تجاوزت قيمة المشاريع الاستثمارية التي صادقت عليها اللجنة الوطنية للاستثمارات عتبة 550 مليار درهم، التي حددها الملك محمد السادس هدفا للاستثمار الخاص خلال الفترة 2022-2026 غير أن الحصيلة التي كشفت عنها وزارة الاقتصاد والمالية تضع هذا الإنجاز المالي أمام اختبار أكثر تعقيدا يتعلق بمدى تحول الاتفاقيات الموقعة إلى استثمارات منفذة ومناصب شغل فعلية، بعدما أظهرت الأرقام أن المشاريع الـ322 المصادق عليها منذ مارس 2023، بقيمة تقارب 555 مليار درهم، لا تتوقع إحداث سوى 203 آلاف منصب شغل، أي ما يعادل 40.6 في المائة من هدف نصف مليون منصب.
وتطرح هذه المعطيات سؤالا يتجاوز حجم الأموال التي نجحت المملكة في تعبئتها على مستوى المشاريع الاستثمارية الكبرى، ليطال طبيعة الاستثمارات المعتمدة وقدرتها على استيعاب اليد العاملة، والآجال الفاصلة بين المصادقة الإدارية والدخول الفعلي للمشاريع مرحلة الإنتاج.
وكان جلالة الملك في خطابه بمناسبة افتتاح البرلمان يوم 14 أكتوبر 2022، قد وضع الاستثمار المنتج في صلب أولويات إنعاش الاقتصاد الوطني، وربط تعبئة 550 مليار درهم من الاستثمارات الخاصة بهدف إحداث 500 ألف منصب شغل خلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2026.
كلفة الاستثمار مقابل التشغيل.. ماذا تكشف الأرقام؟
تظهر القراءة الحسابية لحصيلة اللجنة الوطنية للاستثمارات أن متوسط الغلاف المالي لكل مشروع مصادق عليه يبلغ نحو 1.72 مليار درهم، بينما يصل متوسط الاستثمار المعلن مقابل كل منصب شغل متوقع إلى 2.73 ملايين درهم.
وتكتسب هذه النسبة دلالتها عند مقارنتها بالهدف الأصلي للميثاق الوطني للاستثمار الذي يفترض على المستوى الحسابي، تعبئة 1.1 مليون درهم من الاستثمارات مقابل كل منصب شغل مستهدف، وبذلك، فإن متوسط الاستثمار لكل وظيفة مرتقبة ضمن محفظة اللجنة الوطنية يعادل نحو مرتين ونصف المتوسط المستخلص من الهدف العام.
لكن هذه المقارنة لا تعني أن المشاريع المصادق عليها مرتفعة الكلفة بالضرورة أو أنها أخفقت في تحقيق مردودية اقتصادية مناسبة، فالصناعات الرأسمالية الكبرى من قبيل صناعة البطاريات والمكونات الصناعية المتطورة تتطلب تجهيزات ومنشآت باهظة الكلفة ولا يمكن تقييم مردوديتها اعتمادا على عدد العمال وحده.
وتتحدد قيمتها الاقتصادية أيضا بحجم الصادرات، ونسبة الإدماج المحلي والقيمة المضافة والمشتريات من المقاولات الوطنية، ومستوى التأهيل التقني للوظائف التي تحدثها.
ويقدم مشروع مصنع البطاريات التابع للمجموعة الصينية “غوشن هاي تيك” بالقنيطرة نموذجا لهذه الاستثمارات، فقد وقعت الدولة المغربية في يونيو 2024 اتفاقية بقيمة 12.8 مليار درهم لإنجاز المرحلة الأولى من المشروع بطاقة إنتاجية معلنة تبلغ 20 جيغاواط ساعة، مع توقع توفير 17 ألف فرصة شغل مباشرة وغير مباشرة ومستحثة، بينها 2300 منصب يتطلب مؤهلات عالية.
وتعادل القيمة المالية لهذه المرحلة نحو 2.3 في المائة من مجموع الاستثمارات التي وافقت عليها اللجنة الوطنية، في حين تمثل فرص الشغل المرتبطة بها 8.4 في المائة من الإجمالي المعلن.
اللجان الجهوية.. استثمارات أصغر وفرص تشغيل أقرب إلى المقاولات
على مستوى آخر، كشفت معطيات اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار عن بنية مختلفة للمشاريع التي تستفيد من آليات الدعم.
فمنذ يناير 2025، صادقت هذه اللجان على 155 اتفاقية استثمارية تتجاوز قيمتها 9.2 مليارات درهم، مع توقع إحداث 12 ألفا و481 منصب شغل مباشر في إطار نظام الدعم الأساسي الموجه للمشاريع التي تقل قيمتها عن 250 مليون درهم، أو النظام الخاص بالمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.
وبلغ متوسط الاستثمار لكل اتفاقية نحو 59.4 مليون درهم، مقابل حوالي 80 منصب شغل مباشر. وباحتساب الغلاف الإجمالي المعلن، يصل متوسط الاستثمار لكل وظيفة مباشرة مرتقبة إلى نحو 737 ألف درهم.
وهذه النسبة أقل بكثير من متوسط 2.73 ملايين درهم المسجل في محفظة اللجنة الوطنية للاستثمارات، مع ضرورة الانتباه إلى أن المقارنة لا تقوم على تعريف موحد للتشغيل، وأنها تشمل مشاريع متفاوتة في طبيعتها وحجمها وآجال تنفيذها.
وتشير هذه الفوارق إلى أهمية التمييز بين المشاريع الصناعية الكبرى التي تستقطب رؤوس أموال ضخمة، والاستثمارات المتوسطة والصغرى التي قد تكون أكثر كثافة من حيث التشغيل المباشر.
وتنسجم هذه القراءة مع البنية التي اعتمدها الميثاق الجديد للاستثمار، القائم على تعدد آليات الدعم وتحسين مناخ الأعمال وإرساء حكامة استثمارية موحدة ذات امتداد ترابي، وفق التصور المنشور من طرف الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات.
وفي حصيلة أوسع لنشاط اللجان الجهوية خلال سنة 2025، جرى فحص 5669 مشروعا، تمت الموافقة على 4045 منها، باستثمارات تقارب 200 مليار درهم، مع توقع إحداث 178 ألفا و773 منصب شغل.
وبلغت نسبة قبول الملفات 71 في المائة، فيما تراجع متوسط مدة اتخاذ القرار من 15 يوما إلى تسعة أيام وشكل تقليص آجال البت في الملفات مؤشرا على تحسن سرعة المعالجة الإدارية، غير أن هذه السرعة لا تقدم جوابا عن المدة التي تستغرقها المشاريع للحصول على التمويل أو اقتناء العقار أو إطلاق الأشغال أو بدء النشاط الاقتصادي.
الاستثمارات الأجنبية.. 60.6 مليار درهم من المداخيل و31.2 مليارا من التدفقات الصافية
قدمت بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر مؤشرا مكملا لقراءة الحصيلة الاستثمارية، لأنها تقيس تدفقات مالية مسجلة، بخلاف محفظة المشاريع التي تتضمن التزامات تمتد على سنوات.
وبحسب المعطيات التي أوردتها وزارة الاقتصاد والمالية، بلغت مداخيل الاستثمارات الأجنبية المباشرة 60.6 مليار درهم سنة 2025، بارتفاع نسبته 86.1 في المائة مقارنة بسنة 2021.
أما صافي التدفقات، بعد احتساب التدفقات الخارجة، فبلغ 31.2 مليار درهم، مسجلا زيادة بنسبة 53.2 في المائة خلال الفترة نفسها.
ويعني ذلك أن الفارق بين المداخيل الإجمالية وصافي التدفقات وصل إلى 29.4 مليار درهم، دون أن يسمح هذا الرقم وحده بتحديد طبيعة العمليات التي تقف وراءه أو القطاعات المعنية بها ومن المهم هنا عدم الخلط بين قيمة المشاريع التي توافق عليها اللجنة الوطنية للاستثمارات وبين التدفقات الأجنبية المباشرة فالمشاريع الأولى قد تمولها رؤوس أموال مغربية أو أجنبية أو مشتركة، كما أن تنفيذها قد يستغرق عدة سنوات، في حين تتعلق المداخيل الأجنبية بالتدفقات المسجلة خلال فترة محاسبية محددة.
وقد أعاد القانون الإطار رقم 03.22، بمثابة ميثاق الاستثمار، تنظيم سياسة دعم الاستثمار الخاص، مع اعتماد آليات متعددة للتحفيز، وإصلاح مناخ الأعمال، وتعزيز الحكامة الترابية.
وكانت الرؤية المعلنة تقوم على تعبئة الاستثمار المنتج وتحسين مساهمته في النمو والتشغيل، بما ينسجم مع التوجيه الملكي لسنة 2022، الذي دعا الحكومة والقطاعين الخاص والبنكي إلى ترجمة التزاماتهم في إطار ميثاق وطني للاستثمار.
وسبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن أثار، في تقريره السنوي لسنة 2022 مجموعة من المسائل المرتبطة بفعالية هذا الإصلاح، من بينها ضرورة توضيح معايير تصنيف المشاريع الاستراتيجية، وضمان الانسجام بين الميثاق وصندوق محمد السادس للاستثمار، وتعزيز التتبع الميداني وتقييم أثر آليات الدعم.
وأوصى المجلس بإجراء تقييمات مستقلة لقياس نتائج التدخلات العمومية، بما يسمح بتصحيح الاختلالات خلال التنفيذ، عوض الاقتصار على تقييم التصميم الأولي للآليات.
البنك الدولي يرصد تقدما في القواعد التنظيمية وصعوبات في التنفيذ
وتساعد نتائج تقرير Business Ready 2025، الصادر عن البنك الدولي على فهم جانب من التحديات التي تواجه الاستثمار بالمغرب فقد حصلت المملكة على 63.44 نقطة من أصل 100، مقابل 62.41 نقطة في النسخة السابقة، متقدمة على المتوسط العالمي البالغ 60.11 نقطة، واحتلت المرتبة الثانية إفريقيا وعربيا، وفق النتائج المنشورة في دجنبر 2025.
وسجل المغرب 70.06 نقاط في الإطار التنظيمي، و64.55 نقطة في جودة الخدمات العمومية الموجهة للمقاولات، مقابل نحو 55.7 نقطة في النجاعة العملياتية، وهي أضعف ركائز تقييمه الثلاث.
كما أظهر التقرير أداء مرتفعا في خدمات المرافق العمومية والتجارة الدولية وإحداث المقاولات، مقابل هوامش للتحسين في سوق الشغل ومعالجة صعوبات المقاولات والنظام الضريبي.
وتعكس هذه النتائج تقدما في الإطار المؤسسي والتنظيمي للاستثمار، مع استمرار تفاوت الأداء بين جودة القواعد وفعالية تطبيقها. وهي ملاحظة تكتسب أهميتها بالنسبة للمشاريع الكبرى، التي ترتبط سرعة تنفيذها بتنسيق عدد من المتدخلين، من الإدارات والسلطات الترابية إلى المؤسسات المكلفة بالبنيات التحتية والتمويل.
مرصد الاستثمار.. آلية جديدة لقياس ما تحقق فعليا
وتتجه الحكومة، وفق مشروع قانون المالية لسنة 2027، إلى تعزيز أدوات تتبع الاستثمار عبر مرصد وطني ولوحة قيادة مشتركة للمراكز الجهوية للاستثمار، ومؤشرات لقياس المبالغ المصروفة ومناصب الشغل المحدثة والمداخيل الضريبية والآجال الإدارية والتوزيع الترابي للمشاريع المدعمة.
وقد أدرجت وزارة الاقتصاد والمالية الوثائق المتعلقة بمشروع قانون المالية لسنة 2027 على بوابتها الرسمية بتاريخ 23 أكتوبر 2026.
ولا يمثل تصور مرصد الاستثمار فكرة مستحدثة بالكامل، فالموقع الرسمي للوزارة المكلفة بالاستثمار يعرض المشروع باعتباره آلية لجمع بيانات موثوقة وشاملة وقابلة للاستغلال، بهدف قياس تطور الاستثمار وتوزيعه وتقييم السياسة الوطنية المعتمدة في هذا المجال.
وتبرز أهمية هذه الآلية في إمكانية الانتقال من تجميع القرارات والاتفاقيات إلى تتبع دورة حياة المشروع الاستثماري، بدءا من المصادقة والحصول على الدعم، مرورا بالتعبئة المالية والإنجاز، وصولا إلى الإنتاج والتشغيل.
ما الذي ينقص الحصيلة الاستثمارية؟
تكشف المعطيات المعلنة عن حجم مهم من المشاريع التي نجحت منظومة الاستثمار في استقطابها والمصادقة عليها، لكنها لا تقدم جميع العناصر اللازمة لإعداد تقييم نهائي للنتائج.
فلا تتضمن الأرقام الواردة في الحصيلة المعروضة توزيعا تفصيليا للمشاريع الـ322 بحسب درجة تقدم الإنجاز أو نسبة الاستثمارات التي صُرفت بالفعل أو عدد مناصب الشغل التي تم إحداثها والتحقق منها.
ولا تسمح هذه المعطيات أيضا بتحديد حجم الدعم العمومي المصروف مقابل كل مشروع، أو قياس أثره على القيمة المضافة والصادرات والإدماج الصناعي المحلي.
وتبقى حصيلة اللجنة الوطنية للاستثمارات مؤشرا مهما على حجم الالتزامات الاستثمارية التي جرى اعتمادها منذ مارس 2023، بينما يحتاج قياس النتائج النهائية إلى معطيات أشمل عن الاستثمار الخاص المنجز والتشغيل الفعلي في مجموع الاقتصاد.
ومع اقتراب نهاية الفترة المحددة للميثاق الوطني للاستثمار، تتجه الأنظار إلى ما ستكشفه الحصيلة النهائية لسنة 2026، خاصة بشأن المشاريع التي انتقلت إلى الإنتاج، وحجم الأموال التي ضُخت فعليا، والوظائف التي استحدثتها المقاولات.
فبعد المصادقة على مشاريع تتجاوز قيمتها نصف تريليون درهم، أصبح التحدي الأساسي أمام السياسة الاستثمارية هو إثبات الأثر الاقتصادي لهذه الالتزامات، ومدى مساهمتها في توسيع الإنتاج وخلق فرص شغل مستقرة.











