تَحوّل رقم 5000 درهم خلال أسابيع قليلة، من مقترح انتخابي لحزب التجمع الوطني للأحرار، أبدى حزب الأصالة والمعاصرة استعداده لدعمه إلى “وعد انتخابي” يُنسب إليه ويُحاسب اليوم على أساسه.
رواية استقرت في جزء من التداول الإعلامي والسياسي رغم أن “البام” لم يتعهد في برنامجه الانتخابي في أي وقت من الأوقات برفع الحد الأدنى للأجر إلى هذا المبلغ، ولم يضعه ضمن الالتزامات العشرين التي تقدم بها إلى الناخبين في تشريعيات 2026.
ماذا قال لقجع فعلا؟
تفاصيل القصة بدأت في اللقاء التواصلي الذي نظمة حزب الأصالة والمعاصرة بمدينة الداخلة، عندما أعلن فوزي لقجع عضو المكتب السياسي، دعم الحزب لمقترح رفع الحد الأدنى للأجر (السميك) إلى 5000 درهم الذي سبق واقترحه حزب التجمع الوطني للأحرار وهو يقول: “سمعنا بلي كاين واحد الاقتراح ديال الرفع ديال السميك إلى 5000 درهم.. من الداخلة نقول متافقين جميعا، حنا باقي فالحكومة وأنا وزير الميزانية ووزير التشغيل السي يونس السكوري عندو الكاشي يدوزو نهار الخميس، حنا متافقين، أي حاجة لصالح المغاربة حنا معها”
الجملة نفسها تتضمن مفتاح قراءة الموقف، كون لقجع تحدث عن اقتراح انتخابي سبق طرحه، ثم أعلن الاتفاق عليه وطالب بتمريره في المجلس الحكومي قبل موعد الانتخابات، فيما لم يقل إن “البام يتعهد إذا قاد الحكومة يتعهد برفع السميك إلى 5000 درهم”.
اختبار البرنامج: أين توجد الـ5000 درهم؟
للتحقق من وجود وعد انتخابي من عدمه، لا تكفي العودة إلى خطابات الحملة أو إلى عناوين بعض الصحف التي تداولت الخبر على أساس أن “البام” و”التجمع” اتفقا على رفع السميك، لأن الوثيقة المرجعية هي البرنامج الذي قدمه الحزب للناخبين وتضمن خمس مواثيق و20 التزاما.
البرنامج الذي خصص له الأصالة والمعاصرة، كلفة إجمالية إضافية قدرها 350 مليار درهم على خمس سنوات، إلى جانب هدف إحداث مليون منصب شغل صاف على الأقل، حدد فيه الحزب نفسه الطبيعة التعاقدية لما ورد في هذه الوثيقة، إذ يصف البرنامج بأنه “التزام ثابت وقطعي” بما يعتبر أنه قادر على إنجازه.
وضمن “ميثاق القدرة الشرائية” الذي يفترض منطقيا أن يوجد فيه أي التزام متعلق بالحد الأدنى للأجور، حدد الحزب خمسة التزامات.
الأول يتعلق بإعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستويات يعتبرها الحزب معقولة عبر إصلاح مسالك التوزيع وإجراءات أخرى، والثاني ينص على مجانية فاتورة الكهرباء التي تقل عن 100 درهم شهريا.
والثالث يتعلق بإعادة بناء الضريبة على الأجر عبر ثلاثة أشطر، من بينها معدل 0 في المائة بالنسبة إلى الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم، والرابع يحدد 3000 درهم حدا أدنى للمعاشات ابتداء من السنة الثانية للولاية أما الخامس فيقترح الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم.
ولا يوجد بين هذه الالتزامات تعهد برفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، أما التمييز هنا مهم أيضا بين رقمين قد يؤدي تقاربهما في النقاش الاجتماعي إلى الخلط فالبرنامج يتحدث صراحة عن 3000 درهم حدا أدنى للمعاش، وعن 1000 درهم حدا أدنى للدعم الاجتماعي المباشر، وعن إعفاء ضريبي للأجور الخام دون 15 ألف درهم، لكنه لا يضع 5000 درهم حدا أدنى للأجر.
العودة خمس سنوات إلى الوراء
عملية التحقق لم تتوقف عند برنامج 2026، فبالعودة إلى البرنامج الانتخابي الرسمي الذي قدمه حزب الأصالة والمعاصرة لتشريعيات 8 شتنبر 2021، لا يظهر بدوره التزام بتحديد الحد الأدنى للأجور في 5000 درهم.
وهذا لا يعني أن برنامج 2021 تجاهل كليا مفهوم الحد الأدنى للأجر، والوثيقة تستعمل الـSMIG مرجعا في إجراءات أخرى ومن ذلك اقتراح إحداث “دخل أدنى للكرامة” لفائدة الأشخاص في سن التقاعد الذين لا يتوفرون على دخل، على ألا يقل عن 50 في المائة من الحد الأدنى للأجر كما استخدم البرنامج الـSMIG مرجعا في بعض المقترحات الضريبية. لكنه لا يحدد الـSMIG نفسه في 5000 درهم.
بنسعيد يحسم طبيعة الالتزام
قبل يومين من اقتراع 23 شتنبر عاد محمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى هذا الموضوع في برنامج “الطريق إلى الانتخابات 2026” ونفى أن يكون رفع “السميك” إلى 5000 درهم التزاما انتخابيا للحزب.
وقال بنسعيد إن “البام” لم يضع هذا الإجراء ضمن برنامجه، وربط موقفه أيضا بقدرة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة على تحمل كلفة الرفع، كما قدم تفسيرا لتصريح الداخلة، مفاده أن لقجع كان يرد على وعد صادر عن حزب آخر وأن جوهر رده كان “إذا كان ممكنا، فليُمرر قبل الانتخابات بدلا من تأجيله إلى الولاية المقبلة”.











