بعد خمس سنوات من قيادة التجمع الوطني للأحرار للحكومة، انتقلت رئاستها إلى الأصالة والمعاصرة، لتقود فاطمة الزهراء المنصوري أغلبية أبقت الاستقلال في موقع الشريك، وأعادت الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية إلى المشاركة الحكومية.
وأفضت مشاورات امتدت 17 يوما، وهي الأقل في تاريخ تشكيل الحكومات بالمغرب، إلى تشكيلة تتولى فيها الأحزاب مسؤولية قطاعات اقتصادية واجتماعية أساسية، فيما يجمع فريقها بين وجوه جديدة وأسماء ذات تجربة وزارية وكفاءات غير حزبية.
وتستقبل الحكومة الجديدة انتظارات اجتماعية تتقدمها فرص الشغل، وجودة العلاج والتعليم، وتقليص الفوارق بين الفئات والمناطق؛ وهي ملفات ترتبط بها مصداقية السياسات العمومية وثقة المواطنين في المؤسسات.
حكومة بنفس سياسي
ويرى المحلل أمين السعيد، أستاذ القانون الدستوري بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس، أن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري تقترب من نموذج الحكومة السياسية، في تركيبة تجمع أغلبية رباعية وتجديدا في الأسماء والاختصاصات، ويربط تقييم أدائها بقدرتها على تنسيق الأولويات وتحويلها إلى سياسات تستجيب لانتظارات المواطنين.
وفي قراءته للتشكيلة الجديدة، قال السعيد في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، إن تشكيل “حكومة فاطمة الزهراء المنصوري يتيح قراءة تحول محتمل في تدبير الشأن الحكومي بالمغرب، من خلال طبيعة الأغلبية وتوزيع القطاعات الوزارية والأولويات المعتمدة”.
وأوضح أن الحكومة الجديدة جاءت “بتحالف يضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن التشغيل والخدمات الاجتماعية وفعالية السياسات العمومية.”
ويتوزع التمثيل الحزبي داخل الحكومة بين الأصالة والمعاصرة بـ11 عضوا، بمن فيهم رئيسة الحكومة، والاستقلال سبعة أعضاء، والاتحاد الاشتراكي بخمسة حقائب، والتقدم والاشتراكية بثلاثة، إلى جانب ستة وزراء تقنوقراطيين.
وعن البنية السياسية للفريق الحكومي، أوضح المحلل ذاته أن الحكومة الجديدة “تقترب، من حيث بنيتها الحزبية وتوزيع المسؤوليات، من نموذج الحكومة السياسية”، شارحا ذلك بالقول: “فأغلبيتها، المكونة من أربعة أحزاب، تتوفر على 207 مقاعد برلمانية، كما أُسندت قطاعات استراتيجية، تشمل الاقتصاد والمالية والعدل والفلاحة والطاقة والتحول الرقمي إلى شخصيات حزبية، بما يعزز مسؤولية الأحزاب عن الاختيارات الحكومية ونتائجها أمام البرلمان والرأي العام.”
وتوزعت المسؤوليات داخل بعض القطاعات بين أكثر من مكون في الأغلبية؛ ففي التربية الوطنية، يتولى نبيل بنعبدالله، من التقدم والاشتراكية، الوزارة، إلى جانب كمال الهشومي، من الاتحاد الاشتراكي، وزيرا منتدبا مكلفا بالتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، وماديحة خيير، من الاستقلال، مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، ما يوفر مثالا على امتداد مسؤولية التنسيق إلى داخل القطاع الواحد.
17 يوما.. مشاورات قياسية
وبشأن حجم التشكيلة، قال الأستاذ الجامعي إن “ضم الحكومة 32 عضوا، بينهم رئيسة الحكومة و20 وزيرا و11 وزيرا منتدبا، إلى جانب الأمين العام للحكومة ضمن التشكيلة المعلنة، يضعها، من حيث الحجم، بين حكومة عزيز أخنوش، التي انطلقت سنة 2021 بـ24 عضوا، وحكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، اللتين عرفتا تشكيلتين أكبر في بعض مراحلهما.”
وأشار السعيد أن تشكيل الحكومة الجديدة “استغرف 17 يوما فقط، من تعيين فاطمة الزهراء المنصوري في 29 شتنبر إلى الإعلان عن التشكيلة الحكومية في 16 أكتوبر 2026، لتسجل بذلك أقصر مدة لتشكيل حكومة مقارنة بالحكومات المغربية المتعاقبة”.
وأضاف أن هذه المدة القصيرة بين تعيين رئيسة الحكومة وتعيين أعضاء الحكومة “ستظل مرتبطة بمدى قدرة مكونات الأغلبية على تحقيق الانسجام، وتجاوز الخلافات، وتنسيق الأولويات والبرامج. وتظل فعالية الحكومة، في نهاية المطاف، رهينة بوضوح الاختصاصات وجودة التنسيق بين مكوناتها.”
واستدرك في تقييم هذا المعطى قائلا: “كما يشكل قصر المدة التي استغرقها تشكيلها مؤشرا على سرعة المشاورات”، مؤكدا أنه “لا يكفي وحده للحكم على مستوى الانسجام السياسي أو الفعالية الحكومية.”
تجديد النخب.. 22 وجها جديدا
أما في قراءته للأسماء المعينة، فقال الأكاديمية عينه في حديثه للجريدة إن التشكيلة الحكومية تشهد “تجديدا على مستوى النخب، إذ تضم نحو عشرة أعضاء استمروا في مناصبهم أو عادوا إلى المسؤولية الحكومية، مقابل 22 عضوا جديدا مقارنة بتشكيلة الحكومة السابقة عند انطلاقها، أي ما يقارب 68.8 في المئة من مجموع أعضائها”.
وعن الحضور النسائي، لفت إلى حضور سبع نساء من أصل 32 عضوا، بنسبة تصل إلى 21.9 في المئة، مع تولي امرأة رئاسة الحكومة للمرة الأولى في المغرب، لافتا إلى أن هذه المعطيات تعكس “تجديدا للتركيبة البشرية، كما تطرح تساؤلات بشأن مدى تعزيز حضور النساء داخل مراكز القرار.”
إلى جانب رئاسة الحكومة، تحمل النساء حقائب الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، والأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، فضلا عن الوزارات المنتدبة المرتبطة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، والإسكان وسياسة المدينة، والتكوين المهني والتأهيل، وإصلاح الإدارة.
وبالربط بين تركيبة الفريق وتوزيع اختصاصاته، يؤكد أستاذ القانون الدستوري بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس أن الحكومة الجديدة “تجمع بين استمرارية بعض المسؤولين وتجديد النخب والاختصاصات، في إطار أغلبية حزبية واسعة وتوجه يقترب من نموذج الحكومة السياسية.”
الأولويات تعيد هندسة الحقائب الوزارية
وتقوم الهندسة القطاعية على تجميع مجالات مترابطة؛ إذ تضم حقيبة رياض مزور الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، فيما تجمع حقيبة محمد المهدي بنسعيد الشباب والثقافة والرياضة، ويتولى جلال شرف السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني. وتفتح هذه الصيغ مجالا لربط برامج القطاعات المجمعة، مع توزيع متابعة بعض ملفاتها على وزراء منتدبين.
وفي ما يتعلق بالأولويات التي تحملها التسميات الجديدة للوزارات وإلحاق قطاعات بوزارات على غرار الرياضة، الذي أصبح ملحقا بوزارة الشباب والثقافة، أوضح أمين السعيد أن التشكيلة الجديدة تبرز “عددا من الملفات الاستراتيجية، من خلال إحداث قطاع للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، وإدراج السيادة الغذائية ضمن اختصاصات وزارة الفلاحة والصيد البحري، وإضافة النجاعة العمومية إلى اختصاصات وزارة الاقتصاد والمالية، ونقل قطاع الرياضة إلى وزارة الشباب والثقافة”، مشددا على أنها تغييرات “تعكس اهتماما بتحديث الإدارة، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحسين فعالية الإنفاق العمومي.”
واستدرك بالقول: “غير أن نجاحها يظل مشروطا بتحديد أهداف واضحة، وتوفير الموارد الكافية، واعتماد آليات فعالة للتنسيق والتقييم.”
وشدد أمين السعيد على معيار الانتقال من التشكيل إلى الحصيلة، لافتا إلى أن “التحدي الأساسي يظل هو ترجمة هذه الاختيارات إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم، وتحسين الخدمات العمومية والاستجابة للانتظارات الاجتماعية، بما يعزز فعالية المؤسسات ويرسخ ثقة المواطنين فيها”.











