يطرح البرنامج الحكومي للولاية 2026-2031 معادلة تجمع بين إعادة بناء الثقة في العمل السياسي، وتوسيع الأثر الاجتماعي للسياسات العمومية، وتقوية اقتصاد قادر على تمويل هذه التوجهات.
ومن خلال وثيقة البرنامج الحكومي، تتقدم محاولة تحويل التزامات أحزاب الأغلبية إلى مشروع مشترك رهان الحكومة الجديدة، وهو طموح تضبطه أولويات وآجال وأهداف قابلة للتقييم، مع إعلان الالتزام بمراعاة الإمكانات والإكراهات وقياس المسؤولية بالنتائج المحققة في الحياة اليومية للمواطنين.
ويكتسب النفس السياسي للبرنامج الحكومي دلالته من طبيعة الأغلبية التي تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، إذ تربط الأحزاب الأربعة تحالفها بالتقارب الفكري والسياسي بين مكوناته، وتوحيد الرؤية الإصلاحية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي وتقوية القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني؛ وهي توجهات تحضر مجتمعة في بناء البرنامج الحكومي.
ومن هذا المنطلق، يقرأ البرنامج باعتباره التزاما جماعيا للأغلبية، ترتب داخله التعهدات الانتخابية وتكيف مع مسؤوليات التدبير، بناء على التوافق على الأولويات، وتحديد ما يمكن تنفيذه خلال الولاية، والتوفيق بين المطالب الاجتماعية والقدرة التمويلية للدولة.
ويوضح المحلل الاقتصادي ورئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، علي الغنبوري، أن البرنامج الحكومي “برنامج سياسي بامتياز لأنه ابتعد عن المنطق السابق القائم على وثيقة أو برنامج تقني كله لغة محاسباتية”، مؤكدا أنه الأمر الذي “كنا ننتقده في التجربة السابقة”.
وشدد الغنبوري، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، على أن البرنامج الحكومي يرتكز على “مضامين والتزامات سياسية واضحة وتحمل إشارة واضحة إلى أن هناك إرادة سياسية حقيقية لمعالجة مجموعة من الإشكاليات التي يعاني منها المواطنات والمواطنون في المجالات الاجتماعية والاقتصادية في المغرب”.
ويحضر النفس السياسي كذلك في موقع البرنامج داخل استمرارية الدولة والإصلاحات الكبرى، حيث يستند إلى التوجيهات الملكية والنموذج التنموي الجديد وطموح “المغرب 2035″، مع تثبيت مكتسبات الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والاستثمار والماء والطاقة، مع تصحيح التعثرات في التشغيل والخدمات والإنصاف.
وضمن المرجعية نفسها، يضع البرنامج الدفاع عن سيادة المملكة ووحدتها الترابية، وحشد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتسريع تنمية الأقاليم الجنوبية، في صدارة الالتزامات الوطنية، مؤكدا في الصدد ذاته التمسك بموقف المملكة من القضية الفلسطينية والقدس الشريف، وبالتسوية السلمية القائمة على حل الدولتين، ما يحدد الإطار الوطني الذي تتحرك داخله اختيارات الأغلبية، إلى جانب الثوابت الدستورية وصيانة التعدد الثقافي واللغوي والحقوق والحريات.
مسار جديد ورؤية تنموية في ظل الاستمرارية
يرى الغنبوري في هذا السياق أن البرنامج الحكومي “لم يقطع مع الإطار الاستراتيجي للتنمية، بحكم أن لدينا اليوم رؤية المغرب 2035 في إطار النموذج التنموي الجديد، الذي وضع أهدافا واضحة، ورسم طريق التحول إلى بلد صاعد في أفق سنة 2035 باستراتيجيات واضحة وتوجهات واقعية”، مشيرا إلى أن “البرنامج الحكومي لم يقطع مع هذا الإطار، ولكنه قدم إجابات عن مجموعة من الإشكاليات والاختلالات التي عرفها تنزيل رؤية 2035”.
وتبرز خصوصية التصور السياسي في رؤية الحكومة الجديدة في تقديم دولة الحق والقانون والمؤسسات ومحاربة الفساد على بقية المحاور القطاعية، ما يتيح قراءة البرنامج على أساس أن نجاح السياسات الاجتماعية والاقتصادية يحتاج إلى مؤسسات تحظى بالثقة، وقواعد واضحة، وعدالة قريبة من المواطنين، ومشاركة سياسية ومواطنة أوسع، وهو ما ينسجم مع تعهدات رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال تقديم البرنامج الحكومي، بالتفاعل الإيجابي مع المقترحات البناءة للمعارضة، واحترام أدوار البرلمان التشريعية والرقابية والتقييمية، وإبقاء الحوار مفتوحا أمام الشركاء والفاعلين.
وشدد المحلل الاقتصادي ذاته على أن محور توطيد دولة الحق والقانون يجد مرتكزات قوية في التصور الحكومي “من خلال مجموعة من إجراءات مؤسساتية والجهوية الموسعة وتنزيل ميثاق اللاتمركز واستكمال مسارات تشريعية مهمة في إطار استعادة الثقة في المؤسسات”.
النفس السياسي في خدمة المجتمعي
يتصل البعد السياسي المؤسسي للبرنامج الحكومي بشكل مباشر بالنفس الاجتماعي للبرنامج، إذ جعلت أحزاب الأغلبية القدرة الشرائية والشغل وجودة المدرسة والمستشفى والسكن والإنصاف المجالي، مجالات لقياس أثر العمل الحكومي من خلال مقاربة تجمع بين تحسين دخل الأسر، والحد من أسباب الغلاء، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتطوير الخدمات العمومية، بما يربط التدخلات المالية بإصلاح شروط العيش.
ويظهر ذلك في التعهد بإعادة استهداف الدعم الاجتماعي على أساس الدخل الفعلي بدل المؤشر، ورفع قيمته من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية، إلى جانب إصلاح تدريجي للضريبة على الدخل لتحسين الدخل الصافي للأجراء وتشجيع التشغيل المصرح به، إضافة إلى تعويض اجتماعي تلقائي يعادل فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم، بالنسبة للمسكن الرئيسي للأسر المستحقة، دون طلب ورقي أو تنقل إداري.
وتتجلى هنا عناصر من الواقعية في صياغة الالتزام، من خلال التدرج وتحديد أفق زمني واستهداف المستفيدين. غير أن فعالية هذه الاختيارات ترتبط بدقة المعطيات المعتمدة لتقدير الدخل، وسرعة تحيين أوضاع الأسر، ووضوح مساطر الاستفادة والتظلم. فالتعهد بتبسيط الحصول على الدعم يضع الإدارة أمام مسؤولية تقليص أخطاء الاستهداف وتفادي تحول المساطر إلى عائق أمام المستحقين.
وتكتمل هذه المقاربة بإجراءات تمس تكوين الأسعار ومسالك التسويق، عبر خطط تموين المنتجات الاستراتيجية، وتقريب المنتج من المستهلك بواسطة شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق، وإصلاح مسالك اللحوم والأسماك، وضبط العلاقة بين التصدير وتموين السوق الوطنية بقواعد معلنة ومستقرة.
ويفسر رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي هذا التركيز على الشق الاجتماعي بكون الأحزاب الأربعة المشكلة للتحالف الحكومي “لديها تقاطعات عديدة جدا في ما يتعلق بالوعود الانتخابية، سواء على المستوى السياسي والإدراك والوعي بأهمية المرحلة السياسية، وأيضا على مستوى الوعود الاقتصادية في مجالات متعددة”.
وأوضح الغنبوري ذاته أن البرامج الانتخابية للأحزاب الأربعة “كان فيها التزام بمكافحة الفساد ومحاربة الريع والرشوة والإثراء غير المشروع، وأيضا الإصلاحات المتعلقة باستعادة الثقة في المؤسسات، والمسار التشريعي الذي سينزل هذه الإصلاحات، ناهيك عن التوجهات الاقتصادية من خلال التركيز على التشغيل ومعالجة الاختلالات التي عرفها تنزيل النموذج التنموي في الفترة السابقة، إضافة إلى التقارب الكبير في المؤشرات الماكرو اقتصادية، سيما معدلات النمو وعجز الميزانية والمديونية”.
فلسفة تقطع مع متاهات الأرقام
ويمنح ملف التقاعد البرنامج بعدا اجتماعيا يتجاوز المعايير التقنية المرتبطة بالسن والاشتراكات واحتساب المعاش، من خلال طرح توسيع الحماية لتشمل من لا معاش لهم، وتقريب الحقوق والواجبات بين الأنظمة، وضمان كفاية المعاشات واستدامة تمويلها، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة وإخضاع الإصلاح للحوار مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين.
وتترجم هذه الوجهة في التعهد بالرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا في مختلف الأنظمة، وتمكين الأرملة من معاش كامل يعادل 100 في المئة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، مع حفظ حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق.
ويمتد المنطق الاجتماعي إلى الانتقال من تعميم الحق في التغطية الصحية إلى ضمان الولوج الفعلي والعادل والمستمر إلى العلاج، حيث تحتاج التغطية التأمينية إلى عرض صحي متاح، وموارد بشرية كافية، ومسلك علاج منظم، واستقبال ملائم للمرضى، ومصالح استعجالات فعالة، وهو ما التزم به البرنامج الحكومي من خلال معالجة الخصاص الترابي، وتعميم المساعدة الطبية المستعجلة، وإرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة.
وفي التعليم، يضع البرنامج مؤشرين يتيحان مساءلة السياسة العمومية عن نتائجها، أولهما رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المئة على الأقل في أفق 2031، وثانيهما تحقيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة” بحلول 2030.
الشباب في قلب البرنامج الحكومي
لهذا السبب يحتل الشباب موقعا يتجاوز المحور المخصص لهم، فالبرنامج ينطلق من تشخيص عدد الشباب بين 15 و29 سنة الموجودين خارج التعليم والتكوين والشغل في 2.9 مليون، ويقترح، ابتداء من 2027، برنامجا وطنيا بمواكبة اجتماعية ترابية، يتيح تكوين 100 ألف شاب سنويا حسب حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف من أول تجربة مهنية، ورفع طاقة التكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا.
ويعزز البرنامج هذه المقاربة بمواكبة 60 ألف مقاولة، عبر الاحتضان وتيسير التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية، وبجواز للحركية المهنية لفائدة من يجدون عملا خارج مناطق إقامتهم، مقرونا بمساكن للكراء بأسعار مناسبة.
وتحضر العلاقة نفسها في السياسة السكنية، التي تتجه إلى خفض الكلفة على الأسر وتحسين الأحياء وتقريب السكن من فرص العمل والنقل والخدمات، إذ يضع البرنامج هدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن قروي خلال الولاية، بدعم مباشر قدره 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة ومواكبة تقنية مجانية، إلى جانب مواصلة دعم التملك، وإحداث عرض وطني للسكن المخصص للكراء، وتبسيط التعمير والبناء في الوسط القروي.
وتتسع الرؤية الاجتماعية لتشمل الأسرة والتضامن بين الأجيال، من خلال دعم مالي يصل إلى 5000 درهم للشباب المقبلين على الزواج، الوارد في البرنامج الحكومي ضمن تصور أوسع يربط هشاشة الأسر بالسكن والشغل وغلاء المعيشة، ويضم تتبع إصلاحات مدونة الأسرة، والحماية الفعلية للنساء والأطفال، وتنظيم خدمات الرعاية والمساعدة المنزلية، وتأطير مهنة المساعد الأسري.
تطويق الفساد للنهوض بالاستثمار والمقاولة
وفي الجانب الاقتصادي، يجمع البرنامج بين تقوية دور الدولة في الحماية والتنظيم والاستثمار، والارتقاء بالقطاع الخاص إلى فاعل استراتيجي، مع استهداف رفع مساهمته إلى ثلثي الاستثمار الوطني.
ويوفر هذا التصور للحكومة الجديدة مجالا مشتركا لاقتصاد منتج، توجه فيه المبادرة والاستثمار نحو القيمة المضافة والتشغيل، وتواكبهما مؤسسات عمومية أكثر نجاعة وقواعد منافسة أكثر وضوحا، ما يبرز موقع محاربة الفساد والريع داخل التصور الاقتصادي والاجتماعي.
وبهذا الصدد، يشكل التعهد بقوانين تنازع المصالح وحماية الموظفين المبلغين عن الفساد والتصريح بالممتلكات، وتنظيم الانتقال بين القطاعين العام والخاص بعد انتهاء المهام، حماية للقرار العمومي وتقليلا لمخاطر توظيفه للحصول على منافع خاصة.
وتبرز محاولة الربط بين النزاهة والتنمية في تخصيص 30 في المئة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، مع عقوبات عند الإخلال، وحصة فرعية بنسبة 2 في المئة للشركات الناشئة، وتفضيل المنتجات الحاملة لعلامة “صنع في المغرب” في تقييم العروض.
ويشدد الغنبوري، في حديثه للجريدة، على أن “الفساد والريع وتضارب المصالح كانت من الإشكاليات والتمظهرات المؤلمة التي ظهرت في المرحلة السابقة وعانينا منها كثيرا، وجعلت نتائج تنزيل النموذج التنموي الجديد لا تظهر على المستوى الترابي والاجتماعي”.
وأشار إلى أن البرنامج الحكومي جاء “ليقطع مع هذه الاختلالات من خلال جملة من الإجراءات وردت في التصريح الحكومي، سواء تعلق الأمر بتجريم الإثراء غير المشروع أو تضارب المصالح، وأيضا ما يتعلق بالريع والانتهازية”.
طموح التمويل واختبار الأثر
أما تمويل الطموح الاجتماعي، فيضعه البرنامج الحكومي ضمن مسار يستهدف متوسط نمو بنسبة 5 في المئة سنويا خلال 2027-2031، وتضخما في حدود 2 في المئة سنويا، وضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي طيلة 2026-2031، ووضع المديونية العمومية في مسار تنازلي إلى ما يقارب 62 في المئة من الناتج بحلول 2031.
وتستند هذه الأهداف إلى توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين نجاعة الإنفاق، والاستفادة من أثر النمو، وزيادة مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية، إلى جانب تعبئة الاستثمار والادخار والتمويل.
وتراهن الحكومة أيضا في تمويل التزاماتها على الصناعة وتعويض الواردات وتحديث الفلاحة، وخارطة سياحية للفترة 2027-2030 تستهدف بلوغ 26 مليون سائح بحلول 2030، وتطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني واقتصاد الرياضة.
وستتيح قوانين المالية، بدءا من مشروع مالية 2027 الذي صدّق عليه المجلس الحكومي يوم أمس الثلاثاء، والنصوص التطبيقية والبرمجة القطاعية، اختبار هذا الالتزام بصورة ملموسة، عبر ما ستحدده من كلفة وآجال ومستفيدين ومسؤوليات، لذلك، شدد علي الغنبوري على أن “حكومة المنصوري” قطعت مع “المقاربة الميزانياتية، وخرجت من منطق (PLAN COMPTABLE)، وأعدت وثيقة سياسية فيها التزامات واضحة وتعبير وإشارات واضحة عن إرادة سياسية لتحقيق الإصلاح”.
وأوضح رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي أن “أثر هذه الالتزامات هو ما سيحكم على أداء الحكومة الجديدة، والمواطنون هم من سيشعرون بهذا الأثر في حياتهم؛ سواء على مستوى البطالة والقدرة الشرائية والسياسات العمومية المختلفة التي تستهدف مجموعة من المجالات من قبيل الصحة والسكن والتعليم، وهم من سيحكم في النهاية على البرنامج الحكومي”.











