بعد الرسالة المغربية الصريحة والمباشرة بشأن ملف المهاجرين العالقين في سبتة، تتحرك مدريد لتسريع إجراءات إعادتهم إلى المغرب بعد لقاء وزير الخارجية ناصر بوريطة بنظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في نيويورك.
وخلال اللقاء، أكد بوريطة أن الرباط مستعدة لـ”التعاون الكامل” من أجل عودة المهاجرين في أقرب وقت، لكنه شدد في المقابل على أن بطء عمليات الإرجاع مرتبط بالإجراءات التي تقع على عاتق السلطات الإسبانية، قائلا إن السؤال عن سبب عدم عودة المهاجرين والقاصرين ينبغي توجيهه إلى إسبانيا.
وبعد يومين فقط من هذه التصريحات، كشفت وسائل إعلام إسبانية أن حكومة بيدرو سانشيز تعد مرسوما بقانون لتسريع معالجة طلبات اللجوء وتنفيذ قرارات الإعادة من سبتة.
وتتقاطع الخطوة الإسبانية الجديدة عمليا مع الموقف الذي عبرت عنه الرباط، إذ يستهدف المرسوم تقليص الآجال والمساطر التي ترى مدريد أنها تؤخر إعادة آلاف المهاجرين الذين بقوا في سبتة منذ أحداث 30 و31 يوليوز.
وتتجه الحكومة الإسبانية نحو تشديد الإجراءات المتعلقة بطلبات اللجوء وترحيل المهاجرين الموجودين في سبتة، في محاولة لتسريع إنهاء التداعيات التي خلفتها موجة الدخول غير المسبوقة التي شهدتها المدينة يومي 30 و31 يوليوز الماضي، وذلك عبر مرسوم بقانون ينتظر أن تعرضه على مجلس الوزراء يوم الثلاثاء المقبل، وسط تحذيرات قانونية من أن بعض مقتضيات مسودته قد تتعارض مع الضمانات المنصوص عليها في التشريع الأوروبي والدولي.
ويأتي التحرك الجديد بعد نحو شهرين من الأزمة التي وضعت السلطات الإسبانية أمام ضغط غير مسبوق في مجالات مراقبة الحدود والاستقبال وإيواء القاصرين ومعالجة ملفات اللجوء والترحيل، وأجبرت الحكومة على إعلان سبتة منطقة ذات أهمية للأمن القومي وتعبئة موارد أمنية وإدارية وإنسانية استثنائية.
وتؤكد الحكومة الإسبانية أن أكثر من 70 ألف شخص عبروا الحدود من المغرب خلال أحداث 30 و31 يوليوز.
وبحسب المسودة التي كشفت وسائل إعلام إسبانية تفاصيلها، فإن الهدف الأساسي من المرسوم الجديد هو اختصار المسارات الإدارية والقضائية التي تؤخر تنفيذ قرارات الإعادة، سيما عندما يقدم الأشخاص المعنيون طلبات للحصول على الحماية الدولية.
وكانت صحيفة “إلباييس” قد كشفت، أمس السبت، أن وزارة الداخلية تقود إعداد النص وأن الحكومة تريد عرضه على مجلس الوزراء في اجتماعه المقبل، لكن المقترح، الذي ما يزال في مرحلة المسودة ويمكن أن يعرف تعديلات قبل اعتماده، فتح في المقابل نقاشا قانونيا حادا، خصوصا حول مدى احترامه لمبدأ عدم الإعادة القسرية والحق في الطعن القضائي الفعال، وفق تقارير محلية.
البداية من حكم قضائي غيّر قواعد التعامل مع الوصول بحرا
ويأتي مشروع المرسوم الجديد بعد سلسلة من التطورات التي سبقت أزمة نهاية يوليوز، إذ في 8 يوليوز 2026، أصدرت المحكمة العليا الإسبانية حكما قضى بأن نظام “الرفض على الحدود”، الذي يتيح في حالات محددة إعادة الأشخاص بصورة فورية، لا يمكن تطبيقه تلقائيا على المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية.
وقضت المحكمة بأن الاستثناء المنصوص عليه في قانون الأجانب يرتبط أساسا بمحاولة تجاوز “عناصر الاحتواء الحدودية”، مثل الأسوار، وأن اعتراض شخص في البحر لا يسمح وحده بتطبيق الإعادة الفورية من دون المرور بالإجراءات الإدارية المقررة قانونا.
وبعد الحكم بأسابيع قليلة، بدأت محاولات الوصول إلى سبتة عبر البحر تتزايد، وقبيل 30 يوليوز كانت المدينة قد سجلت ارتفاعا ملموسا في أعداد الوافدين، مع حديث عن نحو 1500 شخص خلال أسبوع واحد، بينما وصلت قدرات استقبال القاصرين غير المصحوبين إلى مستويات مرتفعة للغاية.
وربطت السلطات المغربية والإسبانية لاحقا بين انتشار تأويلات للحكم على شبكات التواصل الاجتماعي وبين تزايد محاولات العبور، معتبرة أن رسائل انتشرت أعطت انطباعا بأن الوصول سباحة إلى سبتة يمنع الإعادة الفورية.
30 يوليوز.. أزمة غير مسبوقة على حدود سبتة
في 30 و31 يوليوز تغير حجم الأزمة بصورة جذرية، بعدما تدفقت أعداد كبيرة جدا من الأشخاص على سبتة عبر البحر والمنطقة الحدودية مع المغرب، في مشاهد أعادت إلى الذاكرة أزمة ماي 2021، لكن بأعداد أكبر هذه المرة.
ووصف مرسوم حكومي إسباني لاحق ما حدث بأنه ضغط “غير مسبوق” على قدرات مراقبة الحدود والتعرف على هويات الوافدين والاستقبال الإنساني وحماية القاصرين والأمن والخدمات العامة، في وقت تحدثت الحكومة الإسبانية عن أكثر من 70 ألف شخص عبروا الحدود خلال يومي الأزمة، عاد قسم كبير منهم إلى المغرب خلال الساعات والأيام الأولى.
وفي الأسابيع التالية، بقي آلاف المهاجرين في سبتة، بعضهم في مراكز استقبال مؤقتة وبعضهم في الشوارع والشواطئ والتجمعات العشوائية، بينما واجهت السلطات تحديا في إيواء الموجودين أولا، ثم تحديد هوياتهم وفرز أوضاعهم القانونية والتمييز بين من يمكنه طلب الحماية الدولية ومن يتعين فتح مسطرة إعادته.
إعلان وضع استثنائي وتوسيع مراكز الاستقبال
وفي 25 غشت، لجأت حكومة بيدرو سانشيز إلى تفعيل آلية استثنائية بإعلان “وضع ذي أهمية للأمن القومي” في سبتة، معتبرة أن استمرار وجود عدد كبير من الأشخاص في وضع غير نظامي تجاوز قدرات التدبير العادية للسلطات المحلية والمركزية.
وبعد ذلك بأيام، أطلقت مدريد خطة تدخل بلغت قيمتها 309 ملايين يورو، شملت تعزيز الأمن والخدمات الأساسية والاستقبال والمساعدات الاقتصادية، ورفعت عدد أماكن الإيواء المؤقت من نحو 500 أو 600 سرير كانت متاحة قبل الأزمة إلى آلاف الأماكن الجديدة.
وبحلول 22 شتنبر، أعلنت مدريد أن أكثر من ستة آلاف مهاجر بالغ أصبحوا داخل مرافق الاستقبال التابعة للدولة، بينما بلغ عدد القاصرين غير المصحوبين الذين جرى تسجيلهم 2321 شخصا.
وفي الفترة نفسها، أعلنت إسبانيا عن 6791 عودة طوعية إلى المغرب و318 عملية طرد، ثم كشف وزير السياسة الترابية الإسباني أن عدد العائدين إلى المغرب منذ بداية غشت ارتفع، بحلول 24 شتنبر، إلى 7533 شخصا، منهم 7099 غادروا بصورة طوعية و364 عبر إجراءات طرد.
لكن بقاء آلاف الأشخاص في سبتة واستمرار تراكم ملفات الحماية الدولية جعلا سرعة معالجة طلبات اللجوء إحدى العقد الأساسية أمام الحكومة الإسبانية، سيما في ظل المطالب المغربية المتكررة لتسريع إجراءات إعادة المهاجرين، سيما القاصرين منهم.
من زيادة الموظفين إلى تغيير القانون
وأمام المطالب المغربية، حاولت السلطات الإسبانية معالجة التأخير من خلال تعزيز الموارد البشرية، بعدما أرسلت وزارة الداخلية عشرات العناصر والموظفين الإضافيين، واعتمدت المقابلات عن بعد، كما عززت الحكومة القضاء والنيابة والمساعدة القانونية.
غير أن زيادة الموارد البشرية لم يكن كافيا لتخفيف الضغط وتسريع ملفات الترحيل وطلبات اللجوء، لتبدأ مدريد في النصف الثاني من شتنبر إعداد تعديل قانوني يسمح بتقصير الآجال الإدارية والقضائية.
وفي 22 شتنبر، كان العمل التقني على هذا المسار قد بدأ بالفعل، وأصبح مشروع المرسوم الآن على طاولة الحكومة في محاولة للانتقال من مرحلة تعزيز الإمكانات البشرية والمادية إلى محاولة تغيير القواعد الإجرائية نفسها.
ماذا تقترح المسودة الجديدة؟
بحسب النسخة الأولية التي تداولتها وسائل إعلام إسبانية، سيطبق النظام الاستثنائي على طلبات الحماية الدولية المقدمة في سبتة منذ 30 يوليوز، والتي لا تزال تنتظر البت فيها، ما يمنح جزءا من أحكامه أثرا على الملفات المفتوحة منذ بداية الأزمة.
ومن أبرز التغييرات المقترحة منح المديرية العامة للحماية الدولية صلاحية البت المباشر في بعض الطلبات، من دون المرور بالمسار المعتاد أمام اللجنة الوزارية المشتركة للجوء واللاجئين، بهدف اختصار زمن دراسة الملفات.
وتسمح المسودة باعتبار بعض الطلبات متروكا عنها بصورة ضمنية إذا غادر صاحب الطلب مركز الاستقبال أو لم يستجب لإجراء مطلوب خلال مهلة تتراوح بين 5 و10 أيام، فضلا عن قيود على طلبات اللجوء المقدمة بعد مرور سبعة أيام على صدور أمر بالإعادة.
وتطال التغييرات أيضا طريقة إبلاغ أصحاب الملفات بالقرارات، فإذا لم يكن لطالب اللجوء عنوان محدد، أو كان موجودا في مركز استقبال يعاني الاكتظاظ، تتيح المسودة اعتماد النشر في الجريدة الرسمية الإسبانية وسيلة للتبليغ، بدلا من التسليم الشخصي للقرار في حالات معينة.
5 أيام للطعن أمام القضاء
ومن أكثر مقتضيات المشروع إثارة للنقاش في إسبانيا تقليص مهلة تقديم بعض الطعون إلى خمسة أيام تقويمية من تاريخ التبليغ، وهو ما يتماشى مع المادة 67 من اللائحة الأوروبية 2024/1348 التي تسمح للدول الأعضاء بتحديد آجال تتراوح بين 5 و10 أيام للطعن في أنواع معينة من قرارات عدم القبول أو الرفض أو السحب الضمني، بينما تحدد مهلة تتراوح بين أسبوعين وشهر في حالات أخرى.
وتذهب المسودة أبعد من مجرد تقليص الآجال، وفق ما نقلته تقارير إسبانية، فهي تقترح السماح بحرمان بعض طالبي الحماية الدولية من حق البقاء في الأراضي الإسبانية أثناء سير المسطرة عندما تعتبرهم السلطات خطرا على النظام العام أو الأمن القومي.
ووفق النص المتداول، يمكن أن يدخل ضمن هذه الفئة أشخاص تصرفوا بعنف أو بطريقة تهديدية داخل مرافق الاستقبال، أو شاركوا خارجها في اضطرابات أو أعمال يمكن أن تخضع لعقوبات إدارية أو جنائية مرتبطة بالنظام العام.
ويكتسب هذا المقتضى أهمية خاصة بالنسبة إلى المواطنين المغاربة لأن المغرب أصبح منذ فبراير 2026 ضمن القائمة الأوروبية المشتركة لـ”بلدان المنشأ الآمنة”، إلى جانب دول أخرى، ما يسمح بمعالجة بعض طلبات مواطني هذه الدول عبر إجراءات أسرع.
مبدأ عدم الإعادة يثير الجدل
أما أكثر بنود المسودة حساسية من الناحية القانونية، حسب التقارير ذاتها، فيتعلق بمبدأ عدم الإعادة القسرية، أحد الأسس الرئيسية لقانون اللاجئين، إذ بحسب النص المتداول، تقترح الحكومة عدم السماح بالاستناد إلى هذا المبدأ في بعض الحالات، من بينها فقدان حق البقاء بسبب اعتبار الشخص خطرا على النظام العام أو الأمن القومي، أو وجود قرار نهائي سابق في ملفه ضمن حالات محددة.
وتؤكد المصادر عينها أن هذا المبدأ يتعارض مع اللائحة الأوروبية 2024/1348 التي تسمح للدول، بشروط معينة، باستثناء أشخاص من الحق في البقاء أثناء مراحل من المسطرة، لكنها تشدد في نصوص متعددة على أن ذلك يتم “دون الإخلال بمبدأ عدم الإعادة”، زيادة على أن الاستثناء المرتبط بالأمن أو النظام العام لا يجوز أن يؤدي إلى إعادة الشخص إلى بلد يخالف فيه ترحيله هذا المبدأ.
ولهذا يعتبر خبراء في قانون اللجوء تحدثوا إلى صحيفة “إل دياريو” الإسبانية، أن صياغة المسودة، إذا بقيت على حالها، يمكن أن تدخل في مواجهة مع القانون الأوروبي ومع الاجتهاد القضائي الأوروبي بشأن الحماية من الإعادة إلى مكان قد يتعرض فيه الشخص للاضطهاد أو التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية.
ولم يفتح المشروع مواجهة مع المنظمات الحقوقية والخبراء القانونيين فقط، بل بدأ يثير خلافا داخل المعسكر الحكومي نفسه، إذ أعلن حزب “سومار” يوم أمس السبت 26 شتنبر أنه لن يؤيد إجراءات تسمح بإعادة طالبي اللجوء إلى المغرب قبل صدور قرار نهائي بشأن ملفاتهم، في رد مباشر على المعلومات التي ظهرت بشأن المرسوم الذي تعده الحكومة.
ويكتسب هذا الموقف أهمية إضافية لأن إصدار مرسوم بقانون لا ينهي المسار التشريعي. فالدستور الإسباني يفرض عرض المراسيم بقوانين على مجلس النواب خلال ثلاثين يوما من إصدارها للتصويت على تثبيتها أو إلغائها، ما يجعل الدعم البرلماني مرحلة ثانية لا تقل أهمية عن موافقة مجلس الوزراء.











