وضعت المسودة الأمريكية الأولية لمشروع قرار مجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء المرتقب التصويت عليه قبل نهاية أكتوبر الجاري، جبهة البوليساريو أمام تحول محتمل في مسار التسوية الأممية، بعدما تضمنت مقتضيات تقترح اعتماد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا وحيدا للمفاوضات وإنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو” بصيغتها الحالية، تمهيدا لتعويضها ببعثة سياسية خاصة في توجه أثار اعتراض الجبهة التي لوحت بالانسحاب من العملية السياسية برمتها إذا جرى اعتماد المشروع دون تعديلات جوهرية.
ووفق ما جاء في تفاصيل النص الأولي، الذي أعدته الولايات المتحدة بصفتها حاملة القلم في ملف الصحراء داخل مجلس الأمن، فإن المقاربة الجديدة تتجاوز التمديد الدوري لولاية المينورسو، نحو إعادة النظر في طبيعة الحضور الأممي بالإقليم والمرجعية السياسية التي يفترض أن تؤطر المفاوضات المقبلة، مع منح المبادرة المغربية للحكم الذاتي موقعا مركزيا في تصور الحل النهائي للنزاع.
الوثيقة المؤرخة في 20 أكتوبر 2026، والتي جرى تداولها في سياق المشاورات السابقة للتصويت المرتقب، أوردت أن المشروع يقترح مجموعة من التغييرات المرتبطة بمستقبل البعثة الأممية، وآليات التفاوض، والتزامات الأطراف، إلى جانب مقتضيات تتعلق بمخيمات تندوف وتوسيع المشاورات لتشمل أصواتا صحراوية خارج الأطراف المشاركة تقليديا في العملية السياسية وتظل هذه المقتضيات مقترحات واردة في نسخة أولية، قابلة للتعديل خلال المفاوضات بين أعضاء مجلس الأمن، قبل اعتماد الصيغة النهائية للقرار.
الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في صلب المشروع الأمريكي
يبرز التحول الأهم في المسودة الأمريكية من خلال الصياغة المقترحة بشأن الحل السياسي للنزاع، إذ تشير الوثيقة المتداولة إلى اعتبار الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية الحل الوحيد الممكن لتسوية قضية الصحراء، مع الدعوة إلى اتخاذ المبادرة المغربية الموسعة والمحيّنة أساسا حصريا للمفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة.
وتكتسي هذه الصياغة أهمية خاصة بالنظر إلى انتقالها من التأكيد على أهمية المبادرة المغربية ضمن جهود البحث عن تسوية سياسية، إلى اقتراح تحديد إطار المفاوضات المقبلة على أساس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مع الإبقاء على مقتضيات تتعلق بالتوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من الأطراف ومتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة.
كما تتضمن المسودة إشارات إلى تحيين المغرب لمقترح الحكم الذاتي وتوسيعه، بما يجعل النسخة المطورة من المبادرة مرجعا للعملية التفاوضية المقترحة، في انتظار ما ستسفر عنه المشاورات بين أعضاء مجلس الأمن بشأن الصياغة النهائية لهذه المقتضيات.
وتستحضر الوثيقة، جولات من المفاوضات المباشرة بمشاركة المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، وبتيسير من الولايات المتحدة والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، مع الترحيب بالجهود الرامية إلى دفع العملية السياسية نحو تسوية نهائية.
غير أن اعتماد الحكم الذاتي أساسا حصريا للمفاوضات، في حال الإبقاء على هذه الصياغة، سيشكل تغييرا في الإطار الذي يراد أن تتحرك داخله العملية السياسية وهو ما يفسر جانبا من اعتراض البوليساريو على مضمون المشروع الأمريكي.
إنهاء المينورسو بصيغتها الحالية وتعويضها ببعثة سياسية
ولا تقف التعديلات المقترحة عند حدود المرجعية السياسية للمفاوضات، إذ تتجه المسودة إلى إعادة هيكلة الحضور الأممي في الصحراء، من خلال اقتراح إنهاء مهمة المينورسو بصفتها بعثة لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، وتعويضها ابتداء من فاتح ماي من السنة نفسها ببعثة سياسية خاصة، تستمر ولايتها إلى غاية 31 أكتوبر 2027.
ويتضمن المشروع، حذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسمية البعثة، في خطوة ترتبط بإعادة تحديد طبيعة مهامها، بعدما ظلت تحمل منذ إحداثها سنة 1991 اسم بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء.
كما يقترح تقليص المكون النظامي للبعثة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول 31 يناير 2027، إلى جانب إعادة تنظيم مواقع انتشارها، عبر دمج بعض المواقع وإغلاق أخرى، بما ينسجم مع تصور جديد للحضور الأممي خلال المرحلة المقبلة.
وتطلب المسودة من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم تصور بشأن طبيعة البعثة السياسية الجديدة ومهامها وتركيبتها بحلول 15 دجنبر 2026، تمهيدا لاتخاذ الإجراءات المتعلقة بالانتقال من مهمة حفظ السلام إلى المهمة السياسية المقترحة.
وتعكس هذه المقتضيات اتجاها أمريكيا نحو ربط مستقبل الوجود الأممي بالتقدم في المسار السياسي، بعدما ارتبطت مهمة المينورسو منذ تأسيسها بترتيبات وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء لم يُنظم.
تسجيل اللاجئين بتندوف وتوسيع المشاورات الصحراوية
وتعيد المسودة الأمريكية إثارة ملف تسجيل اللاجئين الموجودين بمخيمات تندوف، من خلال الدعوة إلى استكمال عملية التسجيل تحت إشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعيدا عن أي تدخل من الأطراف المعنية بالنزاع.
ويكتسي هذا المقتضى أهمية بالنظر إلى استمرار الخلاف بشأن الإحصاء الفردي لسكان المخيمات، في وقت سبق أن تناولت فيه قرارات أممية مسألة تسجيل اللاجئين باعتبارها مرتبطة بتحديد أوضاعهم واحتياجاتهم الإنسانية.
وفي جانب آخر، تقترح الوثيقة توسيع نطاق المشاورات التي يجريها المبعوث الشخصي للأمين العام، لتشمل صحراويين داخل الإقليم وفي مخيمات تندوف والشتات، بمن فيهم أشخاص لا ينتمون إلى الأطراف المشاركة في المفاوضات.
ومن شأن الإبقاء على هذا المقتضى توسيع دائرة الاستماع إلى المواقف والتصورات المرتبطة بمستقبل النزاع، دون أن يعني ذلك، في حد ذاته، تغيير الأطراف الرسمية المشاركة في العملية السياسية أو إقصاء أحدها.
وتتضمن المسودة كذلك مقتضيات تتعلق بضرورة احترام وقف الأعمال العدائية، إلى جانب إشارة إلى الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة في 5 ماي 2026، وفق النص المتداول، فضلا عن التأكيد على ضرورة انخراط الأطراف بصورة بناءة في الجهود السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.
وتذهب إحدى الفقرات التنفيذية إلى التعبير عن اعتزام مجلس الأمن النظر في تدابير إضافية إذا لم تنخرط الأطراف بصورة بناءة في العملية السياسية، دون تحديد طبيعة هذه التدابير أو الإجراءات التي قد تترتب عنها.
البوليساريو ترفض المسودة وتلوح بمغادرة العملية السياسية
وأثار مضمون المشروع الأمريكي اعتراضا من جبهة البوليساريو، التي سارعت إلى توجيه رسالة إلى رئاسة مجلس الأمن الدولي، اعتبرت فيها أن الوثيقة تعكس الموقفين الأمريكي والمغربي بشأن مستقبل النزاع وتخرج بحسب تقييمها، عن الأسس القانونية والسياسية التي تتمسك بها الجبهة في معالجة قضية الصحراء.
واعتبرت الجبهة، في الرسالة المنسوبة إلى ممثلها لدى الأمم المتحدة، أن المسودة الأولية تمثل “انحرافا خطيرا آخر وغير مسبوق” عن مبادئ القانون الدولي التي تعتبر البوليساريو أنها تؤطر القضية بوصفها مسألة تصفية استعمار، وكذلك عن المرجعية التي درج مجلس الأمن على تناول الملف في إطارها.
وأبدت الجبهة رفضها لما اعتبرته تحديدا مسبقا لنتيجة المفاوضات، من خلال حصر الحل في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، معتبرة أن هذه الصياغة لا تترك من وجهة نظرها مجالا للتفاوض بشأن الخيارات الأخرى التي تطالب بإبقائها مطروحة.
وشددت الرسالة على أن مضمون المشروع الأولي لا يمكن أن يشكل أساسا للمداولات المتعلقة بمستقبل المينورسو أو العملية السياسية، معتبرة أن المقترحات الأمريكية تمس بالمرجعية التي تستند إليها الجبهة في موقفها من النزاع.
وذهبت البوليساريو إلى التلويح بخطوة أكثر تصعيدا، بعدما أعلنت أنه إذا اعتمد مجلس الأمن المسودة دون إدخال تغييرات جوهرية وهادفة، فلن يكون أمامها خيار سوى الانسحاب من العملية السياسية برمتها.
ويمثل هذا الموقف تهديدا مشروطا بالصيغة النهائية للقرار، وليس إعلانا عن انسحاب فعلي من المسار الأممي، كما يضع اعتراض الجبهة ضمن محاولات التأثير في المفاوضات الجارية حول مشروع القرار قبل عرضه على التصويت.
وتأتي هذه التطورات قبل أيام من انتهاء ولاية المينورسو في 31 أكتوبر الجاري، وهو الموعد الذي يفرض على مجلس الأمن البت في مستقبل البعثة الأممية، سواء من خلال تمديد مهمتها الحالية أو اعتماد تعديلات على طبيعة انتشارها واختصاصاتها.
وكان القرار رقم 2797، المعتمد في أكتوبر 2025، قد مدد ولاية المينورسو لمدة سنة، إلى جانب طلب مراجعة استراتيجية لمستقبل البعثة، وهو ما يمنح النقاش الحالي بشأن إعادة هيكلتها خلفية أممية سابقة على المشروع الأمريكي الجديد.
وتتولى الولايات المتحدة، بصفتها حاملة القلم في الملف، إعداد مشروع القرار وقيادة المشاورات بشأنه، غير أن اعتماد أي مقتضيات جديدة يظل خاضعا لمفاوضات أعضاء مجلس الأمن والتصويت وفق القواعد المعمول بها داخل الجهاز الأممي.
وتضع المسودة المتداولة أمام أعضاء المجلس مسألتين مترابطتين، تتعلق الأولى بالمرجعية التي ستؤطر المفاوضات السياسية، فيما تتصل الثانية بمستقبل الآلية الأممية التي واكبت النزاع طوال العقود الماضية.











