كشفت المندوبية السامية للتخطيط عن معطيات جديدة تفسر استمرار شعور الأسر المغربية بارتفاع تكاليف المعيشة، رغم تراجع التضخم المسجلة في الإحصاءات الرسمية خلال الفترة الأخيرة، مؤكدة أن إدراك المواطنين لتطور الأسعار لا يتحدد فقط بالتغيرات الحالية، بل يتأثر أساسا بالزيادات المتراكمة التي شهدتها أسعار المواد الاستهلاكية خلال السنوات الماضية، فضلا عن اختلاف استجابة الأسر لارتفاع الأسعار وانخفاضها.
وأوضحت المندوبية، في تحليل خاص ضمن مذكرة الظرفية الاقتصادية، أن الفجوة بين التضخم المقاس إحصائيا والتضخم الذي تشعر به الأسر لا تعكس بالضرورة تناقضا بين الواقع والأرقام الرسمية، وإنما ترتبط باختلاف المعايير التي يعتمدها كل طرف في تقييم تطور الأسعار، إذ تستند المؤشرات الإحصائية إلى تغيرات الأسعار خلال فترات محددة، بينما تبني الأسر أحكامها انطلاقا من تجربتها الاستهلاكية اليومية ومستويات الأسعار التي تراكمت على مدى سنوات.
تداعيات 2022 و2023 مستمرة
أبرزت المندوبية أن أسعار المواد الغذائية سجلت ارتفاعات قوية بلغت 11 في المئة خلال سنة 2022، قبل أن ترتفع بنسبة إضافية قدرها 12.5 في المئة خلال سنة 2023، وهي زيادات ساهمت في انتقال أسعار عدد من المنتجات إلى مستويات أعلى بكثير مقارنة بالفترة السابقة لموجة التضخم.
ورغم أن مؤشر أسعار المواد الغذائية عرف شبه استقرار خلال سنتي 2024 و2025، فإن ذلك لم يؤد إلى تراجع مماثل في إحساس الأسر بارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما دفع المندوبية إلى البحث في الأسباب التي تجعل تقييم المواطنين للأسعار مختلفا عن المسار الذي تعكسه المؤشرات الرسمية.
ويكمن أحد التفسيرات الأساسية لهذه الظاهرة في الفرق بين انخفاض معدل التضخم وانخفاض المستوى العام للأسعار، إذ إن تراجع التضخم يعني، في حالات كثيرة، تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار، وليس بالضرورة عودتها إلى المستويات التي كانت عليها قبل موجات الغلاء.
فإذا شهد منتج استهلاكي ارتفاعا كبيرا في ثمنه خلال سنتين متتاليتين، ثم استقر سعره بعد ذلك، فإن مؤشر التضخم قد يعكس توقف الزيادة أو تباطؤها، بينما تظل الأسرة مطالبة بأداء تكلفة أعلى لاقتناء الكمية نفسها من المنتج مقارنة بما كانت تنفقه قبل تلك الارتفاعات.
وفي هذا السياق، تشير نتائج الدراسة إلى أن الأسر لا تقارن الأسعار الحالية بالضرورة بأسعار السنة السابقة فقط، بل تستحضر أيضا المستوى الذي بلغته الأسعار بعد سلسلة من الزيادات المتعاقبة، وهو ما يجعل أثر موجات الغلاء السابقة حاضرا في تقييماتها حتى بعد تراجع التضخم.
لماذا تختلف الأرقام الرسمية عن واقع الاستهلاك اليومي؟
سلطت “مندوبية بنموسى” الضوء على الاختلاف بين المنهجية المعتمدة لقياس التضخم والطريقة التي تشكل بها الأسر تصوراتها بشأن الأسعار.
ويستند المؤشر الرسمي لأسعار الاستهلاك إلى بحث شهري تجريه المندوبية يشمل نحو 90 ألف نقطة بيع، اعتمادا على سلة مرجعية تضم 546 مادة و1391 صنفا من المنتجات والخدمات التي تستهلكها الأسر.
ويسمح هذا النظام الإحصائي بتتبع تطور أسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات، واستخراج معدل عام يعكس التحولات التي تعرفها الأسعار على مستوى الاقتصاد.
في المقابل، تتشكل تصورات الأسر من خلال تجربتها المباشرة مع النفقات اليومية، وما تسجله من تغيرات في أثمان المنتجات التي تقتنيها بصورة متكررة، ومدى تأثير هذه المشتريات في ميزانيتها.
وتكتسي المواد الغذائية أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى أنها تمثل 38.93 في المئة من سلة الاستهلاك المعتمدة في احتساب المؤشر، وفق بنية سنة الأساس.
وتؤكد مندوبية التخطيط أن تقييم الأسر لتطور أسعار المواد الغذائية لا يشكل مجرد متوسط إحصائي للتغيرات المسجلة في الأسواق، بل هو تقييم انتقائي يتأثر بتكرار عمليات الشراء، والأهمية التي تحتلها المنتجات في ميزانية الأسرة، ومدى وضوح التغيرات التي تعرفها الأسعار والعرض في الأسواق.
وبذلك، يمكن أن يؤدي انخفاض أسعار بعض المنتجات أو استقرار فئات معينة من السلع إلى تراجع المؤشر العام للتضخم، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة بالدرجة نفسها على تقييم الأسر، خصوصا عندما تظل المنتجات التي تستحوذ على جزء مهم من نفقاتها عند مستويات مرتفعة.
ارتفاع الأسعار أشد أثرا من تراجع التضخم
ومن أبرز النتائج التي توصل إليها التحليل وجود عدم تماثل في استجابة الأسر المغربية لتحركات الأسعار، إذ أظهرت الاختبارات الإحصائية أن الزيادات في أسعار المواد الغذائية تترك أثرا واضحا وذا دلالة إحصائية في تقييمات الأسر، بينما لا تؤدي الانخفاضات إلى تأثير مماثل يمكن إثباته إحصائيا.
واعتمدت المندوبية في اختبار هذه الفرضية على نموذج اقتصادي قياسي يميز بين تأثير التغيرات الإيجابية والسلبية في مؤشر أسعار المواد الغذائية.
وأظهرت النتائج أن فترات ارتفاع الأسعار تؤثر بشكل دال إحصائيا في آراء الأسر، بمعامل مقدر في النموذج بلغ ناقص 2.51، في حين لم يظهر لتراجع الأسعار تأثير ذو دلالة إحصائية، رغم تسجيل معامل مقدر بلغ 0.92.
وتعني هذه النتيجة أن استجابة الأسر لارتفاع الأسعار ليست مماثلة لاستجابتها لانخفاضها، وأن موجات الغلاء السابقة قد تترك أثرا أكثر استمرارا في المعايير التي تستعملها الأسر للحكم على تطور الأسعار.
وبحسب التحليل، فإن تباطؤ ارتفاع أسعار المواد الغذائية أو تسجيل انخفاض محدود ومؤقت لا يكفي بالضرورة لإعادة تقييم الأسر للأسعار إلى مستوياتها السابقة، بعدما ترسخت في تجربتها الاستهلاكية آثار الزيادات القوية التي عرفتها السنوات الماضية.
كما تشير هذه النتائج إلى أن الارتفاعات السابقة تظل حاضرة في المقارنات التي تجريها الأسر عند تقييم تكاليف المعيشة، في حين لا تؤدي الانخفاضات الأخيرة بالضرورة إلى تغيير سريع في هذه المقارنات.
الأسر تستحضر الغلاء المتراكم
ولفهم الأسباب العميقة لهذه الفجوة، اختبرت المندوبية فرضية مفادها أن الأسر تعتمد في تقييم الأسعار على المستوى التراكمي الذي بلغته، وليس فقط على التغيرات المسجلة خلال الفترة الأخيرة.
واستند التحليل إلى مقاربة اقتصادية قياسية تقارن بين تفسيرين مختلفين لتصورات الأسر؛ الأول يربطها بالتغيرات الحديثة في معدل التضخم، والثاني يربطها بالمستوى المتراكم للأسعار نتيجة الزيادات السابقة.
وأظهرت الاختبارات أن تقييمات الأسر ترتبط بصورة أقوى إحصائيا بالمستوى التراكمي الذي وصلت إليه الأسعار مقارنة بالاعتماد على تغيراتها الأخيرة وحدها.
واعتبرت المندوبية أن هذه النتيجة تقدم تفسيرا مهما لاستمرار الفجوة بين التضخم الرسمي والتضخم المتصور، لأنها توضح أن شعور الأسر بالغلاء لا ينتج فقط عن تأخرها في التفاعل مع التغيرات الحديثة، وإنما يرتبط أيضا باستحضار الزيادات المتراكمة التي شهدتها الأسعار خلال الفترات السابقة.
ومن هذا المنطلق، فإن انخفاض وتيرة ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة أن الأسر ستشعر بتحسن فوري في ظروفها الاستهلاكية، ما دامت تقارن نفقاتها الحالية بالمبالغ التي كانت تخصصها للاستهلاك قبل موجات الغلاء.
وخلصت الدراسة إلى أن الارتفاعات القوية المسجلة منذ سنة 2021 جعلت التطور التراكمي للأسعار يحتل مكانة مهمة في المرجعية التي تعتمدها الأسر لتقييم وضع الأسعار، إلى جانب التأثير غير المتكافئ للارتفاعات والانخفاضات الأخيرة.
كيف تتقلص الفجوة بين التضخم الرسمي والمتصور؟
ولم تكتف المندوبية السامية للتخطيط برصد الاختلاف بين المؤشرات الرسمية وتقييمات المواطنين، بل سعت إلى قياس طبيعة العلاقة بينهما على المديين القصير والطويل، اعتمادا على 54 مشاهدة فصلية مستمدة من بيانات أسعار الاستهلاك ونتائج البحث الظرفي لدى الأسر.
وكشفت الاختبارات عن وجود علاقة مستقرة على المدى الطويل بين تطور أسعار المواد الغذائية والتقييمات التي تقدمها الأسر، رغم التباعد الذي يمكن أن يظهر بينهما خلال فترات معينة.











