خصصت الحكومة، في إطار تعهداتها بتخليق الحياة العامة وتوطيد الثقة في المؤسسات، محورا من برنامجها المفصل لمحاربة الفساد والقطع مع الريع، يجمع بين تعزيز المنظومة القانونية للنزاهة، وتنظيم الأسواق، وضبط تدبير الصفقات العمومية، وتبسيط الإدارة ورقمنتها، من أجل معالجة أسباب الفساد وتضارب المصالح، وحماية المال العام، وتحسين شروط المنافسة والاستثمار، وتقريب الخدمات العمومية من المواطن.
وتعتزم الحكومة إصدار قوانين لتنازع المصالح وحماية الموظفين المبلغين عن الفساد والتصريح بالممتلكات، وإلزام أصحاب الطلبيات العمومية بتخصيص 30 في المئة من قيمة صفقاتهم للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، ضمن إجراءات يفصلها المحور الثاني من البرنامج الحكومي، وتشمل تنظيم الأسواق وتبسيط الإدارة وتوسيع الخدمات الرقمية.
ويضع هذا المحور، المتعلق بمحاربة الفساد والقطع مع الريع وتخليق الحياة العامة من أجل سياسات عمومية ناجعة، هذه الأوراش في صدارة الأولويات الحكومية، استنادا إلى مرجعيات البرنامج والقناعة السياسية للحكومة، ووفاء لتعهداتها أمام المواطنات والمواطنين، بهدف توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات وتماسك المجتمع المغربي.
والتزمت الحكومة، وفق البرنامج الحكومي المفصل المرتقب أن يصوت عليه مجلس النواب يوم الخميس المقبل، بتفعيل مرتكزات عملية والتعامل الإيجابي والناجع مع المؤسسات الوطنية المستقلة للحكامة والضبط والتقنين.
وأشار البرنامج إلى أن مظاهر الريع وتضارب المصالح تغذي الشعور بانعدام الثقة، وتستنزف جزءا غير يسير من النفقات العمومية، وتعرقل المنافسة والاستثمار المنتج وتسيء إلى مناخ الأعمال، محددا غايته في معالجة أسباب هذه الظواهر لا تجلياتها.
ترسانة قوانين لإنهاء “زمن تضارب المصالح”
وفي المرتكز الأول، الخاص بالمحاربة الفعلية للفساد وتضارب المصالح، التزمت الحكومة بإصدار النصوص المؤسسة للمنظومة الوطنية للنزاهة، وتشمل قانون تنازع المصالح طبقا للفصل 36 من الدستور، وقانون تجريم إفشاء المعلومات بهدف الحصول على امتيازات أو منافع، وقانون حماية الموظفين المبلغين عن أفعال الفساد، وقانون التصريح الإجباري بالممتلكات، الموحد والشامل لجميع فئات الملزمين بذلك، طبقا للفصلين 147 و158 من الدستور.
ويرتكز قانون تنازع المصالح على منظومة مندمجة لتعزيز النزاهة والاستقلالية والحياد وصون المال العام، عبر تعريف قانوني واضح لتنازع المصالح، وتحديد نطاق الخاضعين له وحالات المنع والتنافي، خاصة الجمع بين الوظيفة العمومية والأنشطة الخاصة، والحد من مخاطر توظيف الأقارب.
ويتضمن القانون تدابير احترازية لما بعد انتهاء المهام، لتنظيم الانتقال بين القطاعين العام والخاص، ومنع استغلال المعلومات أو العلاقات المكتسبة أثناء ممارسة الوظيفة. كما يسند التدبير الشمولي لوضعيات تضارب المصالح إلى الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
مراجعة الفصل 245 من القانون الجنائي
وتعتزم الحكومة مراجعة الفصل 245 من القانون الجنائي ليشمل، وفق البرنامج الحكومي، “الأشكال المتعددة والمتجددة للمصالح غير المشروعة التي تفلت اليوم من التجريم”.
ونص المحور كذلك على نشر التصريحات بالمصالح والوضعيات التي تمت معالجتها عبر منصة إلكترونية، لإتاحة الرقابة المجتمعية لهيئات المجتمع المدني والإعلام والرأي العام.
وعلى مستوى الحكامة، نص البرنامج على عقد اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد اجتماعا نظاميا مرتين في السنة، مع نشر جدول الأعمال ومحضر القرارات، وإعادة تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد بمقاربة شمولية تشمل التربية والتحسيس والوقاية والردع والزجر، وتقرن بآليات للبرمجة وتحديد الأولويات لضمان آثار ملموسة، ولو على المدى القصير.
وشمل أيضا إدراج برنامج خاص بمحاربة الفساد ضمن ميزانية كل قطاع وزاري معني، وتحديد آجال التنفيذ والمسؤولين عن كل مشروع، وتعزيز صلاحيات هيئات المراقبة وقدرتها على التدخل التلقائي، ونشر العقوبات الصادرة بشكل منهجي.
محاربة الوساطة والانتهازية
انتقل المرتكز الثاني في المحور الثاني من البرنامج الحكومي إلى تنظيم الأسواق ومحاربة الوساطة الانتهازية، عبر معالجة أسعار المواد الغذائية ومسالك تسويقها وتموين الأسواق.
وأورد البرنامج أن وسطاء لا يضيفون قيمة يقتطعون حصة من القيمة الإنتاجية، قد تبلغ في بعض السلاسل الفلاحية ما بين 60 و80 في المئة من الثمن الذي يؤديه المستهلك.
ولمواجهة ذلك، تعتزم الحكومة إطلاق آلية مخصصة لمحاربة الوساطة الانتهازية، بتعاون مع مجلس المنافسة، وتزويدها بإمكانيات ومهام ووسائل عمل مناسبة، مع نشر العقوبات التي تصدرها.
ويقترن هذا الإجراء بالتعزيز المستمر لقدرات مجلس المنافسة، وتكثيف زجر الممارسات الانتهازية المنسقة وحالات إساءة استغلال وضعيات الهيمنة، وإرساء آليات لفحص الصفقات العمومية ومحاربة التواطؤ في طلبات العروض.
ونص البرنامج على وضع إطار تنظيمي دقيق وملزم يحدد حقوق الوسطاء وواجباتهم في سلاسل التسويق، وتنظيم تجارة المساحات الكبرى والمتوسطة لضمان قواعد منافسة مقبولة والحد من التجاوزات المرتبطة بوضعيات الهيمنة.
وبموازاة ذلك، تتجه الحكومة إلى نهج تنظيم قطاعي متجدد يقوم على الفصل الفعلي بين الجهات المنظمة والفاعلين المهنيين، في قطاعات الاتصال والنقل وغيرها.
وفي الاتصال، تشمل الإجراءات تشجيع تنافسية السوق وتقاسم البنيات التحتية لخفض كلفة نشر الصبيب العالي جدا، وتحسين شفافية توزيع الترددات، وإجراء تقييمات منتظمة للقوة السوقية المؤثرة.
أما في النقل، فينص البرنامج على تحيين قواعد التفاوض بشأن الاتفاقيات الدولية للنقل العابر للحدود، واعتماد قواعد شفافة للنقل التشاركي، و”إلغاء حقوق الاحتكار ومراقبة الأسعار في النقل بالحافلات”.
وفي الخدمات المهنية، تعتزم الحكومة زجر الممارسات المنافية للمنافسة وإحداث مسالك إضافية لولوج المهن المنظمة زيادة على تعزيز الحياد التنافسي للمؤسسات والمقاولات العمومية، وتحويل بعضها إلى شركات مساهمة، وترشيد حضورها في الأسواق التنافسية.
إلزامية 30% من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة
ويخصص المرتكز الثالث للطلبية العمومية في خدمة الاقتصاد الوطني، باعتبارها، وفق البرنامج، رافعة للسياسة الصناعية والإدماج الاقتصادي لا تستغل بالقدر الكافي.
وتعتزم الحكومة جعلها أداة فعلية لتنمية النسيج الإنتاجي، بإلزام أصحاب الطلبيات العمومية، قانونيا، بتخصيص 30 في المئة من قيمة صفقاتهم للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية.
ويقترن هذا الالتزام بعقوبات مالية وقانونية عند الإخلال به، وإدراج الحصة ضمن الوثائق المثبتة لكشوفات الصفقات العمومية.
وفي المقابل، تلزم المقاولات المستفيدة بالتصريح برقم معاملاتها ووضعياتها الضريبية والاجتماعية، لتكون الآلية أيضا أداة للإدماج في الاقتصاد المهيكل، مع تخصيص حصة فرعية بنسبة 2 في المئة للشركات الناشئة.
ويقر البرنامج تدابير تفضيلية للمنتجات الحاملة لعلامة “صنع في المغرب” في نقطة تقييم العروض، في إطار شروط الأفضلية المحلية المعترف بها كأدوات مشروعة للتكييف.
ونص المصدر ذاته على التطبيق الصارم لقانون آجال الأداء في القطاعين العام والخاص، والنشر المنهجي والمسبق لمعايير إسناد الصفقات العمومية والعقار العمومي الموجه للاستثمار، إلى جانب نشر نتائج الإسناد.
وفي المرتكز الرابع، المتعلق بإدارة مبسطة وقريبة من المواطن، تلتزم الحكومة بوضع آجال قصوى ملزمة للبت في طلبات التراخيص، وتطبيق قاعدة اعتبار سكوت الإدارة بعد انصرام الأجل بمثابة موافقة، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
وشملت الإجراءات المضمنة في البرنامج الحكومي تعميم الشباك الوحيد الرقمي للاستثمار، وتقوية المراكز الجهوية للاستثمار باعتبارها شباكا موحدا يوفر مواكبة منسقة على امتداد دورة حياة الاستثمار، ومواصلة تبسيط ورقمنة المساطر الجبائية والاجتماعية، خاصة بالنسبة للمقاولات المتوسطة، لتقليص كلفة الامتثال، مع تقوية أنظمة المراقبة البعدية بالتوازي.
وفي تبادل المعطيات بين المؤسسات العمومية، تعتزم الحكومة وضع إطار قانوني ملائم ومنصة مركزية للمعطيات، وتوحيد الصيغ والجودة، وتحديث تقنيات قابلية التشغيل البيني، مع الاتزام باستكمال المشاريع المتأخرة من خارطة طريق تحسين مناخ الأعمال، خصوصا إرساء إطار مشترك للعمل بين الإدارات في خدمة المرتفقين، وتقوية منظومة التكوين المستمر.
إصلاحات بالوظيفة العمومية
على مستوى التنظيم الإداري، نص البرنامج على إرساء إدارة موحدة ومشتركة، تتوفر فيها كل وزارة كبرى على كتابة عامة مشتركة تجمع وظائف الاستراتيجية والميزانية والموارد البشرية والرقمنة والمعطيات والشؤون القانونية والتدقيق.
وتشمل إصلاحات الوظيفة العمومية الحركية والتقييم القائم على الأداء واللاتمركز في اتخاذ القرار، وتقليص الفوارق الناتجة عن تعدد الأنظمة الأساسية.
وفي الولوج إلى الخدمات الرقمية، استندت الحكومة إلى استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، المرتكزة على رقمنة الخدمات العمومية وتنشيط الاقتصاد الرقمي، وتكوين 100 ألف شاب سنويا، ونشر شبكة الجيل الخامس والحوسبة السحابية السيادية.
ولمعالجة الفجوة الناتجة عن تفاوت قدرات المواطنات والمواطنين على الاستفادة من التكنولوجيا، تلتزم الحكومة بتوفير الربط بشبكة الاتصالات للجميع، وضمان تجهيز 80 في المئة من المساكن بالألياف البصرية، والربط بالأقمار الاصطناعية للمناطق المعزولة، والتغطية بشبكة الجيل الرابع لكافة المناطق.
ويشمل ذلك إحداث 500 فضاء رقمي مواطناتي في مختلف الجماعات، لتمكين المواطنات والمواطنين من الاستفادة من الخدمات الرقمية ومن مواكبة مباشرة عن قرب.
وتعتزم الحكومة أيضا إطلاق برنامج الذكاء الاصطناعي “IA Maroc”، وتوجيهه لخدمة الدولة الاجتماعية، خاصة الكشف المبكر عن الأطفال المهددين بالانقطاع عن الدراسة وتعزيز الخدمات الطبية، إلى جانب ضمان السيادة الرقمية عبر توفير إمكانية تخزين معطيات المغاربة ضمن حوسبة سحابية وطنية سيادية.











