تسع عشرة امرأة وضعهن حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة رهانه الانتخابي، والنتيجة كانت تسعة عشر مقعدا في مجلس النواب ضمن حصيلة كاملة خرج بها “البام” من اقتراع 23 شتنبر، بعدما فازت وكيلات لوائحه الجهوية في جهات المملكة الاثنتي عشرة بالتوازي مع نجاح سبع مرشحات دفع بهن الحزب إلى قيادة لوائحه في دوائر محلية، لتنتقل خريطة ترشيحات رسمت قبل الانتخابات إلى حضور نسائي يمتد من المحلي إلى الجهوي داخل البرلمان الجديد.
ويكشف الرقم أكثر من مجرد ارتفاع عدد نائبات الحزب، فالمقاعد التسعة عشر جاءت من مسارين انتخابيين مختلفين، اثنتا عشرة امرأة قُدن اللوائح الجهوية للحزب من طنجة إلى الداخلة، وسبع خضن المنافسة في دوائر محلية بمراكش والدار البيضاء وبرشيد والخميسات والعرائش وورزازات وتارودانت وفي الحالتين كانت الحصيلة واحدة هي أن كل امرأة وضعها “البام” على رأس هذه اللوائح عبرت إلى مجلس النواب.
كما تمنح نتيجة 19 من 19 معنى مختلفا لاختيارات الحزب قبل الاقتراع، ففي الجهوي غطى “البام” جهات المملكة الاثنتي عشرة بوكيلات نساء، وفي المحلي نقل الرهان إلى دوائر لا تقوم فيها التمثيلية على الآلية الجهوية بل على مواجهة انتخابية مباشرة، بينها أسماء انتقلت أصلا من اللوائح الجهوية في 2021 إلى الدوائر المحلية في 2026 ونجحت في الاحتفاظ بموقعها البرلماني من بوابة الصندوق المحلي.
في الدوائر الجهوية، لا تبدأ قصة نساء الأصالة والمعاصرة من اختيار الحزب الدفع بمرشحات نساء، فذلك قاعدة قانونية تسري على الجميع، سيما وأن الدوائر الجهوية الاثنتا عشرة التي توزع 90 مقعدا من أصل 395 بمجلس النواب، تخصص أساسا لتاء التأنيث بعدما كان القانون يسمح سابقا بترشح الرجال فيها أيضا.
المنافسة تبعا لذلك، كانت نسائية بالكامل وشديدة الاتساع، 1783 مترشحة موزعات على 235 لائحة جهوية، بمعدل يقارب 20 ترشيحا عن كل مقعد وحزب الأصالة والمعاصرة دخل هذا السباق بـ12 لائحة و90 مترشحة، أي لائحة في كل جهة من جهات المملكة.
وداخل هذا الإطار القانوني توجد قصة الحزب، فالمقعد الجهوي خصص للنساء لكن الموقع الأول داخل اللائحة ليس مخصصا لاسم بعينه وهنا تدخل حسابات الأحزاب من تتصدر؟ بأي رصيد سياسي؟ ومن تحصل على الموقع الذي يمنحها أفضلية فعلية في ترتيب المرشحات إذا حصلت اللائحة على مقعد؟
في “البام”، انتهت هذه العملية إلى سلمى أبلحساين بطنجة-تطوان-الحسيمة، وهدى المغاري المبرض بالشرق، وخديجة حجوبي بفاس-مكناس، وليلى بيلغة بالرباط-سلا-القنيطرة، وسارة أمحزون ببني ملال-خنيفرة، ومليكة مزور بالدار البيضاء-سطات، ونادية الإدريسي سليطين بمراكش-آسفي، ونجاة ويحيى بدرعة-تافيلالت، وسناء زاهيد بسوس-ماسة، ومنال عريطي بكلميم-واد نون، وعزيزة باداد بالعيون-الساقية الحمراء، وزينب الكوري بالداخلة-وادي الذهب.
الأسماء الاثنا عشر لم تخرج من توزيع مباشر للتزكيات، ففي 22 يونيو، فتح حزب الأصالة والمعاصرة باب الترشح إلكترونيا أمام الراغبات في المنافسة على اللوائح الجهوية، وحدد أسبوعا لإيداع الطلبات، قبل أن تنتقل العملية إلى مرحلة دراسة الملفات واستدعاء المترشحات لإجراء مقابلات فردية ووفق المسطرة التي أعلنها الحزب، كان على كل مترشحة أن تعرض أمام لجنة الانتقاء مشروعها وتصورها للعمل النيابي، وأن تدافع عن ترشيحها وبرنامجها الترافعي.
وعندما كشف الحزب نهاية غشت عن أسماء وكيلاته في الجهات الاثنتي عشرة، أكد أن عملية المفاضلة استندت إلى جملة من المعايير، في مقدمتها الكفاءة والتجربة السياسية والتنظيمية والحضور الميداني والقدرة على الترافع والتواصل وهي مسطرة تحدثت عنها أيضا عدد من المرشحات في تصريحات متفرقة لـ”AM+ MEDIA”.
زينب الكوري، وكيلة اللائحة الجهوية للحزب بجهة الداخلة-وادي الذهب، كانت واحدة ممن خضعن لهذه المسطرة وتقول إنها دخلت المقابلة أمام اللجنة بملف ترشيح ومشروع ترافعي كان عليها تقديمه ومناقشته والدفاع عنه، قبل إقناع أعضاء اللجنة بأحقيتها في نيل التزكية.
وبالنسبة للكوري، لم تكن طريقة اختيار وكيلات اللوائح منفصلة عن السبب الذي دفعها أصلا إلى الالتحاق بحزب الأصالة والمعاصرة فقد أكدت لـAM+MEDIA أن ما تعتبره “الديمقراطية الداخلية” داخل الحزب كان من بين الدوافع الأساسية لانضمامها إليه، مضيفة أنها لمست ذلك عمليا خلال مسار الترشيح نفسه، ولا سيما في المقابلة الفردية التي أجرتها أمام اللجنة المختصة.
وأوضحت أن اللجنة لم تتعامل مع المقابلة باعتبارها إجراء شكليا يسبق منح التزكية، بل ناقشت معها مشروعها وتصورها للعمل البرلماني ومحاور الترافع التي تقترح حملها عن جهة الداخلة-وادي الذهب، وطرحت عليها أسئلة مرتبطة بقدرتها على تمثيل الجهة والدفاع عن قضاياها.
وبحسب الكوري، كان عليها أن تدافع عن مشروعها وعن أهليتها السياسية والترافعية قبل الحصول على التزكية، معتبرة أن تجربتها الشخصية في هذه المسطرة عززت لديها القناعة بأن الوصول إلى رأس اللائحة مر عبر التنافس وتقييم الملفات والمقابلة، وليس عبر منح التزكية بشكل مباشر.
والصندوق أعطى لهذه الاختيارات نتيجتها الثانية، الوكيلات الاثنتا عشرة فزن جميعهن، وفق الحصيلة التي أكدها الحزب عقب اقتراع 23 شتنبر لكن أهمية هذه النتيجة لا توجد في رقم 12 وحده ففي نظام الاقتراع باللائحة، حيث لا وجود للتصويت التفاضلي ولا لإعادة ترتيب الأسماء من طرف الناخب، يصبح ترتيب المترشحات قرارا سياسيا حاسما والناخب يصوت للائحة، ثم تؤول المقاعد التي تحصل عليها إلى الأسماء بحسب ترتيبها فيها ووضع اسم في الصدارة يعني عمليا، أن الحزب يمنحه الموقع الأول للاستفادة من أي مقعد تنتزعه اللائحة.
لذلك فإن نتيجة “12 من 12” تقول شيئا محددا، هو أن كل الأسماء التي منحها الحزب الموقع الأول في لوائحه الجهوية نجحت اللوائح التي قدنها في تأمين مقعد لهن داخل مجلس النواب.
لكن اختبار سياسة الحزب تجاه مرشحاته لا يوجد في الجهوي وحده، فهذه الدوائر أنشأها المشرع أصلا لمعالجة ضعف تمثيلية النساء، والتعديل الذي دخل حيز التطبيق في 2026 ذهب أبعد بحصر ترشيحاتها في النساء وفي المقابل، أبقى القانون باب الدوائر المحلية مفتوحا أمامهن على قدم المساواة مع الرجال.
بل إن التقديم الرسمي للمقتضيات الجديدة يضع للآلية الجهوية وظيفة تتجاوز ضمان المقاعد التسعين، تأهيل النساء وإكسابهن تجربة يمكن أن تسمح لهن لاحقا بخوض المنافسة في الدوائر المحلية وهنا تحديدا تصبح تجربة “البام” في اقتراع 2026 أكثر إثارة للاهتمام من حصيلة وكيلاته الاثنتي عشرة.
ففي الوقت الذي كانت فيه سلمى أبلحساين وليلى بيلغة وزينب الكوري وباقي الوكيلات يخضن المنافسة الجهوية، كانت ثلاث نساء سبق أن دخلن البرلمان من الباب نفسه في 2021 تغادرنه نحو الدوائر المحلية.
نجوى ككوس انتقلت إلى الدار البيضاء-أنفا، وإيمان لموي إلى ورزازات، وحنان الماسي إلى تارودانت والثلاث حملن معهن إلى المحلي ولاية برلمانية كاملة، وخضن هذه المرة منافسة لم يعد المقعد فيها محصصا للنساء. والنتيجة أنهن فزن مجددا، وهذا الانتقال هو المعطى الأثقل سياسيا في التجربة كلها.
فاللائحة الجهوية تؤدي وظيفتها حين ترفع عدد النساء داخل البرلمان، لكنها تؤدي وظيفة أبعد حين لا تبقى النائبة رهينة لها في كل استحقاق وفي حالات ككوس ولموي والماسي، يمكن تتبع مسار انتخابي مكتمل بين اقتراعين دخول إلى مجلس النواب من الجهوي في 2021، خمس سنوات من العمل السياسي والبرلماني، ثم انتقال إلى دائرة محلية والفوز منها في 2026، وهنا يصبح من الممكن الحديث عن ترق انتخابي، لا مجرد استمرار في الاستفادة من آلية التمثيلية.
والفارق ليس تفصيلا، ففي الدائرة الجهوية تتنافس المرأة داخل مجال خصص القانون مقاعده للنساء حصرا، أما في المحلي، فهي تدخل السوق الانتخابية نفسها التي يدخلها الرجال، وتحتاج إلى لائحة قادرة على انتزاع المقعد من منافسين حزبيين، وإلى حضور داخل دائرة أصغر وأكثر التصاقا بالعلاقات المحلية وبوزن المرشح وشبكات المنتخبين.
ولم تقتصر تجربة “البام” المحلية على البرلمانيات الثلاث، فقد قادت فاطمة الزهراء المنصوري لائحة الحزب في مراكش، ومنال باديل في برشيد، وسكينة الوردي في الخميسات، وحنان سيمو في العرائش. الأربع فزن أيضا.
وعند هذه النقطة فقط يأخذ رقم 19 معناه الحقيقي، ليس الأمر 12 امرأة في الجهوي وسبعا في المحلي جمعت بينهن الصدفة الحسابية، فهناك مستويان مختلفان تماما من المنافسة، اثنتا عشرة وكيلة خضن سباقا داخل دوائر خصص القانون مقاعدها للنساء، وسبع وكيلات واجهن امتحان الدوائر المحلية المفتوحة وبين المجموعتين ثلاث نائبات يقدمن بالفعل جسرا بين النموذجين.
ومن جانبها، قالت نجوى ككوس في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، إن حضور النساء في واجهة حزب الأصالة والمعاصرة ليس وليد الانتخابات الأخيرة، ولا نتيجة قرار ظرفي ارتبط بتدبير لوائح اقتراع 23 شتنبر، معتبرة أن الإيمان بالقيادات النسائية يوجد بتعبيرها، في “جينات الحزب”، وتكرس تدريجيا داخل بنيته التنظيمية ومواقع صنع القرار فيه.
واستحضرت ككوس في هذا الصدد، الحضور النسائي في المستويات القيادية للحزب، من التنسيق الوطني إلى رئاسة المجلس الوطني، مرورا بعدد من المسؤوليات السياسية والتنظيمية التي تتولاها نساء داخل “البام”، معتبرة أن هذه التركيبة تقدم في حد ذاتها، مؤشرا على المكانة التي منحها الحزب للنساء داخل مؤسساته، قبل أن تنتقل هذه الثقة إلى الاختيارات الانتخابية.
وبالنسبة لككوس، فإن الدفع بالنساء إلى مواقع متقدمة في الاستحقاقات الانتخابية لم يكن مجرد استجابة لمطلب رفع التمثيلية النسائية، وإنما تعبيرا عن قناعة بأن الكفاءة السياسية لا ترتبط بجنس المرشح، وأن النساء قادرات على خوض المنافسة الانتخابية وتحمل كلفتها وانتزاع ثقة الناخبين.
وترى أن نتائج الاقتراع جاءت من وجهة نظرها، لتمنح هذا الخيار مضمونا انتخابيا ملموسا، بعدما تحولت الثقة التي وضعتها قيادة الحزب في عدد من مرشحاته إلى مقاعد داخل مجلس النواب.
وهنأت ككوس في هذا السياق، النساء الفائزات والحزب وقيادته، معتبرة أن ما تحقق لا ينبغي قراءته باعتباره نجاحا فرديا للمرشحات فقط، بل نتيجة لمسار أوسع أتاح للنساء الوصول إلى مواقع المسؤولية داخل الحزب ثم منحهن فرصة اختبار حضورهن أمام الناخبين مباشرة.
وشددت على أن الرهان الحقيقي يبدأ بعد الفوز لأن الوصول إلى البرلمان بحسب تصورها، يضع النائبات أمام مسؤولية إثبات أن حضور النساء في مواقع القرار لا ينبغي أن يبقى مرتبطا بمنطق التمثيلية العددية، وإنما بما يستطعن تقديمه داخل المؤسسة التشريعية من عمل وترافع ومبادرات سياسية.
أما قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، فاعتبرت أن النتائج التي حققتها نساء الحزب تشكل مصدر فخر للمنظمة، لكنها في الوقت نفسه تتويج لمسار سياسي وتنظيمي لم يبدأ مع الحملة الانتخابية الأخيرة.
وأكدت أن المنظمة اشتغلت على تعزيز حضور النساء والدفع بالكفاءات النسائية إلى الواجهة، في سياق قالت إنه وجد دعما من قيادة الحزب ومكتبه السياسي ومختلف هياكله.
وشددت فيطح على أن أهمية ما تحقق تكمن بالنسبة إليها، في أن النساء لم يحضرن باعتبارهن مجرد مكمّل للعرض الانتخابي للحزب، وإنما دخلن المنافسة بصفتهن فاعلات سياسيات قادرات على تحمل المسؤولية وخوض الاستحقاق والدفاع عن مواقعهن، معتبرة أن الثقة في الكفاءات النسائية تصبح أكثر دلالة عندما تقترن بمنح النساء مسؤوليات سياسية وانتخابية فعلية.
وأضافت أن منظمة نساء “البام” تنظر إلى النتائج باعتبارها مسؤولية بقدر ما هي مكسب، لأن الرهان وفق تصورها، لا ينتهي بوصول النساء إلى مجلس النواب، فالمرحلة المقبلة بالنسبة إليها ترتبط بنوعية الحضور الذي ستسجله البرلمانيات داخل المؤسسة التشريعية، وقدرتهن على الترافع والمبادرة والانخراط في النقاش العمومي والدفاع عن الملفات التي حملنها إلى الناخبين.
وترى فيطح أن تقدم النساء داخل الحزب لا يمكن اختزاله في عدد المقاعد المحققة، بل ينبغي قياسه كذلك بموقعهن داخل صناعة القرار الحزبي والسياسي، وبقدرتهن على الانتقال من الحضور داخل اللوائح الانتخابية إلى التأثير الفعلي داخل المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، تعتبر أن النتائج الحالية تمنح نساء الحزب فرصة جديدة لإثبات أن الثقة التي وضعت فيهن يمكن أن تتحول إلى ممارسة سياسية وبرلمانية قادرة على تثبيت حضور النساء في مواقع المسؤولية.











