أكدت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، في عرضها للأسس التي يقوم عليها البرنامج الحكومي، أن توجهات المرحلة المقبلة مرتكزة على الثوابت الوطنية والتوجيهات الملكية، مشددة على استمرار الدفاع عن الوحدة الترابية والتمسك بموقف المملكة من القضية الفلسطينية، واستناد البرنامج إلى تقارب مرجعيات أحزاب الأغلبية وبرامجها والتزاماتها الانتخابية.
وقالت المنصوري، اليوم الإثنين في كلمة خلال جلسة مشتركة لغرفتي البرلمان خصصت لعرض البرنامج الحكومي، إن “الصحراء المغربية تظل في مقدمة قضايانا الوطنية، وفي امتداد ما شكله قرار مجلس الأمن رقم 2797، بتاريخ 31 أكتوبر 2025، من محطة مفصلية، ستواصل الحكومة الدفاع عن سيادة المملكة ووحدتها الترابية ومصالحها، وحشد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، وتسريع تنمية الأقاليم الجنوبية بوصفها بوابة لعمقنا الإفريقي ومجالنا الأطلسي”.
وبخصوص فلسطين، أكدت أن الحكومة متمسكة “بموقف المملكة الثابت من القضية الفلسطينية والقدس الشريف، وبالتسوية السلمية القائمة على حل الدولتين لتحقيق سلام عادل ودائم، تحت قيادة جلالة الملك، أمير المؤمنين ورئيس لجنة القدس”.
وعن الأساس السياسي للبرنامج، قالت رئيسة الحكومة أنه “يستند إلى تقارب مرجعيات أحزاب الأغلبية وبرامجها والتزاماتها الانتخابية، التي سننفذها تدريجيا وفق الواقعية التنفيذية واستدامة المالية العمومية”.

ثوابت الأمة والتوجيهات الملكية
وفي تحديد الثوابت المؤطرة لهذا البرنامج، أوضحت أنه “يرتكز على ثوابت الأمة؛ الدين الإسلامي السمح، والملكية الدستورية الديمقراطية البرلمانية والاجتماعية، والوحدة الوطنية والترابية، والاختيار الديمقراطي؛ مع صيانة التعدد الثقافي واللغوي والحقوق والحريات والمساواة وتكافؤ الفرص”.
وأضافت في السياق ذاته أن “التوجيهات الملكية السامية تشكل المرجعية الأولى لعمل الحكومة”، مشيرة إلى أن “جلالة الملك، نصره الله، دعا في خطاب العرش لسنة 2026، إلى فتح دورة جديدة في المسار التنموي تقوم على تحصين المكتسبات ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”.
واسترسلت بالقول: “كما جدد جلالته، في افتتاح هذه الدورة، رهانات المرحلة في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، ووضع الشباب في صدارة السياسات، والارتقاء بالقطاع الخاص إلى فاعل استراتيجي، وتسريع الأمن المائي والطاقي والغذائي والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع التفعيل الكامل للجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري”.
وبشأن المرجعية التنموية، أكدت أن الحكومة تسترشد بـ”النموذج التنموي الجديد وطموح مغرب 2035، القائم على اقتصاد منتج، ورأسمال بشري مؤهل، وإدماج أوسع، وتنمية ترابية مستدامة، ودولة فعالة تحرر الطاقات وتحمي المصلحة العامة”.
وأبرزت رئيسة الحكومة أن البرنامج يستند أيضا إلى تقييم التجارب السابقة، مشددة على أن الحكومة ستعمل على “تثبيت مكاسب الحماية الاجتماعية وإصلاح الصحة والتعليم والاستثمار والدعم والسكن والماء والطاقة والبنيات الأساسية، وتصحيح التعثرات في تحويل الاستثمار إلى تشغيل وتحسين الخدمات والإنصاف”.

البرنامج الحكومي تعاقد سياسي ومؤسساتي
وفي تقديمها لطبيعة البرنامج والتعاقد الذي يؤطره، أكدت المنصوري أنه “تعاقد سياسي ومؤسساتي يستند إلى الثقة الملكية السامية، وإلى الإرادة التي عبر عنها المواطنات والمواطنون في انتخابات 23 شتنبر 2026، وتقاس مسؤوليته بالنتائج المحققة في حياتهم اليومية”، مضيفة أن الحكومة “تدرك حجم المسؤولية ودقة المواعيد المقبلة، ونلتزم بالإنصات، وبقول الحقيقة بشأن الإمكانات والإكراهات، وبترجمة التعهدات إلى برامج قابلة للتنفيذ”.
وبخصوص العلاقة مع المؤسسة التشريعية، أبرزت أن النجاح مرتبط بـ”تعاوننا مع البرلمان، واحترام أدواره التشريعية والرقابية والتقييمية، وبحسن تدبير الزمن السياسي والتشريعي، أغلبية ومعارضة، كل من موقعه”، لافتة إلى أن “هذه الولاية تمثل محطة فاصلة في المسار الإصلاحي الذي يقوده جلالة الملك منذ 27 سنة؛ يجمع بين استقرار الدولة وتحديث المؤسسات وتوسيع الحقوق وانتظام الانتخابات وتداول المسؤولية”.
وتابعت بالإشارة إلى أن “دستور 2011 كرس الاختيار الديمقراطي، وربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج الانتخابات، وأقر استقلال القضاء، وعزز مكانة البرلمان، وأقر المناصفة وكرس الحكامة والمشاركة المواطنة وربط المسؤولية بالمحاسبة والتوازن والتعاون بين السلط”.
وأشارت إلى أن “الجهوية المتقدمة فتحت أفقا واسعا لتنمية تنطلق من الجهات، وقد جعل هذا التراكم من المغرب نموذجا يجمع بين الاستقرار والإصلاح، تعتبر فيه الملكية الدستورية ضامنة لاستمرارية الدولة ووحدتها، ويشكل الاختيار الشعبي أساس تشكيل الأغلبية وتحمل المسؤولية”.

نضج الممارسة الديمقراطية بالمغرب
وفي امتداد هذا المسار، أكدت المتحدثة ذاتها، أن الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر الماضي، أكدت نضج الممارسة الديمقراطية المغربية، والاحتكام لصناديق الاقتراع”، مبرزة أن “المغاربة عبروا عن تطلعهم إلى حماية قدرتهم الشرائية، وفتح آفاق للشباب، وتحسين المدرسة والمستشفى العموميين، وتقليص الفوارق المجالية، وتأمين حاجيات البلاد من الماء والطاقة والغذاء”.
وشددت في هذا السياق على أن الأغلبية ستعمل على تحويل هذه الانتظارات إلى سياسات واضحة، في إطار التعاون والتوازن بين السلط والانفتاح على الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والترابيين”.
وفي سياق مرتبط، لفتت المنصوري إلى أن “بلادنا حققت إصلاحات ومشاريع كبرى، وعززت حضورها الإفريقي والدولي وقدرتها على مواجهة الأزمات”، مستدركة بالقول: “لكن ثمار التقدم لم تصل بالشكل نفسه إلى جميع الفئات والمجالات، وظل الشغل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات والعدالة المجالية في صدارة الانتظارات”.
وتابعت: “لذلك نريد الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى جودة الخدمة، ومن حجم الاستثمار إلى مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها وأثرها”، مؤكدة أننا “نعتبر السنوات الخمس المقبلة فرصة للحفاظ على المكتسبات واستكمال الأوراش وتصحيح الاختلالات، وتركيز موارد الدولة على أولويات يلمس المواطن أثرها في عمله وعيشه وتعليم أبنائه وعلاجه وسكنه ومجاله الترابي”.

تحويل الفرص إلى دافع ترسيخ مكانة المغرب دوليا
عرّجت رئيسة الحكومة على السياق الدولي الذي تأتي فيه الولاية الحكومة الذي يتسم بالتقلبات وتنافسية أكبر، مشيرة إلى أن “ما يتميز به المغرب من قرب من الأسواق الأوروبية، وعمقه الإفريقي، وواجهته الأطلسية، واستقراره المؤسساتي، وبنياته الأساسية، وقاعدته الصناعية؛ كلها عوامل تؤهله لاستقطاب استثمارات جديدة، وتوسيع صادراته والاندماج في القطاعات الصاعدة”.
وشددت بهذا الصدد على أن هذه المؤهلات تجعل “مهمة الحكومة، إلى جانب مختلف الفاعلين، هي تحويل هذه الفرص إلى دافع حقيقي لمواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية”.

وفي ختام كلمتها أمام غرفتي البرلمان، شددت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، على أن تنفيذ البرنامج الحكومة “مسؤولية حكومية، تسندها رقابة البرلمان وتقييمه، ومساهمة القوى الوطنية والإعلام، مشيرة إلى الحكومة ستكون “في خدمة جميع المغاربة، بمختلف فئاتهم واختياراتهم السياسية، لأن الأمانة تتعلق بالوطن كله”.
وأكدت المنصوري أنها “تمد يدها للجميع، الأغلبية والمعارضة، والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين والمجتمع المدني والحقوقي والإعلامي وكل الكفاءات الوطنية”، ملتزمة بأن “الحوار سيظل مفتوحا للمقترح الجاد والنقد البناء”، معبرة عن تطلعها إلى “تعاون الجميع من أجل مغرب أكثر عدلا وفرصا وتماسكا وإشعاعا، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده”.











