خلص تقرير استراتيجي صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة إلى أن البرنامج الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري يقدم تصورا متماسكا يجمع بين تعزيز الدولة الاجتماعية وبناء اقتصاد منتج وترسيخ السيادة الاستراتيجية، معتبرا أن محاربة تضارب المصالح وإصلاح منظومة الصفقات العمومية والإدماج الاقتصادي تشكل أبرز مجالات التجديد في التوجهات الحكومية.
التقرير الاستراتيجي الصادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، الذي توصلت به AM+MEDIA، أكد أن البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان، يتميز بتماسك أولوياته الاقتصادية والاجتماعية والسيادية ويحتفظ بمعظم الالتزامات المرقمة التي تضمنها البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، مع إدخال توجهات جديدة في مجالات النزاهة ومحاربة تضارب المصالح والصفقات العمومية والإدماج الاقتصادي، معتبرا أن الرهان الأساسي للمرحلة المقبلة يتمثل في تحويل هذه الالتزامات إلى نتائج قابلة للقياس والتقييم.
وكشف التقرير، الذي أصدره المركز تحت عنوان “البرنامج الحكومي 2026-2031: من تعاقد الأولويات إلى اختبار التنفيذ”، أن الوثيقة الكاملة للبرنامج الحكومي تتضمن 74 هدفا كميا مقابل 25 هدفا وردت في نص العرض الذي قدمته رئيسة الحكومة أمام مجلسي البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، وهو ما يعكس بحسب المركز اتساع المضامين الإجرائية والكمية للبرنامج مقارنة بما أظهره العرض البرلماني.
واعتبر المركز، أن البرنامج يقدم تصورا متماسكا يربط بين بناء الدولة الاجتماعية وتعزيز الاقتصاد المنتج وترسيخ السيادة الاستراتيجية، مع انتقال معلن من التركيز على الوسائل والاعتمادات إلى تقييم السياسات العمومية بناء على نتائجها الفعلية وأثرها في حياة المواطنين.
وسجل التقرير أن القيمة المضافة للبرنامج الحكومي تتجلى على نحو خاص، في المنافع الاجتماعية وأهداف الإدماج الاقتصادي وأدوات الإلزام المؤسساتي، أكثر مما تتجلى في إعادة إعلان الأهداف الاستراتيجية الكبرى التي سبق أن اعتمدتها المملكة ضمن سياساتها القطاعية.
غير أن هذه الخلاصات الإيجابية اقترنت بتأكيد المركز أن نجاح البرنامج يظل رهينا باستكمال شروط التنفيذ، وفي مقدمتها تحديد الكلفة الإجمالية للالتزامات ومصادر تمويلها، ونشر المؤشرات المرجعية والمسارات السنوية للإنجاز، وتعيين الجهات المسؤولة عن كل التزام.
محاربة تضارب المصالح والنزاهة.. أبرز مجالات التجديد المؤسساتي
وضع التقرير الالتزامات المرتبطة بمحاربة الفساد وتضارب المصالح في مقدمة عناصر التجديد التي يحملها البرنامج الحكومي، معتبرا أن حزمة النزاهة تمثل أحد أوضح مجالات الإضافة المؤسساتية في التوجهات المعلنة من طرف حكومة المنصوري.
وفي هذا السياق، توقف المركز عند التزام الحكومة باستكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، من خلال إعداد قانون لتنازع المصالح، وتجريم إفشاء المعلومات بغرض الحصول على امتيازات، وتعزيز حماية الموظفين المبلغين عن الفساد، وإقرار نظام موحد للتصريح الإجباري بالممتلكات.
كما أبرز التقرير التوجه نحو مراجعة الفصل 245 من القانون الجنائي، بما يسمح بتوسيع نطاق التجريم ليشمل أشكالا متعددة ومتجددة من المصالح غير المشروعة التي لا تغطيها المقتضيات الحالية.
واستحضر المركز إعلان رئيسة الحكومة، خلال تقديم البرنامج أمام البرلمان، الالتزام بتجريم الإثراء غير المشروع، مشيرا إلى أن هذا المقتضى سبق أن كان موضوع نقاش تشريعي قبل سحبه من مشروع القانون الجنائي سنة 2021.
وسجل التقرير، في هذا الصدد، تمييزا بين نص العرض البرلماني الذي تضمن إعلان تجريم الإثراء غير المشروع، والوثيقة الحكومية الكاملة التي لم تستعمل العبارة نفسها، وإن تضمنت إجراءات تشريعية أخرى مرتبطة بمحاربة المصالح غير المشروعة.
واعتبر المركز أن هذه التوجهات يمكن أن تشكل تحولا مؤسساتيا مهما في تدبير العلاقة بين السلطة والمسؤولية والمصلحة الخاصة، شريطة ترجمتها إلى نصوص قانونية واضحة وآليات فعالة للتطبيق والمراقبة والمساءلة.
الصفقات العمومية.. التزام جديد يمنح المقاولات المغربية حصة من الإنفاق العمومي
ومن بين المقتضيات التي خصها التقرير بتقييم إيجابي، التزام الحكومة بتخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، مع إقرار حصة فرعية تبلغ 2 في المائة لفائدة الشركات الناشئة.
واعتبر المركز أن هذا التوجه يمثل أحد أبرز عناصر التجديد في البرنامج الحكومي، بالنظر إلى انتقاله من مجرد تشجيع مشاركة المقاولات في الطلبية العمومية إلى إقرار التزام قانوني يقع على عاتق أصحاب الطلبيات العمومية أنفسهم.
وأوضح التقرير أن الوثيقة الكاملة تقرن هذا الالتزام بعقوبات مالية وقانونية في حالة الإخلال به، فضلا عن آليات لتتبع الحصيلة السنوية، بما يمكن أن يعزز مساهمة الإنفاق العمومي في دعم النسيج الاقتصادي الوطني.
ولفت إلى أن هذا التوجه يختلف عن المقتضيات المعمول بها منذ إصلاح الصفقات العمومية سنة 2023، المتعلقة بحجز نسبة من الصفقات المبرمجة، كما أنه يرفع مستوى الطموح مقارنة بالنسبة البالغة 15 في المائة من قيمة الصفقات التي اقترحها البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة.
وفي المقابل، شدد المركز على أن الأثر الاقتصادي لهذا الالتزام سيظل مرتبطا بإصدار النصوص التنظيمية والقواعد الملزمة، وتحديد طريقة احتساب النسبة، وضبط تعريف المقاولات المستفيدة وآجال الأداء، حتى تتحول الحصة المعلنة إلى استفادة فعلية قابلة للقياس.
الدولة الاجتماعية.. مضاعفة الدعم ورفع المعاشات وتوسيع الحماية
وعلى المستوى الاجتماعي، سجل التقرير أهمية الالتزامات التي يتضمنها البرنامج الحكومي لتحسين القدرة الشرائية وتوسيع الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم.
واعتبر المركز أن هذا الالتزام يعكس توجها نحو توسيع المنافع الاجتماعية المباشرة، إلى جانب التعهد برفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم، وهو ما يمثل، وفق المقارنة التي أوردها التقرير، ثلاثة أضعاف الحد الأدنى المعتمد في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وضعف نظيره في الصندوق المغربي للتقاعد.
كما أبرز التقرير الالتزامات المرتبطة بتعويض الكهرباء وإصلاح الضريبة على الدخل، من خلال إعفاء الدخل الصافي إلى حدود 60 ألف درهم سنويا، وخفض المعدل الهامشي إلى 30 في المائة، بعد تقييم الكلفة المالية للإصلاح.
وسجل المركز أن هذه الإجراءات تمنح البرنامج الحكومي بعدا اجتماعيا واضحا، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بدخل الأسر وقدرتها الشرائية، لكنه أكد أن تقدير أثرها الفعلي يستلزم تحديد الفئات المستفيدة وشروط الاستحقاق والجدولة الزمنية ومصادر التمويل.
وفي هذا الإطار، قدم التقرير حسابا توضيحيا يفيد بأن زيادة الدعم بـ500 درهم شهريا لمليون أسرة تتطلب 6 مليارات درهم إضافية سنويا، فيما قد تبلغ الكلفة 23.4 مليار درهم في سيناريو افتراضي يستفيد فيه 3.9 ملايين أسرة من الزيادة الكاملة طوال سنة.
وشدد المركز على أن هذا الرقم الأخير ليس كلفة رسمية أو تقديرا مرجحا، وإنما محاكاة حسابية مشروطة، لأن رفع الحد الأدنى للدعم لا يعني بالضرورة استفادة جميع الأسر من زيادة موحدة بقيمة 500 درهم.
التشغيل.. مليون منصب شغل وهدف خفض البطالة إلى 7 في المائة
وفي ملف التشغيل، أبرز التقرير أن الوثيقة الكاملة للبرنامج الحكومي حافظت على أحد أبرز الالتزامات الانتخابية لحزب الأصالة والمعاصرة، والمتمثل في إحداث ما يقارب مليون منصب شغل خلال الولاية الحكومية.
وسجل المركز أن هذا الهدف، الذي لم يظهر في نص العرض البرلماني بالصيغة الرقمية نفسها، ورد صراحة في الوثيقة الكاملة، إلى جانب الالتزام بخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة بحلول سنة 2031.
كما يتضمن البرنامج رفع معدل نشاط النساء إلى 21.2 في المائة، وتقليص عدد الشباب غير المشتغلين وغير المتمدرسين وغير المستفيدين من التكوين بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول نهاية الولاية.
واعتبر التقرير أن هذه الالتزامات تمنح سياسة التشغيل أهدافا كمية يمكن إخضاعها للتتبع والمساءلة، خصوصا في ما يتعلق بإدماج الشباب والنساء في سوق العمل.
وأوضح أن هدف المليون منصب يتوزع على خمسة مكونات، من بينها 360 ألف منصب مرتبط بكأس العالم 2030، و250 ألف منصب صافٍ في الصناعة، فضلا عن مكونات أخرى في الخدمات والاقتصاد المعرفي والفلاحة والرياضة.
غير أن المركز دعا إلى ضبط تعريف المناصب المستهدفة والتمييز بين إحداث فرص العمل الصافية وأعداد المستفيدين من برامج التكوين والتأهيل والتجربة المهنية، مع تحديد المسار السنوي للإنجاز ومؤشرات استمرارية المناصب وجودتها.
كما نبه إلى أن تحقيق مليون منصب خلال خمس سنوات يقتضي وتيرة تقارب 200 ألف منصب سنويا، وهو ما يستدعي تسارعا كبيرا مقارنة بمتوسط صافي إحداث فرص العمل خلال السنوات السابقة التي اعتمدها التقرير في مقارنته.
وأكد أن قياس النجاح في هذا المجال ينبغي أن يشمل، إلى جانب عدد المناصب المحدثة، قدرة المستفيدين من برامج التأهيل على الاندماج الفعلي في سوق الشغل، واستمرارية التشغيل، وتطور مشاركة النساء والشباب في النشاط الاقتصادي.











