تُسقط مراجعة خريطة المقاعد التي فاز بها حزب الأصالة والمعاصرة رواية أن القرى وحدها حملته إلى صدارة انتخابات 23 شتنبر، فحين تُفكك حصيلة الحزب دائرة بدائرة وتُطابق الحدود الانتخابية مع التركيبة السكانية وفق إحصاء 2024، تظهر نتيجة معاكسة للصورة التي جرى تسويقها بعد الاقتراع من طرف جهات غرضها تبخيس ديمقراطية صناديق الاقتراع وتفييء أصوات المغاربة بين أصوات الحواضر وأصوات القرى.
نقطة نظام
جدير بالإشارة في البداية إلى أن تقسيم أصوات الناخبين إلى “قروية” و”حضرية” تم توظيفه انتقائيا، في محاولة لتبخيس أصوات القرى وتجريدها من قيمتها السياسية، مقابل صناعة صورة حزب بعينه باعتباره حزب المدن والنخب.
غير أن الجغرافيا قد تساعد على فهم السلوك الانتخابي، لكنها لا تمنح أي طرف الحق في ترتيب أصوات المواطنين بحسب مكان إقامتهم أو اعتبار التصويت القروي أقل وعيا أو شرعية من التصويت الحضري.
فصوت المغربي في القرية يساوي صوت المغربي في المدينة، وكلاهما تعبير حر عن الاختيار والثقة في الأحزاب ومرشحيها، لذلك لا ينبغي اختزال النتائج في مواجهة مصطنعة بين القروي والحضري، ولا استعمال هذا التقسيم للرفع من قيمة فئة من الناخبين والتنقيص من أخرى، ففي النهاية، ما تحصده الأحزاب هو أصوات مغاربة متساوين في المواطنة، ويجب تقييم حضورها الانتخابي على أساس مجموع الثقة التي نالتها، لا على أساس تصنيف المواطنين جغرافيا أو اجتماعيا.
خريطة الغلبة السكانية
اعتمدت جريدة “AM+ MEDIA” في احتساب نسبتي التحضر والقروية على مطابقة المكونات الترابية لكل دائرة انتخابية مع بيانات السكان القانونيين للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، المنشورة من طرف المندوبية السامية للتخطيط، على مستوى الجماعات والمقاطعات والمراكز الحضرية.
وجُمعت أعداد السكان الحضريين والقرويين لجميع الوحدات الداخلة في حدود كل دائرة؛ وفي الجماعات القروية التي تضم مركزا حضريا، واحتُسب سكان المركز ضمن الحضريين، فيما صُنّف باقي سكان الجماعة ضمن القرويين، ثم حُسبت نسبة التحضر بقسمة عدد السكان الحضريين على مجموع سكان الدائرة، ونسبة القروية بقسمة السكان القرويين على المجموع نفسه، مع تقريب النتيجة إلى رقم واحد بعد الفاصلة.
واستند تصنيف الدوائر إلى معيار الغلبة السكانية البسيطة؛ إذ صُنّفت الدائرة “حضرية” عندما بلغت نسبة سكانها الحضريين 50 في المئة أو أكثر، وصُنّفت “قروية” عندما كانت النسبة القروية هي الأكبر، علما أن هذا التصنيف أداة تحليلية لفهم البنية السكانية للدوائر، وليس تصنيفا إداريا رسميا أو حكما على طبيعة ناخبيها.
رواية أهون من بيت العنكبوت
لا تصمد رواية “مقاعد القرى” التي رافقت قراءة نتائج حزب الأصالة والمعاصرة بعد إغلاق صناديق الاقتراع حين تُنقل من السجال السياسي إلى اختبار الأرقام، سيما أن خلف حصيلة الـ97 مقعدا التي حصدها “البام” توجد جغرافيا انتخابية أكثر تركيبا مما يوحي به هذا الوصف بدوائر في قلب أكبر الحواضر وأخرى يغلب عليها الطابع القروي، ومناطق مختلطة لا يفصل بعضها عن خط التصنيف بين الاثنين سوى أعشار قليلة.
وتتبعت “AM+MEDIA” مسار المقاعد المحلية الـ85 التي فاز بها الحزب دائرة بدائرة، وطابقت مكوناتها الانتخابية مع بيانات السكان في إحصاء 2024، بحثا عما إذا كانت الخريطة التي خرجت من صناديق 23 شتنبر تسند فعلا اختزال الصدارة في “القرى”، من الدار البيضاء إلى الشرق والرباط، مرورا بمراكش وفاس وطنجة ووصولا إلى الجهات الجنوبية، ليظهر الفحص تفاوتات يصعب جمعها تحت توصيف جغرافي واحد، ففي جهات تميل الكفة بوضوح إلى الدوائر ذات الغلبة الحضرية، وفي أخرى يحدث العكس تماما.
97 مقعدا تحت المجهر
بدأ التدقيق من الرقم الذي وضع الأصالة والمعاصرة في صدارة الاقتراع 97 مقعدا وفق النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي أصدرتها وزارة الداخلية، غير أن هذا الرقم لا يمكن إخضاعه دفعة واحدة لثنائية “حضري/قروي”.
فالـ97 مقعدا موزعة بين 85 مقعدا محليا و12 مقعدا جهويا، والأخيرة تغطي دوائرها تراب الجهة بكامله، بما يضمه من مدن ومراكز وجماعات قروية، لذلك، فإن وضع المقعد الجهوي في خانة “المدينة” أو “القرية” لا يستند إلى أساس يسمح بتحديد الوسط الذي جاءت منه أصوات اللائحة.
بقيت أمام التدقيق 85 مقعدا قابلة للفحص، وهي المقاعد المحلية التي يمكن تحديد الدائرة التي جاء منها كل واحد منها، ثم إعادة تركيب مجالها الانتخابي ومقارنته بالبنية السكانية للوحدات الترابية التي يتكون منها وهنا ظهرت أولى مشكلات الرواية المتداولة.
فـ”مقاعد القرى” ليست فئة ينص عليها القانون التنظيمي لمجلس النواب، ذلك أن التقسيم القانوني يميز بين دوائر محلية وجهوية، ولا يمنح المقعد صفة حضرية أو قروية، وبالتالي، كان لا بد من وضع معيار واحد قبل بدء العد، حتى لا تُصنف الدوائر بحسب النتيجة المراد الوصول إليها.
اعتمد التدقيق الذي أجرته “AM+ MEDIA” عتبة 50 في المئة، كل دائرة يبلغ فيها السكان الحضريون نصف مجموع السكان أو أكثر صُنفت “حضرية”، وكل دائرة تقل فيها النسبة عن النصف صُنفت “قروية”، وفي الدوائر المركبة من جماعات أو مقاطعات عدة، جُمعت معطيات مكوناتها وفق إحصاء 2024 بعد مطابقتها مع حدود الدائرة الانتخابية.
وأظهرت الحصيلة أن 48 مقعدا محليا للأصالة والمعاصرة جاءت من دوائر ذات أغلبية سكانية حضرية، مقابل 37 مقعدا من دوائر ذات أغلبية قروية، أي 56.5 في المئة مقابل 43.5 في المئة بفارق 11 مقعدا.
هذه النتيجة لا تقول إن “المدن صوتت للبام أكثر من القرى” ذلك استنتاج لا تسمح به البيانات التي استجمعتها “AM+MEDIA”، لكنها تقول بوضوح إن عدد المقاعد التي فاز بها الحزب في دوائر حضرية يفوق عدد مقاعده في الدوائر القروية، وهي نتيجة لا تنسجم مع اختزال صدارته في “مقاعد القرى” التي جرى تداولها.
الدار البيضاء.. 11 مقعدا تربك الرواية
تظهر أول فجوة كبيرة في القراءة القروية للنتيجة في الدار البيضاء-سطات، بحيث حصل الأصالة والمعاصرة في الجهة على 14 مقعدا محليا، وبعد تفكيكها تبين أن 11 منها جاءت من دوائر حضرية، مقابل ثلاثة فقط من دوائر قروية، وفق التصنيف الذي قامت به الجريدة بناء على عدد السكان وفق إحصاء 2024.
ولا يتعلق الأمر، في الحالات الـ11 كلها بدوائر مختلطة تجاوزت بالكاد عتبة النصف، فسبعة مقاعد جاءت من دوائر حضرية بالكامل بحسب مكوناتها هي الدار البيضاء-أنفا، الفداء-مرس السلطان، عين السبع-الحي المحمدي، الحي الحسني، عين الشق، سيدي البرنوصي ومولاي رشيد.
ويمتد الاتجاه نفسه خارج مقاطعات الدار البيضاء، ففي النواصر تبلغ نسبة السكان الحضريين 85.2 في المئة، وفي برشيد 63.4 في المئة، وفي بنسليمان 54.4 في المئة.
وبالنسبة لمديونة، فنسبة سكانها الحضريين تبلغ 50.3 في المئة؛ أي ثلاثة أعشار نقطة فقط فوق العتبة المعتمدة، لذلك احتُسبت ضمن الغلبة الحضرية، من دون أن يعني ذلك أنها تحمل البنية السكانية نفسها لدائرة حضرية بالكامل مثل الدار البيضاء-أنفا.
وعلى الجانب الآخر، توجد المقاعد الثلاثة التي فاز بها الحزب في سطات والجديدة وسيدي بنور، نسب التحضر فيها تبلغ على التوالي، 37.9 و41.1 و20 في المئة، ولذلك أدرجت ضمن الدوائر القروية.
الرباط.. حين تتوقف الأرقام عند حدود المصدر
في الرباط-سلا-القنيطرة، يتكرر الاتجاه بفارق أقل، 10 مقاعد محلية؛ 6 منها في دوائر حضرية وأربعة في دوائر قروية، فالحزب فاز في الرباط-المحيط والرباط-شالة، وهما مجالان انتخابيان بمكونات حضرية.
وتشمل دوائر الغلبة الحضرية في الجهة أيضا سلا المدينة، وسلا الجديدة بنسبة تحضر تبلغ 87.4 في المئة، والصخيرات-تمارة بـ93.9 في المئة، والخميسات-أولماس بـ60.4 في المئة.
في الجهة الأخرى توجد الغرب وسيدي قاسم وسيدي سليمان وتيفلت-الرماني، والأخيرة حالة تكشف هشاشة الحدود الصلبة بين الوصفين لأن 49.6 في المئة من سكان تيفلت-الرماني حضريون، أي أربعة أعشار نقطة فقط أبقتها وفق المعيار المستخدم، في خانة القروية.
مراكش.. المدينة لا تروي قصة الجهة
إذا كانت الدار البيضاء والرباط تقدمان معطيات تحرج رواية “مقاعد القرى”، فإن مراكش تفرض الحذر من الوقوع في التعميم المعاكس، فداخل المدينة فاز الحزب بثلاث دوائر كلها حضرية الغلبة بما فيها المدينة-سيدي يوسف بن علي بنسبة تحضر تبلغ 65.5 في المئة، وجليز-النخيل بـ72.2 في المئة، والمنارة بـ75 في المئة وتضاف إليها آسفي بنسبة 51.4 في المئة.
لكن الانتقال من المدينة إلى جهة مراكش-آسفي يقلب الميزان، فمن أصل 10 مقاعد محلية حصل عليها الحزب في الجهة، جاءت 6 من الدوائر القروية هي شيشاوة، الحوز، قلعة السراغنة، الصويرة، الرحامنة واليوسفية وتتراوح نسبة التحضر فيها من 20.7 في المئة بالحوز إلى 40.9 في المئة باليوسفية.
الشرق.. ستة من ثمانية
في جهة الشرق، تعود الكفة إلى الجانب الحضري بوضوح أكبر، فمن أصل ثمانية مقاعد محلية فاز بها الأصالة والمعاصرة، جاءت ستة من الدوائر الحضرية هي وجدة، بنسبة تحضر تبلغ 90.5 في المئة، وجرادة بـ60.6، وبركان بـ61.8، وتاوريرت بـ66.1، والناظور بـ68.6، وفجيج بـ52.9 في المئة.
أما المقعدان الآخران فجاءا من جرسيف، حيث تبلغ نسبة التحضر 37.4 في المئة، والدريوش بـ31 في المئة.
فاس-مكناس.. من 100 في المئة إلى 10.3 في المئة
في فاس-مكناس، يكاد ميزان المقاعد يتعادل ستة مقاعد في دوائر حضرية وخمسة في دوائر قروية، ف”البام” فاز في فاس الشمالية وفاس الجنوبية وصفرو ومكناس وإفران والحاجب، وتبلغ نسبة التحضر 100 في المئة في فاس الشمالية و96 في المئة في فاس الجنوبية، بينما تنخفض إلى 53.2 في المئة في الحاجب.
وفي الجانب المقابل توجد مولاي يعقوب وبولمان وتازة وتاونات-تيسة والقرية-غفساي، وفي الأخيرة لا تتجاوز نسبة السكان الحضريين 10.3 في المئة، أي داخل الجهة نفسها، إذن يمتد رصيد الحزب من دائرة حضرية بالكامل إلى أخرى لا يمثل السكان الحضريون فيها سوى نحو عُشر السكان، ووحده هذا التفاوت يجعل البحث عن توصيف جغرافي واحد للنتيجة تمرينا شديد الاختزال.
طنجة وبني ملال.. تعادل في المقاعد لا في البنية السكانية
في طنجة-تطوان-الحسيمة، ينقسم رصيد الحزب بالتساوي، أربعة مقاعد في دوائر حضرية الغلبة وأربعة في دوائر قروية الغلبة، وهي طنجة-أصيلة وتطوان والمضيق-الفنيدق والعرائش في المجموعة الأولى، والحسيمة والفحص-أنجرة وشفشاون ووزان في الثانية.
لكن التعادل العددي يخفي تفاوتا سكانيا واسعا، وتبلغ نسبة التحضر في طنجة-أصيلة 93.9 في المئة، وفي العرائش 54 في المئة، بينما تهبط في الفحص-أنجرة إلى 3.7 في المئة فقط.
ويتكرر التساوي في جهة بني ملال-خنيفرة، فبني ملال وخنيفرة وخريبكة ضمن الغلبة الحضرية، وبزو-واويزغت وأزيلال-دمنات والفقيه بن صالح ضمن الغلبة القروية.
أما سوس-ماسة، فتميل إلى الجانب الآخر كون أكادير إداوتنان وإنزكان آيت ملول في المجموعة الحضرية، مقابل اشتوكة آيت باها وتارودانت الجنوبية وتارودانت الشمالية في المجموعة القروية.
درعة-تافيلالت.. جهة قوية
وبالنسبة إلى درعة-تافيلالت، فهي المعطى الذي ينبغي وضعه في قلب هذا التدقيق، فهي الجهة الوحيدة التي جاءت فيها مقاعد الأصالة والمعاصرة المحلية الأربعة كلها من دوائر قروية بكل من الرشيدية وميدلت وورزازات وزاكورة.
غير أن التفاصيل تمنع مرة أخرى وضع الدوائر الأربع في مستوى واحد، فالتحضر يبلغ 46.6 في المئة في الرشيدية و46.4 في المئة في ميدلت، ما يضعهما قريبا من عتبة النصف.
وفي الطرف الآخر من الخريطة، تقدم العيون-الساقية الحمراء الحالة المعاكسة، فالمقاعد المحلية الثلاثة للحزب في بوجدور والعيون والسمارة كلها في دوائر حضرية.
وفي كلميم-واد نون ينقسم الرصيد مناصفة، كلميم وطانطان في الجانب الحضري، وسيدي إفني وآسا-الزاك في الجانب القروي.
أما الداخلة-وادي الذهب، فتمنح مقعدا لكل جانب، وادي الذهب حضرية بنسبة تحضر تبلغ 84.7 في المئة، وأوسرد قروية الغلبة بنسبة حضرية تبلغ 46.4 في المئة.
ما الذي بقي من رواية “مقاعد القرى”؟
بعد المرور على الجهات الـ12، لا تختفي الخريطة القروية للبام، بل تخرج من التدقيق واضحة؛ 37 مقعدا محليا في دوائر قروية الغلبة (43.5 في المئة)، بينها الجهات التي تميل فيها الكفة فعلا إلى هذا الجانب، وفي مقدمتها درعة-تافيلالت ومراكش-آسفي وسوس-ماسة.
لكن إلى جانبها، توجد خريطة أكبر عددا؛ 48 مقعدا في دوائر حضرية الغلبة (56.5 في المئة)، بينها سبعة في دوائر حضرية بالكامل داخل الدار البيضاء، وثلاث دوائر بمدينة مراكش، ووجدة والناظور وفاس ومكناس وطنجة وتطوان وأكادير وإنزكان والعيون.











