بعد سنوات من التهديد بالتصعيد العسكري ضد المغرب، أعادت جبهة البوليساريو طرح خيار التفاوض بعد ساعات من إعلان الديوان الملكي بدء إجراءات تصفية وانسحاب بعثة المينورسو من الصحراء، إثر انتهاء ولايتها دون تجديد من مجلس الأمن في 30 أكتوبر الماضي.
وجاء تصريح الجبهة من الجزائر بينما شرع المغرب بتعليمات ملكية، في مواكبة إنهاء وجود البعثة الأممية بعد 35 سنة من إحداثها مع تأكيد التزامه بوقف إطلاق النار.
ورغم تمسك البوليساريو بمطلب تقرير المصير الذي يعد في منظور القانون الدولي جزءا من مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها، إلا أن توقيت دعوتها إلى المفاوضات عقب انتهاء ولاية المينورسو، يضع تصريحاتها في سياق مختلف عن تهديداتها السابقة بالتصعيد المسلح ويطرح مدى استعدادها لتغيير شروط التفاوض في غياب البعثة التي رافقت النزاع منذ سنة 1991.
من بلاغ 30 أكتوبر إلى تعليمات 4 نونبر.. المغرب ينتقل إلى التنفيذ
بدأت ملامح المرحلة الجديدة تتضح يوم 30 أكتوبر 2026، عندما أخفق مجلس الأمن في تجديد ولاية بعثة المينورسو، عقب سقوط مشروعي القرار الأمريكي والروسي الذي اعتبرته الدبلوماسية المغربية تحولا في طريقة معالجة ملف الصحراء.
ففي بلاغ للديوان الملكي الصادر مساء 30 أكتوبر، اعتبر أن عدم تجديد ولاية المينورسو يشكل خطوة نحو الإغلاق النهائي للملف داخل الأمم المتحدة معلنا أن وجود البعثة، بأفرادها ومركباتها وتجهيزاتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام التالية.
وذهب البلاغ أبعد من مسألة الانسحاب الميداني، عندما عرض الموقف المغربي الداعي إلى إنهاء التداول الدوري في القضية داخل مجلس الأمن، وما يرتبط به من تقارير وإحاطات أممية، مع اعتبار المسار السياسي السابق معلقا.
ولم تبق هذه التوجهات في حدود الإعلان السياسي، فاليوم الأربعاء، ترأس الملك محمد السادس جلسة عمل بالقصر الملكي بالرباط بحضور رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري والمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية.
وخلال الاجتماع، أعطى الملك تعليماته لمكتب التنسيق مع المينورسو التابع لوزارة الداخلية، لتولي مهام التنسيق ومواكبة عملية تصفية وانسحاب البعثة، بالتعاون مع الأمم المتحدة، بما يضمن تنفيذ الإجراءات المرتبطة بها بصورة منظمة.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تنقل الموقف المغربي إلى مستوى الترتيبات الإدارية والعملياتية لتحديد الجهة الوطنية المكلفة بمواكبة تصفية وجودها الميداني.
البوليساريو تعود إلى لغة التفاوض.. ماذا تغير؟
بعدما طالبت بالإبقاء على المينورسو بصيغتها الأصلية وناورت بإيعاز من راعيتها الجزائر، ولوحت طيلة السنوات الماضية بالتصعيد العسكري، عادت جبهة البوليساريو إلى الحديث عن التفاوض مع المغرب عقب انتهاء ولاية البعثة الأممية دون تجديد وبدء الرباط ترتيبات انسحابها.
و أعلن محمد يسلم بيسط، المسمى مكلفا بالشؤون الخارجية في الجبهة الانفصالية اليوم الأربعاء بعد ساعات قليلة من بلاغ الدين الملكي، استعدادها للدخول في مسار سياسي مع المملكة عقب اجتماع احتضنته سفارة جنوب إفريقيا بالجزائر بمشاركة ممثلي دول داعمة للبوليساريو وبرئاسة سفير زيمبابوي.
ويعيد هذا التصريح إلى الواجهة تناقض الخطاب الذي تبنته الجبهة منذ انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020، ففي 13 نونبر من تلك السنة أعلنت الأمم المتحدة فشل مساعيها لتجنب التصعيد في منطقة الكركرات، وحذرت من انهيار وقف إطلاق النار القائم منذ 1991، وبعد ذلك واصلت المينورسو عملها وسط أعمال عدائية منخفضة الحدة، بينما ظلت البوليساريو تتمسك بخيار المواجهة المسلحة.
ولم يقتصر التصعيد على التصريحات، ففي ماي 2024 دعا زعيم البوليساريو إبراهيم غالي، في خطاب بمناسبة ذكرى تأسيس الجبهة الانفصالية إلى تصعيد الكفاح المسلح.
وفي أكتوبر 2023، سقطت أربعة صواريخ على منطقة مدنية بمدينة السمارة ما أسفر عن مقتل مدني وإصابة ثلاثة آخرين بينهم قاصر.وأثبت تحقيق المينورسو إطلاق الصواريخ من شرق الجدار الأمني، بينما لم تؤكد البوليساريو مسؤوليتها عن الهجوم ولم تنفها، وفق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة رقم .
والأكثر دلالة أن الجبهة التي طالبت باستمرار المينورسو لم توفر لها دائما شروط أداء مهامها، ففي يناير 2024، تعذر على محققي البعثة زيارة موقع ضربة جوية مزعومة في بئر لحلو بسبب عدم حصولهم على إذن من البوليساريو.
وتكرر الأمر خلال تحقيقات لاحقة، فيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة، في تقرير أكتوبر 2024 الجبهة صراحة إلى رفع القيود المتبقية على تنقل المراقبين، والسماح بالطلعات الاستطلاعية للمروحيات، واستئناف الاتصالات المباشرة المنتظمة مع قيادة البعثة بالرابوني.
وتبرز المفارقة اليوم في أن البوليساريو، التي عرقلت بعض أنشطة البعثة وطالبت في الوقت نفسه بالحفاظ عليها، تعيد تقديم المفاوضات خيارا سياسيا بعد فشل تمديد ولايتها فبينما أعلن الديوان الملكي في 30 أكتوبر أن وجود المينورسو ينبغي أن ينتهي انتقلت الرباط إلى ترتيبات الانسحاب.
صرامة الموقف المغربي.. إنهاء مهمة البعثة دون التخلي عن وقف إطلاق النار
ومن أبرز عناصر الموقف المغربي الجديد الفصل بين انتهاء ولاية المينورسو واستمرار الالتزام بوقف إطلاق النار فبلاغ الديوان الملكي الصادر في 4 نونبر شدد على أن المغرب سيواصل احترام وقف إطلاق النار باعتباره التزاما إراديا لا يتغير بانتهاء مهمة البعثة الأممية.
وفي المقابل، وجه البلاغ انتقادا مباشرا إلى أداء المينورسو، معتبرا أنها عجزت في مناسبات عديدة عن مراقبة احترام وقف إطلاق النار وترتيب الآثار على خروقاته، وأن السياق الذي أُحدثت فيه والمهام الأصلية التي أسندت إليها تجاوزتها التطورات اللاحقة.
ولم يربط المغرب في أي وقت من مسار النزاع المفتعل التزامه بالتهدئة الأمنية باستمرار وجود البعثة كما لم يعتبر انتهاء ولايتها مبررا للتراجع عن وقف إطلاق النار إذ ظل وفيا لخطة الدبلوماسي وعقيدته الرامية إلى إنهاء النزاع المفتعل بالوسائط السلمية إيمانا منه بعدالة قضيته وبكون دولة مؤسسات كما أن تكليف مكتب التنسيق التابع لوزارة الداخلية بمواكبة الانسحاب يضع العملية ضمن إطار التعاون مع الأمم المتحدة، دون التراجع عن الموقف المغربي بشأن انتهاء مهمة المينورسو.
وتتزامن هذه المقاربة مع استمرار المغرب في الدفاع عن الحكم الذاتي تحت سيادته باعتباره أساس التسوية السياسية، مستندا إلى الدعم الدبلوماسي الذي حظيت به المبادرة المغربية من عدد من الدول.
في المقابل، تتمسك البوليساريو بمطلب تقرير المصير، وهو ما يعني أن الخلاف حول طبيعة الحل النهائي لا يزال قائما، رغم إعلان الجبهة استعدادها للتفاوض.
وشكلت المينورسو، منذ إحداثها سنة 1991، جزءا أساسيا من الإطار الأممي لتدبير النزاع حول الصحراء. وقد ارتبط تأسيسها بخطة التسوية التي تضمنت تنظيم استفتاء، قبل أن تتعثر هذه العملية وتتحول الجهود الدولية لاحقا نحو البحث عن حل سياسي متفاوض بشأنه.
و يمثل انتهاء ولاية البعثة تغيرا مهما في البيئة المؤسسية التي تحركت داخلها الأطراف المعنية بالنزاع، فيما وبالنسبة إلى المغرب، جاء هذا التطور منسجما مع الموقف الذي عبر عنه الديوان الملكي بشأن تجاوز السياق الأصلي لإنشاء المينورسو، والحاجة إلى الانتقال من تدبير النزاع إلى تغيير المعطيات التي تحكمه.
أما بالنسبة إلى البوليساريو، فإن انتهاء ولاية البعثة يطرح تحديا يتعلق بكيفية الحفاظ على مطالبها السياسية داخل مسار أممي لم تعد إحدى أبرز آلياته الميدانية قائمة بالتفويض السابق.
قبول الحكم الذاتي، ولم يصدر إعلان عن اتفاق لاستئناف مفاوضات مباشرة مع المغرب.
وبذلك، فإن أبرز ما تكشفه التطورات الأخيرة ليس تغير موقف البوليساريو بصورة حاسمة، بل انتقال المغرب إلى تنفيذ ترتيبات ما بعد المينورسو، في مقابل محاولة الجبهة الحفاظ على خيار التفاوض داخل واقع دبلوماسي ومؤسسي مختلف عن ذلك الذي ساد طوال 35 سنة.











