اتفقت فرق الأغلبية بمجلس المستشارين على دعم البرنامج الحكومي الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري مع توجيه رسائل سياسية واضحة بشأن أولويات المرحلة المقبلة، في مقدمتها تصحيح اختلالات السياسات السابقة ومحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وحماية القدرة الشرائية وتسريع إصلاح التقاعد وإحداث فرص شغل للشباب، بما يجعل الأثر المباشر للإصلاحات على حياة المواطنين معيارا أساسيا لتقييم العمل الحكومي.
وبرز خلال المناقشة البرلمانية الأربعاء، تقارب بين مكونات الأغلبية بشأن ضرورة الانتقال من إعلان الالتزامات إلى تنفيذها، وربط الأهداف الاقتصادية والاجتماعية بجداول زمنية ومؤشرات دقيقة لقياس النتائج، في وقت تستعد فيه الحكومة للشروع في تنزيل برنامجها للفترة 2026-2031
الهمس: لا ينبغي اختزال الحكومة في التجربة السابقة
وفي مداخلة حملت دفاعا عن الاختيارات السياسية للأغلبية الجديدة، أكد كريم الهمس، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس المستشارين، أن البرنامج الحكومي يقوم على مرتكزات سياسية ومؤسساتية مغايرة، أبرزها تشكيل تحالف يجمع بين الانسجام الفكري والسياسي والكفاءات ذات التجربة والوجوه الشابة، والشروع في ترجمة الالتزامات الانتخابية ضمن التوجهات الأولية لمشروع قانون المالية لسنة 2027.
وشدد الهمس على أن تقييم حكومة المنصوري ينبغي أن يستند إلى مسؤولياتها وبرنامجها واختياراتها، لا إلى اختزالها في التجربة الحكومية السابقة، مؤكدا أن استمرارية الدولة والمؤسسات تقتضي الحفاظ على المكتسبات والأوراش الكبرى، بالتوازي مع معالجة الاختلالات وإيجاد حلول جديدة للقضايا التي لم تنجح الحكومات السابقة في معالجتها.
واعتبر أن المشاورات التي قادتها المنصوري أفضت إلى تشكيل أغلبية تتجاوز منطق التحالفات العددية نحو التقارب في الرؤى والمرجعيات السياسية، بما يوفر، وفق تقديره، شروط الانسجام الضرورية لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية واستعادة الثقة في العمل السياسي.
ووضع رئيس فريق الأصالة والمعاصرة القدرة الشرائية والتشغيل والتعليم والصحة والسكن في صدارة المجالات التي يتعين توجيه موارد الدولة إليها، داعيا إلى ضبط الأسعار، وتحسين دخل الأسر الهشة، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتخفيض الضريبة على الأجور، والرفع التدريجي للدعم الاجتماعي والحد الأدنى للمعاشات.
كما أبرز أهمية الالتزام الحكومي بإعفاء الأسر المستحقة من فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم شهريا، معتبرا أن نجاح السياسات الاجتماعية يرتبط بقدرتها على التخفيف الفعلي من الأعباء اليومية للمواطنين.
وفي ملف الشباب، دعا الهمس إلى اعتماد استراتيجية وطنية مندمجة تجمع بين التعليم والتكوين والتشغيل والمشاركة السياسية والمؤسساتية، مع استثمار الفرص المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030 والتحول الرقمي، والحد من هجرة الكفاءات الشابة.
الاستقلاليون: حان وقت القطع مع “مغرب بسرعتين”
ومن جانبه اختار عبد السلام اللبار، رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، التركيز على العدالة الاجتماعية والمجالية، معتبرا أن التحدي الذي يواجه المغرب لا يقتصر على تحقيق النمو الاقتصادي وإنجاز المشاريع الكبرى، بل يشمل ضمان استفادة مختلف الفئات والمناطق من ثمار التنمية.
ودعا اللبار إلى القطع مع واقع “مغرب بسرعتين” من خلال التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري وتسريع تنزيل الجهوية المتقدمة، وإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية يستجيب لخصوصيات المجالات ويقلص الفوارق القائمة بينها.
واعتبر أن السنوات الخمس المقبلة تمثل مرحلة حاسمة لإعادة ترتيب الأولويات، من خلال توجيه الموارد العمومية نحو التشغيل المستدام وتعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات الأساسية، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح.
ولم يغفل رئيس الفريق الاستقلالي البعد السياسي المرتبط بالثقة في المؤسسات، إذ توقف عند نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي أورد أنها بلغت 38 في المائة، معتبرا أنها تضع الفاعلين السياسيين أمام مسؤولية إعادة بناء جسور الثقة مع المواطنين.
وأكد أن البرنامج الحكومي يستند إلى التوجيهات الملكية والبرامج الانتخابية لأحزاب الأغلبية، فضلا عن خلاصات تقارير مؤسسات الحكامة، معلنا تفاعل الفريق الاستقلالي الإيجابي مع مضامينه واستعداده للمساهمة في تنزيل التزاماته.
الاشتراكيون: لا إصلاح للتقاعد على حساب الحقوق المكتسبة
أما يوسف إيدي رئيس الفريق الاشتراكي، فركز على ضرورة إخضاع الالتزامات الحكومية لمعايير دقيقة في التنفيذ والتقييم، معتبرا أن دعم البرنامج الحكومي يقتضي تحديد آجال الإنجاز والمسؤوليات ومؤشرات قياس الأثر.
وفي واحدة من أبرز رسائل مداخلته، شدد إيدي على أن إصلاح أنظمة التقاعد لا يحتمل التأجيل، لكنه لا ينبغي أن يختزل في مراجعة سن التقاعد أو نسب الاشتراك أو طريقة احتساب المعاشات.
ودعا إلى إصلاح شامل يضمن استدامة التمويل ويحفظ الحقوق المكتسبة، ويوسع الحماية لتشمل الأشخاص الذين لا يتوفرون على معاشات، مع اعتماد مقاربة تشاركية تجمع الحكومة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين وممثلي المتقاعدين والخبراء.
وثمن رئيس الفريق الاشتراكي تعهد الحكومة بالرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم شهريا، وتمكين الأرملة من الاستفادة من 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بعدما كان محددا في 50 في المائة، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق.
كما نوه بالتوجه نحو الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم بنهاية الولاية، والدعم التلقائي لفواتير الكهرباء للأسر المستحقة، دون إلزامها بإجراءات إدارية إضافية.
2.9 مليون شاب خارج التعليم والتكوين والشغل
وفي ملف التشغيل، استحضر إيدي معطيات تضمنها البرنامج الحكومي تشير إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، وإلى بلوغ معدل البطالة 29.2 في المائة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، فضلا عن مغادرة نحو 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا دون تأهيل.
واعتبر أن هذه المؤشرات تبرز حجم التحدي الذي ينتظر الحكومة في مجال الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للشباب.
وفي المقابل، ثمن البرنامج الوطني للمواكبة الاجتماعية الترابية المرتقب إطلاقه ابتداء من سنة 2027، والذي يستهدف تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف آخرين من أول تجربة مهنية كل سنة، مع رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين تدريجيا إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد.
ودعا إلى ضمان استفادة الشباب في العالم القروي والمناطق النائية والفتيات وحاملي الشهادات والمنقطعين عن الدراسة من هذه البرامج، بما يحقق توزيعا أكثر إنصافا لفرص التكوين والتشغيل.
النمو الاقتصادي في خدمة العدالة الاجتماعية
وعلى المستوى الاقتصادي، أبرزت مداخلات الأغلبية أهمية الأهداف التي تضمنها البرنامج الحكومي، ولا سيما تحقيق متوسط نمو سنوي في حدود 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، والتحكم في التضخم عند 2 في المائة، وضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
وشدد الفريق الاشتراكي على ضرورة تحقيق هذه التوازنات دون المساس بجودة الخدمات العمومية أو تحميل الفئات الهشة كلفة الإصلاحات، معتبرا أن استدامة الدولة الاجتماعية تتطلب اقتصادا منتجا ومقاولات قادرة على الابتكار والتصدير واستثمارات مولدة للشغل.
وفي الاتجاه نفسه، أكد الفريق الاستقلالي أهمية الانتقال من المؤشرات الاقتصادية العامة إلى سياسات تنعكس نتائجها على الدخل والتشغيل والخدمات الأساسية، فيما دعا فريق الأصالة والمعاصرة إلى بناء اقتصاد قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية والسيادية للمملكة.
محاربة الفساد والريع في صلب التزامات الأغلبية
وشكل تخليق الحياة العامة أحد محاور التقاطع بين مداخلات فرق الأغلبية، التي شددت على أهمية محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، باعتبارها من الشروط الأساسية لتعزيز الثقة في المؤسسات وتحسين مناخ الاستثمار وضمان تكافؤ الفرص.
وأكد فريق الأصالة والمعاصرة أن تخليق الحياة العامة ومحاربة الريع يندرجان ضمن المرتكزات الأساسية للبرنامج الحكومي، فيما اعتبر الفريق الاستقلالي أن المرحلة المقبلة تستدعي تسريع الإصلاحات المرتبطة بالحكامة وتوجيه موارد الدولة نحو الأولويات الاجتماعية.
ومن جانبه، ربط الفريق الاشتراكي محاربة الفساد وتضارب المصالح بجاذبية الاقتصاد الوطني والثقة في المؤسسات، داعيا إلى ترجمة الالتزامات الحكومية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتقييم.











