب هذا المسار رجلا، لما تم التعامل مع احتمال رئاسته للحكومة باعتباره حدثا يحتاج إلى تبرير ثقافي أو بروتوكولي.
المنصوري، في طريقة إدارتها لأسئلة التحالفات لتشكيل الأغلبية الحكومية، عكست إدراكا لطبيعة المرحلة، مؤكدة ألا خطوط حمراء أمام الحوار مع الأحزاب، وأن التحالفات ستُحسم داخل مؤسسات الحزب وعلى أساس البرامج، قائلة “ليس لدينا حزب نرفض الجلوس معه”.
بين المساواة القانونية والمساواة المتخيلة
تصف الأستاذة الجامعية والباحثة في قضايا النوع الاجتماعي، حنان السرغيني، هذه اللحظة بأنها تكشف المسافة بين “المساواة القانونية والمساواة المتخيلة اجتماعيا”، لأن الدستور لا يضع قيدا جنسيا على رئاسة الحكومة، لكن المخيال السياسي لم يتخلص كليا من صورة الرجل باعتباره المرشح الطبيعي للسلطة، والمرأة باعتبارها حالة تحتاج في كل مرة إلى إثبات إضافي.
ومن هذه الزاوية، تؤكد السرغيتي أن سؤال الصلاة لم يكن تفصيلا طريفا، بل دليلا على استمرار تلك المسافة، إذ بدل أن ينظر السائل إلى المرأة بوصفها رئيسة محتملة للجهاز التنفيذي، أعادها إلى جسدها ومكان وقوفها داخل المسجد، بينما أعادت المنصوري النقاش إلى النزاهة والكفاءة والعمل، أي إلى المعايير التي يفترض أن يُقاس بها أي مسؤول، رجلا كان أو امرأة.
وتضع الأكاديمية اللحظة الراهنة ضمن مسار مغربي أطول، إذ منذ تنظيم “أخوات الصفا” في فاس سنة 1947، ارتبط النضال النسائي المغربي بالتعليم والحضور في المجال العام والمشاركة الوطنية، ثم جاءت فاطمة المرنيسي لتعيد قراءة التاريخ الإسلامي وتفكك الاعتقاد بأن السلطة والمعرفة فضاءان ذكوريان بطبيعتهما، مستعيدة نماذج نسائية مارست الحكم والتأثير السياسي.
وتشدد السرغيني على هذا التصور لا يعني أن المنصوري امتداد فكري مباشر للمرنيسي، أو أنها “سيمون دو بوفوار مغربية”، فالمقارنة، كما تنبه المتحدثة، جذابة لكنها غير دقيقة، دو بوفوار مفكرة أنتجت نظرية نقدية حول الهيمنة، بينما المنصوري فاعلة سياسية تتحرك داخل المؤسسات والتحالفات وموازين السلطة.
من التمثيل إلى المنافسة على القرار
تمثل لحظة ما بعد نتائج انتخابات 2026 انتقالا نوعيا في سؤال المرأة المغربية، إذ لم يعد النقاش مقتصرا على عدد النساء في اللوائح الانتخابية أو البرلمان أو الحكومة، بل وصل إلى المنافسة على قيادة الحكومة نفسها، لتنتقل المرأة من المطالبة بحصة داخل القرار إلى احتمال قيادة مركز القرار.
وتشدد حنان السرغيني، الأستاذة الجامعية والباحثة في قضايا النوع الاجتماعي، على أنالسؤال الأساسي اليوم “لا يتمثل فيما إذا كانت المرأة قادرة على الوصول إلى رئاسة الحكومة، فوجود نساء راكمن خبرات في الإدارة، والمنتخب، والسياسة العمومية، والعمل الأكاديمي، ما يجعل هذا السؤال متجاوزا من حيث المبدأ”.
وترى أن السؤال الأهم يجب أن يتمحور حول “هل صار المجتمع والنقاش العمومي قادران على تقييم امرأة في موقع السلطة بالمعايير نفسها التي تُطبّق على الرجل؟”.
وتبرز أن “احتمال وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة، سواء تحقق أم لم يتحقق، يكشف تحوّلا في المشهد السياسي المغربي، فهو لا يخص شخصية سياسية واحدة فقط، بل يعكس انتقال سؤال المرأة من هامش التمثيل إلى صلب المنافسة على القرار”.
وأوضحت السرغيني أن مقاربة النوع من هذه الزاوية “تكتسب أهميتها، ليس لتمنح امتيازا رمزيا للنساء، ولا لتحوّل السياسة إلى منافسة بين الجنسين، بل لفهم كيف تعمل السلطة، ومن يُنظر إليه تلقائيا بوصفه مؤهلا لها، ومن يُطلب منه، كل مرة، أن يبرهن على أهليته أكثر من غيره”.











