لقاء ألباريس وبوريطة في نيويورك هو الأول وجها لوجه منذ الدخول الجماعي إلى سبتة في يوليوز، وسط خلاف بشأن إعادة نحو عشرة آلاف مهاجر، بينهم ثلاثة آلاف قاصر، وتجدد الجدل حول سيادة إسبانيا على سبتة ومليلية.
في أول لقاء وجها لوجه منذ الدخول الجماعي نهاية يوليوز الماضي، عادت أزمة سبتة لتلقي بظلالها على العلاقات بين الرباط ومدريد، عقب اجتماع عقده وزير الخارجية المغرب ناصر بوريطة مع نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، يوم أمس الخميس، في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويعدّ هذا أول لقاء مباشر بين الوزيرين منذ دخول آلاف المهاجرين إلى مدينة سبتة خلال يومي 30 و31 يوليوز الماضي، حيث تركزت المحادثات على مصير المهاجرين البالغين والقاصرين الذين لا يزالون في المدينة، وإمكان إعادتهم إلى المغرب، إلى جانب مستقبل العلاقات الثنائية وقضية السيادة على سبتة ومليلية.
الرباط تحمّل مدريد مسؤولية تأخر العودة
عقب الاجتماع، اتهم بوريطة الجانب الإسباني بعرقلة إعادة نحو عشرة آلاف مهاجر تقول التقارير الإسبانية إنهم ما زالوا في سبتة منذ موجة الدخول الجماعي.
وقال الوزير المغربي للصحفيين عقب اللقاء إن عدم عودة المهاجرين الموجودين في وضع غير نظامي، بمن فيهم القاصرون، يطرح أسئلة ينبغي توجيهها إلى إسبانيا لا إلى المغرب، مؤكدا أن الرباط ليست الجهة التي تمنع عودتهم.
وأضاف أن عملية العودة تواجه، من الجانب الإسباني، “سجالات وعراقيل وصعوبات”، نافيا أن يكون التأخير ناجما عن غياب الإرادة لدى السلطات المغربية، مشددا على أن الرباط عبّرت بوضوح عن استعدادها لاستقبال الأشخاص المعنيين.
ووفق التقارير الإسبانية، لمح بوريطة إلى أن جزءا من الطبقة السياسية الإسبانية يغذي الجدل المرتبط بالقضية، بما يحول دون إغلاق ملف الأزمة بصورة نهائية.
الموقف المغرب الذي عبر عنه بوريطة لا يعد جديدا، فقد أصدرت وزارة الخارجية المغربية، في 10 شتبنر الجاري، بيانا اتهمت فيه “قطاعات سياسية وإعلامية إسبانية معينة” بالاستمرار في توظيف الأزمة لأغراض سياسية وإعلامية، مؤكدة أن المملكة ترغب في عودة جميع الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية يومي 30 و31 يوليوز.
وتساءلت الخارجية المغربية آنذاك عن أسباب عدم شروع إسبانيا في إعادة هؤلاء، رغم أن الرباط التزمت رسميا باستقبالهم مجددا، منتقدة استمرار فصل قاصرين غير مصحوبين بذويهم عن أسرهم.
إسبانيا تتجنب الرد على الاتهامات
ولم تعلق وزارة الخارجية الإسبانية بصورة مباشرة على تصريحات بوريطة وتحميله مدريد مسؤولية عرقلة عمليات الإعادة، واكتفت، وفق ما أوردته التقارير الإسبانية، بالتشديد على التزام المغرب بالتعاون في هذا الملف.
وقال ألباريس، في تسجيل صوتي أرسله إلى وسائل الإعلام بعد الاجتماع، إن المغرب أكد مجددا “تعاونه الكامل” من أجل عودة المهاجرين في أسرع وقت ممكن، موضحا أن الأمر يتعلق بالأشخاص الذين لا يملكون الحق في طلب اللجوء أو الاستفادة من الحماية الدولية.
وأكدت مصادر في وزارة الخارجية الإسبانية للهيئة العامة للإعلام والخدمة العمومية في إسبانيا “RTVE”، أن الاجتماع تناول تحديدا إعادة المهاجرين غير النظاميين الذين ما زالوا في سبتة منذ 30 يوليوز ولا تتوافر فيهم شروط الحصول على الحماية الدولية.
وأشارت إلى أن اللقاء المباشر قد سبقته اتصالات هاتفية عديدة بين الوزيرين، كما أعلن ألباريس، قبل الاجتماع بأيام، أنه سيلتقي بوريطة في نيويورك، موضحا أن الطرفين يرغبان في الاجتماع والحوار، وأن عودة المهاجرين الذين لا يزالون في سبتة ستكون جزءا أساسيا من المحادثات.
وقبل موعدهما الرسمي، تزامن وجود الوزيرين في عدد من المنتديات والفعاليات المنظمة في نيويورك خلال أسبوع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
3 آلاف قاصر في قلب الخلاف
يمثل مصير القاصرين النقطة القانونية والسياسية الأكثر تعقيدا في الملف، فبحسب الأرقام التي أوردتها التقارير الإسبانية، يوجد في سبتة نحو 3 آلاف قاصر من بين المهاجرين الذين دخلوا المدينة في نهاية يوليوز.
وفي حين يطالب بوريطة السلطات الإسبانية بتسليمهم إلى المغرب، تفرض التشريعات الإسبانية إجراءات فردية وضمانات قانونية قبل اتخاذ أي قرار بإعادة قاصر، وتشمل دراسة المصلحة الفضلى لكل طفل، والتحقق من هويته ووضعه العائلي، والتأكد من إمكان إعادته في ظروف آمنة.
وكانت وزيرة الطفولة الإسبانية سيرا ريغو قد أشارت خلال الأسبوع نفسه إلى أن الحكومة تتوقع بقاء غالبية هؤلاء القاصرين في إسبانيا في نهاية المطاف، ما يكشف حجم التباعد بين مطالبة الرباط بالإعادة السريعة وتمسك مدريد بمسار قانوني قد يؤدي إلى استقرار عدد كبير منهم داخل الأراضي الإسبانية.
السيادة على سبتة ومليلية
لم يقتصر لقاء بوريطة وألباريس على ملف المهاجرين، فقد أكدت مصادر دبلوماسية إسبانية لـ”RTVE” أن ألباريس أبلغ بوريطة رغبة مدريد في الحفاظ على علاقة جيدة مع المغرب، شريطة أن تقوم هذه العلاقة على احترام السيادة والسلامة الإقليمية ومبادئ الإعلان المشترك الصادر سنة 2022.
وجدد ألباريس في نيويورك موقف بلاده الرافض لأي تفاوض على سبتة ومليلية، قائلا إن “إسبانيا لا تناقش مع المغرب، ولا مع أي دولة أخرى، سلامتها الإقليمية، التي تشمل بطبيعة الحال سبتة ومليلية”.
وتتمسك الحكومة الإسبانية في علاقاتها مع الرباط بـ”خريطة الطريق” التي أُطلقت بموجب الإعلان المشترك لسنة 2022، وفتحت مرحلة جديدة بين البلدين بعد الأزمة الدبلوماسية التي تسبب فيها استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج.
مدريد تطالب الرباط بـ”إجابات”
جاء لقاء وزيري الخارجية بعد تصريحات أكثر وضوحا أدلى بها رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، خلال وجوده في نيويورك للمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وقال سانشيز، في مقابلة مع شبكة “سي إن إن”، إنه طلب من المغرب تقديم “إجابات” عن أوجه القصور أو الإخفاقات التي شهدتها الحدود يومي 30 و31 يوليوز، عندما دخل آلاف الأشخاص إلى سبتة.
ورأت تقارير إسبانية أن هذه هي المرة الأولى التي يشير فيها سانشيز بهذه الدرجة من الوضوح إلى مسؤولية محتملة للمغرب، غير أن رئيس الحكومة وألباريس نفيا لاحقا أن تكون المقابلة مؤشرا إلى تغيير في خطاب مدريد تجاه الرباط.
وكان قصر مونكلوا قد اختار منذ بداية الأزمة كلماته بحذر شديد عند الحديث عن احتمال مشاركة السلطات المغربية في الأحداث أو تقاعسها عن منع عمليات العبور.
وخلال مثوله أمام مجلس النواب في 3 شتنبر الجاري، قال سانشيز إنه لا توجد أدلة تثبت أن المغرب خطط للدخول الجماعي إلى سبتة أو تولى تنفيذه، لكنه أكد أن الحكومة الإسبانية ستتصرف “بحزم” إذا ظهرت أدلة قوية ضد الرباط.











