قبل ما يقارب ثمانية عقود، أسست مغربيات في مدينة فاس جمعية «أخوات الصفا» سنة 1947. لم يكن حضورهن مجرد نشاط نسائي هامشي في ظل الحماية، بل حملن أسئلة مبكرة حول تعليم الفتيات، ومشاركة النساء في المجال العام، وتحسين أوضاعهن الاجتماعية والقانونية. لقد كان ذلك بداية مغربية أصيلة لشقّ جدار طويل جعل القيادة والحكمة والتدبير شأنا يُنسب، في المخيال الاجتماعي، إلى الرجال أكثر مما يُنسب إلى النساء.
وبعد عقود، جاءت فاطمة المرنيسي لتعيد طرح السؤال من داخل تاريخنا وذاكرتنا الثقافية. لم تنطلق من فكرة أن المساواة ينبغي استيرادها، بل أعادت قراءة النصوص والتاريخ لتذكّرنا بأن حضور النساء في المعرفة والسلطة والرأي لم يكن غريبا عن التجربة الإسلامية والمغربية. ما كان يحتاج إلى تغيير ليس قدرة النساء، بل الصورة الاجتماعية التي تحاصر هذه القدرة وتحوّلها إلى استثناء.
اليوم، ومع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بـ 97 مقعدا، عاد النقاش حول احتمال وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة. ويبرز اسم فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب، في صلب هذا النقاش. لم تعلن ترشحا رسميا، لكنها عبّرت عن استعدادها لتحمل المسؤولية إذا وقع عليها الاختيار، مؤكدة أن ذلك سيكون شرفا لها.
هل تكون المنصوري «سيمون دو بوفوار مغربية»؟
السؤال جذاب، لكنه يحتاج إلى شيء من التحفظ البحثي. سيمون دو بوفوار كانت فيلسوفة ومفكرة، كتبت الجنس الآخر» لتفكيك بنية الهيمنة الذكورية في الفكر والمجتمع. أما فاطمة الزهراء المنصوري فهي فاعلة سياسية، صعدت من تدبير الشأن المحلي في مراكش إلى قيادة حزب سياسي كبير، وتتحرك في مجال السلطة التنفيذية والتحالفات والمؤسسات.
لذلك، فالمقارنة لا تعني التطابق. إحداهما ساهمت في إنتاج نظرية نقدية حول وضع النساء، والأخرى يمكن أن تمثل، إذا وصلت إلى رئاسة الحكومة، تحولا في الممارسة السياسية وفي صورة المرأة القادرة على بلوغ أعلى موقع تنفيذي.
لكن الخيط الذي يصل بينهما، ومعهما أخوات الصفا وفاطمة المرنيسي، هو أن وصول امرأة إلى موقع ظل تاريخيا محجوزا للرجال لا يغيّر المسار الفردي وحده، بل يغيّر أيضا حدود الممكن في الوعي الجماعي.
من سؤال الكفاءة إلى سؤال الرمز
اللافت في النقاش الذي رافق احتمال تولي امرأة رئاسة الحكومة أن جزءا منه لم ينصرف إلى البرنامج السياسي أو القدرة على تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية، بل إلى أسئلة رمزية من قبيل: كيف ستصلي رئيسة الحكومة إلى جانب الملك؟
هذا الانتقال السريع من المجال السياسي إلى المجال الرمزي يستحق التوقف عنده من زاوية دراسات النوع، فهو يكشف أن حضور المرأة في موقع القرار لا يُناقش دائما بالأدوات نفسها التي يُناقش بها حضور الرجل.
حين يتعلق الأمر برجل، تتقدم أسئلة الحزب، والتحالفات، والكفاءة، والحصيلة، أما حين تكون امرأة، تظهر أحيانا أسئلة إضافية عن الهيئة، والمكان، والتمثيل، وحدود المقبول اجتماعيا.
لا يتعلق الأمر هنا بالمسألة الدينية في ذاتها، ولا بتبخيس الأسئلة المرتبطة بالرموز والمجال العام، بل بملاحظة كيفية تحوّلها إلى محور للنقاش في لحظة سياسية يفترض أن يكون معيارها الأساسي هو القدرة على تدبير الشأن العام، وقد أعادت فاطمة الزهراء المنصوري النقاش إلى هذا المستوى حين أكدت أن الاختيار يرتبط بالنزاهة والكفاءة، لا بجنس الشخص أو بالتفاصيل الشكلية المحيطة به.
من منظور بحثي، تعكس هذه الواقعة مسافة قائمة بين المساواة القانونية والمساواة المتخيلة اجتماعيا، فالدستور المغربي يقر مبدأ المساواة بين النساء والرجال، ولا يضع أي قيد مرتبط بالجنس في مسألة رئاسة الحكومة، غير أن الانتقال من الإمكان القانوني إلى القبول الاجتماعي يظل مسارا أطول، لأن التمثلات الذكورية لا تختفي بمجرد صدور النصوص أو ارتفاع عدد النساء في المؤسسات.
لذلك، لا يتمثل السؤال الأساسي فيما إذا كانت المرأة قادرة على الوصول إلى رئاسة الحكومة، فوجود نساء راكمن خبرات في الإدارة، والمنتخب، والسياسة العمومية، والعمل الأكاديمي، يجعل هذا السؤال متجاوزا من حيث المبدأ، لأن السؤال الأهم هو: هل صار المجتمع والنقاش العمومي قادرين على تقييم امرأة في موقع السلطة بالمعايير نفسها التي تُطبّق على الرجل؟
إن احتمال وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة، سواء تحقق أم لم يتحقق، يكشف تحوّلا في المشهد السياسي المغربي، فهو لا يخص شخصية سياسية واحدة فقط، بل يعكس انتقال سؤال المرأة من هامش التمثيل إلى صلب المنافسة على القرار.
وهنا تكتسب مقاربة النوع أهميتها: ليس لتمنح امتيازا رمزيا للنساء، ولا لتحوّل السياسة إلى منافسة بين الجنسين، بل لفهم كيف تعمل السلطة، ومن يُنظر إليه تلقائيا بوصفه مؤهلا لها، ومن يُطلب منه، كل مرة، أن يبرهن على أهليته أكثر من غيره.
إذا كانت أخوات الصفا قد فتحت، في المغرب، بابا مبكرا لتنظيم النساء ومطالبهن في المجال العام، وإذا كانت المرنيسي قد أعادت كتابة جانب من تاريخ النساء في المجال الإسلامي، فإن اللحظة الحالية تطرح سؤالا مغربيا مباشرا: هل صرنا قادرين على النظر إلى امرأة في رئاسة الحكومة باعتبارها إمكانية سياسية طبيعية، لا حدثا استثنائيا؟ الجواب لن يتحدد فقط عند لحظة التعيين أو تشكيل الحكومة، بل في قدرة المجتمع على نقل النقاش من الرمز إلى السياسة، ومن الجنس إلى الكفاءة، ومن الاستثناء إلى المألوف.
أستاذة جامعية وباحثة في قضايا النوع الاجتماعي(*)
“ومديرة كتاب: “المغرب في مرآة النوع: اللامساواة والمقاومات والتحولات











