دافع فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، عن أولوية تلبية حاجات السوق الداخلية في مواجهة الغلاء، معتبرا أن ضبط التصدير وتطوير الأسواق ومعالجة كلفة الربط بين مناطق الإنتاج والاستهلاك مداخل لتمكين المغاربة من مواد متوفرة بأثمان معقولة، وقال: “الذي يريد التصدير الله يكمل عليه بالخير، ولكن حاجيات البلاد أولا”.
وبموازاة عرضه تصور الحكومة لتنظيم هذه الأنشطة، أوضح لقجع، عشية اليوم الجمعة خلال رد الحكومة بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، أن اعتماد فرضية نمو بنسبة 3.7 في المئة في مشروع مالية 2027 يستند إلى الواقعية والحذر، وأخذ المخاطر الجيوسياسية وتوقعات الموسم الفلاحي بعين الاعتبار، مؤكدا أن الحكومة تتمنى أن يتجاوز النمو 5 في المئة.
7 سنوات من الجفاف وأولوية للسوق الداخلية
انطلق لقجع من تأكيد ارتفاع الأسعار، متسائلا عما إذا كان هناك اتفاق على تشخيص هذه الوضعية، مضيفا “إذا لم تكن مرتفعة فلا مشكل، ولتقولوها”، معتبرا أن الغلاء يرتبط بمجموعة من الإشكالات التي تحتاج إلى ضبط، وفي مقدمتها التصدير.
وأكد الوزير أنه من غير المنطقي أن يضاعف المغرب مستوياته التصديرية، بعد سبع 7 من الجفاف، في وقت تعرف فيه السوق الداخلية “ارتفاع أسعار خارق للعادة”.
وأوضح أن الحكومة تتحدث عن تقنين الأنشطة وتأطيرها بصورة جماعية، بما يشمل المنتجين، حتى يجد المغاربة ما يحتاجونه من قوت يومي بوفرة وأسعار معقولة.
ونفى أن يكون المقصود العودة إلى “OCE” (مكتب التسويق والتصدير)، مؤكدا أن موقفه يجمع بين إتاحة التصدير وضمان تلبية الحاجات الوطنية، قائلا: “الذي يريد التصدير الله يكمل عليه بالخير، ولكن حاجيات البلاد أولا”.
خطة لتطوير وعصرنة الأسواق
وفي تنظيم الأسواق، تحدث لقجع عن تطوير 12 سوقا وتحديث طريقة اشتغالها، مع توسيع حرية المتعاملين في اختيار مصادر الشراء والأثمان، بما يعزز المنافسة.
وفي مثال على التصور الجديد، أوضح أن “صاحب المحل داخل السوق ينبغي أن يظل حرا في التعامل مع من يريد”، مبرزا أنه “سنتركه يشتري من أين يريد وبالثمن الذي يريد حتى نضمن المنافسة”، معتبرا أن الوضع الحالي لا يحقق هذه الغاية.
ودعا إلى تحويل هذه الفضاءات إلى أسواق عصرية، مستحضرا إزالة ضرائب تبلغ 7 في المئة، ومعالجة تعقد المسارات التي تمر منها المنتجات، بهدف تخفيض الثمن.
وأكد أن الحكومة تتوفر على تصور جاهز لتدبير الأسواق، وأنها مستعدة لمناقشته في أي وقت، رابطا هذا الورش بضبط التصدير ومعالجة باقي حلقات وصول المنتجات إلى المستهلك.
بين الإنتاج والاستهلاك
وتوقف لقجع عند العلاقة بين أحواض الإنتاج وأحواض الاستهلاك، معتبرا أنها تعرف تدخلات غير معقولة و”فوترة لا تستجيب ولا تناسب النفقات”، بما يرفع كلفة الربط بين الطرفين، مضيفا “إن الدولة تستطيع ضمان هذه الحلقة، ولم نقل إن الدولة ستشتري وتبيع، ولكن تضمن هذه الحلقة”.
وطرح عدد الشركات التي يمكن أن تتدخل في هذه الصيغة للنقاش، متسائلا عما إذا كانت ستقوم على 6 شركات أو 8، داعيا النواب إلى تقديم اقتراحاتهم بشأن طريقة تنظيمها وتعاملها داخل السوق.
وأكد أن النقطة المتفق عليها هي أن “الربط بين أحواض الإنتاج والاستهلاك مكلف جدا”، منتقدا جر النقاش العمومي بشأن هذه التصورات إلى مقارنات مع “السوفخوزات والكولخوزات”، معتبرا أن هذا المسار غير عملي ولا يساعد على معالجة المشكل المطروح.
وأكد أن الحكومة لا تستهدف التدخل في عمل من يشتغلون داخل الأسواق أو يعيشون منها، ولا في نشاط الفلاح الذي يبيع فيها، بل تسعى إلى تغيير الاختلالات التي عرضها.
التقنين لا يعني ضرب المبادرة
أبدى وزير الاقتصاد والمالية استعداد الحكومة لمناقشة تصوراتها مع النواب، بحضور الوزراء المعنيين، وعرض الطريقة التي بُنيت بها، مع قبول الإضافات وتغيير ما يظهر أنه يحتاج إلى مراجعة.
واستدل بالولايات المتحدة، التي تعد من الدول التي صنعت الليبرالية، قائلا إنها تمارس أساليب للتقنين والتدخل لحماية سوقها، وتساءل: “هل الحماية الجمركية ليست حماية للسوق؟”.
واستحضر تجربة نيويورك، قائلا إنها قررت إحداث محلات عمومية لبيع المواد الأساسية”، في سياق دفاعه عن إمكانية تنظيم السوق دون اعتبار ذلك تناقضا مع المبادرة الحرة، مشددا على أن التقنين الذي تتحدث عنه الحكومة لا يستهدف الرجوع إلى الوراء أو ضرب المقاولة، بل “نريد أن تكون هناك المبادرة في جميع المستويات وجميع الجوانب”.
وربط هذه التصورات بمقاربة اقتصادية تشمل المقاولة والاستثمار العمومي وآثار السياسات والعلاقة بين مختلف الشرائح الاجتماعية، إلى جانب رفع دخل الطبقة المتوسطة لتحفيز الطلب الداخلي.
وأكد أن البعد الميزانياتي حاضر، كما هو شأن مختلف قوانين المالية، لكنه يندرج ضمن هذه الرؤية الاقتصادية، مضيفا: “لدينا مجموعة من التصورات الجاهزة وسندخلها حيز التطبيق، وقبلها سنعرضها أمام نواب الأمة للنقاش”.
لماذا 3.7 في المئة بدل 5؟
وفي تفسير فرضيات مشروع المالية، طرح لقجع سؤال اختيار معدل نمو بنسبة 3.7 في المئة بدل 5 في المئة، وقال إن بناء توقعات المشروع استند إلى التحفظ في تقدير التطورات، مبرزا أنه “كنا في تصور مبني على الواقعية والحذر في الآن ذاته”.
واستحضر التطورات الجيوسياسية التي يصعب على العالم توقع مساراتها، مؤكدا أن الحكومة أخذت بعين الاعتبار آثارها الأكثر سلبية على النمو الداخلي.
وفي ارتباط النمو بالموسم الفلاحي، قال لقجع: “كل 10 ملايين قنطار إضافية تجلب 0.5 في المئة إضافية في نسبة النمو”، مستحضرا حساسية التوقعات الاقتصادية لتغير حجم المحصول.
واعتبر أن الإبقاء على فرضية 70 مليون قنطار، مع نشاط فلاحي معتدل، يعكس قدرا مهما من الحذر، موردا أن القيمة المضافة الفلاحية حددتها الحكومة في نسبة 8 في المئة، مقابل 18 في المئة خلال السنة الجارية.
وأضاف أن تقديرات النمو تتدخل فيها مؤسسات متعددة، وأن اختلافها يرتبط باستعمال نماذج مختلفة وتحيينها كل 3 أشهر، بما يجعل التوقعات قابلة للمراجعة تبعا للمعطيات المتاحة.
السياسة النقدية حاضرة في التقديرات
وردا على إثارة غياب السياسة النقدية عن مشروع قانون المالية، أكد لقجع أن بنك المغرب يتولى تدبيرها، وأن الحكومة تأخذها بعين الاعتبار، مستحضرا سعر فائدة عند 2.25 في المئة، إلى جانب معرفة مسار سياسة الصرف.
وقال إن الوثائق المقدمة إلى النواب تتضمن تفاصيل بشأن تأثير هذه السياسات على الاستثمار وعلاقتها به، مبديا استعداده لتعميق النقاش في السياسة النقدية ضمن مناقشة مشروع المالية، مشددا على ضرورة تخصيص الحيز والوقت الكافيين وإشراك المختصين في هذا النقاش.











