لا تكمن دلالة الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا في حجم المشاركة أو مشاهد العنف التي رافقتها فحسب، بل أيضًا في الطريقة التي جرى بها تفسيرها سياسيًا. فبينما ارتبطت مطالب المحتجين بأوضاع التعليم وغلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة، سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جاي دي فانس إلى وضع الهجرة والتنوع الثقافي في قلب تفسير الاضطرابات.
هذا الانتقال من الأزمة الاجتماعية إلى اتهام الهجرة يطرح سؤالًا يتجاوز السجال السياسي: متى يتحول المهاجر من موضوع لسياسة عمومية إلى كبش فداء يُحمَّل مسؤولية اختلالات لا تثبت الوقائع أنه تسبب فيها؟
من الاحتجاج الاجتماعي إلى خطاب إغلاق الحدود
بحسب التغطيات الصحفية المنشورة يوم 18 أكتوبر 2026، شهدت فرنسا في اليوم السابق احتجاجات واسعة شارك فيها طلاب ونقابيون ومواطنون عبّروا عن استيائهم من غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وكانت التحركات قد بدأت بمطالب مرتبطة بظروف المدارس ونقص المعلمين، قبل أن تتسع رقعتها. وتخللتها أعمال نهب وتخريب ومواجهات مع الشرطة، ارتكبتها مجموعات محددة، بينما شارك آخرون في مظاهرات سلمية.
في هذا السياق، كتب دونالد ترامب على منصته «تروث سوشال» أن «فرنسا تحترق»، وربط الاضطرابات بالهجرة، داعيًا السلطات الفرنسية إلى إغلاق الحدود. أما جاي دي فانس، فانتقد السياسات التي اعتبرها قائمة على التنوع والرحمة، معتبرًا أنها تجاهلت إشكالات الاندماج والتوافق الثقافي.
تكشف هذه التصريحات عن اختيار سياسي واضح: نقل النقاش من أسباب الاحتجاجات الاجتماعية إلى الهجرة باعتبارها تفسيرًا عامًا للأزمة. غير أن الدعوة إلى إغلاق الحدود لا تجيب عن الأسئلة التي أثارت الاحتجاجات بشأن التعليم والقدرة الشرائية والخدمات العامة، كما أن وجود أعمال عنف لا يثبت، في حد ذاته، وجود علاقة سببية بينها وبين الهجرة.
ومن الضروري هنا التمييز بين إدانة التخريب، وهي مسؤولية قانونية وأخلاقية، وبين تعميم الاتهام على المهاجرين. فالمحاسبة ينبغي أن تستند إلى أفعال محددة وأدلة، لا إلى الأصل أو الدين أو الوضع الإداري
روث فوداك: كيف يصبح الخوف أداة سياسية؟
تساعد أعمال الباحثة النمساوية روث فوداك، المتخصصة في تحليل الخطاب السياسي، على فهم هذه الآلية . ففي كتابها، تحلل كيفية توظيف الخطابات الشعبوية اليمينية للمخاوف المرتبطة بالهجرة والهوية والاختلاف الثقافي، وكيف يمكن لتكرار هذه الرسائل أن يجعل التصورات الإقصائية أكثر قبولًا في النقاش العام.
(The Politics of Fear. Ruth Wodak)
لا تفترض هذه المقاربة أن كل حديث عن الهجرة أو الاندماج ينتمي إلى الخطاب المناهض للمهاجرين. فمن حق الدول تنظيم الدخول والإقامة، ومناقشة شروط الاندماج، ومكافحة الجريمة. لكن الإشكال يبدأ عندما يُستبدل تحليل السياسات الاقتصادية والاجتماعية بتفسير يقوم على تحميل جماعة كاملة مسؤولية الأزمات.
في الحالة الفرنسية، لا يكمن السؤال في مشروعية مناقشة الهجرة، بل في الأدلة التي تسند ربطها بالاضطرابات. فإذا كانت المطالب المعلنة تتعلق بالتعليم وغلاء المعيشة والخدمات العامة، فإن اعتبار الهجرة سببًا لهذه الأحداث يحتاج إلى إثبات مستقل، لا إلى تكرار سياسي يجعل العلاقة تبدو بديهية. وهنا تظهر وظيفة الخطاب: فهو لا يكتفي بتقديم تفسير للأحداث، بل يحدد أيضًا الجهة التي ينبغي أن يوجَّه إليها الغضب العام.
بين أزمة الخدمات وصناعة كبش الفداء
تواجه فرنسا، مثل مجتمعات أوروبية أخرى، تحديات اقتصادية واجتماعية تتعلق بالقدرة الشرائية والخدمات العامة والتفاوتات الاجتماعية. وقد تتقاطع هذه التحديات مع نقاشات حول السكن والهجرة والاندماج، لكن هذا التقاطع لا يعني أن الهجرة هي السبب المباشر لكل مشكلة.
إن تفسير أزمة التعليم، مثلًا، يستدعي النظر في الموارد المتاحة، وتوزيع المدرسين، والسياسات التعليمية، وظروف المؤسسات. كما أن تحليل أزمة السكن يقتضي دراسة العرض والطلب والأسعار والسياسات العمرانية. ولا يمكن اختزال هذه العوامل في وجود المهاجرين دون بيانات تثبت حجم مساهمة كل عامل.
وتزداد أهمية هذا التمييز في سياق يتصاعد فيه الجدل حول الهجرة والهوية والانتماء في فرنسا. فالمشكلة لا تكمن في مناقشة سياسات الهجرة أو شروط الاندماج، بل في تحويل المهاجرين إلى مسؤولين جماعيين عن أزمات اجتماعية أو أعمال عنف ارتكبها أفراد محددون. إن تحليل الخطاب المناهض للمهاجرين يقتضي التمييز بين الوقائع المثبتة والتأويلات السياسية، وبين المساءلة القانونية للأفراد والوصم الجماعي. فحين يُقدَّم المهاجر باعتباره مصدرًا للخطر دون أدلة كافية، يتراجع النقاش حول الأسباب الفعلية للأزمة، ويحلّ محله خطاب يُغذّي الخوف بدل أن يساعد على فهم الواقع.
المفارقة الأوروبية: الحاجة إلى العمالة واستمرار الهشاشة القانونية
تتضح تناقضات تدبير الهجرة عندما ننتقل من الخطاب السياسي إلى الواقع الاقتصادي. ففي بعض القطاعات الأوروبية، يساهم العمال المهاجرون في تلبية حاجات سوق العمل، بينما يظل بعضهم في وضع قانوني غير مستقر، بما قد يزيد تعرضهم للاستغلال ويحد من قدرتهم على المطالبة بحقوقهم.
ولا يعني ذلك أن الحاجة إلى العمالة تبرر تسوية جميع أوضاع الإقامة دون شروط، أو أن تنظيم الحدود ينبغي أن يتراجع. بل يقتضي الأمر سياسة تميز بين المخالفات الإدارية والجرائم، وبين الأشخاص الذين يستوفون شروط التسوية وضحايا الاستغلال وشبكات الاتجار بالبشر..
وتقدم إسبانيا مثالًا يستحق المقارنة. فبحسب الحكومة الإسبانية، انتهت في 30 يونيو 2026 فترة تقديم طلبات التسوية الاستثنائية للمهاجرين، بعد تسجيل 1174978 طلبًا. وأعلنت الحكومة في 2 يوليوز أن 609737 طلبًا كانت قد عولجت حتى ذلك التاريخ.
ويجب التمييز بين الطلبات المقدمة والملفات المعالجة والقرارات النهائية بالموافقة. فهذه مؤشرات مختلفة. كما أن التسوية الاستثنائية لا تعني انتهاء مشكلات الاندماج أو سوق العمل، لكنها تمثل أداة قانونية للتعامل مع أوضاع قائمة وفق شروط محددة.
وتبرز المقارنة أن تدبير الهجرة لا ينحصر في ثنائية فتح الحدود أو إغلاقها. فهناك خيارات تتعلق بتنظيم الإقامة والعمل، وتطوير المسارات القانونية، ومكافحة الاستغلال، وتسريع معالجة الملفات، وضمان احترام الحقوق والواجبات. وتظل فعالية هذه الخيارات مرتبطة بشروطها ونتائجها، لا بمجرد إعلانها.
مسؤولية الإعلام والسياسة
في زمن الانتشار السريع للصور ومقاطع الفيديو، قد تهيمن مشاهد العنف على تغطية الاحتجاجات، فتتراجع المطالب التي سبقتها إلى الهامش. لكن صورة متجر منهوب أو مبنى متضرر لا تكشف وحدها هوية الفاعلين أو دوافعهم، ولا تثبت ارتباط أفعالهم بالهجرة.
لذلك، تقع على الإعلام مسؤولية الفصل بين الوقائع والتأويلات، وعلى السياسيين مسؤولية عدم تقديم الاستنتاجات غير المثبتة باعتبارها حقائق. ولا يعني ذلك تقييد النقاش العام حول الهجرة، بل إخضاعه لمعايير الدقة نفسها التي ينبغي تطبيقها على بقية القضايا العامة.
كما أن حماية النظام العام واحترام حقوق الإنسان ليسا هدفين متعارضين. يمكن للدولة أن تحاسب مرتكبي العنف، وأن تنظم الهجرة، وأن تواجه العنصرية في الوقت نفسه. بل إن تطبيق القانون على أساس المسؤولية الفردية هو ما يمنع تحول مكافحة الجريمة إلى وسيلة للوصم الجماعي.
لا تختزلوا الأزمة في الهجرة
تضع الاحتجاجات الفرنسية أمامنا مسألتين ينبغي عدم الخلط بينهما: مسؤولية من ارتكب أعمال العنف، ومسؤولية السياسات التي لم تستطع معالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي. الأولى تُحسم بالتحقيق والأدلة والقانون، أما الثانية فتتطلب نقاشًا عامًا حول التعليم والخدمات والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية.
إن خطاب إغلاق الحدود قد يكون جذابًا في لحظة الخوف والغضب، لكنه لا يشكل في حد ذاته حلًا لأزمة التعليم أو غلاء المعيشة. كما أن تحميل المهاجرين مسؤولية اضطرابات اجتماعية من دون دليل لا يساعد على فهم الأزمة، بل يحوّل الانتباه عن أسبابها الفعلية.
ومن هنا تكتسب مقاربة روث فوداك أهميتها: حين يصبح الخوف من «الآخر» أداة للتعبئة السياسية، قد يتراجع النقاش حول السياسات والقرارات والمسؤوليات لصالح البحث عن متهم جماعي.
أستاذة جامعية وباحثة في سياسات الهجرة واللجوء (*)











