أفرزت الانتخابات البلدية التي شهدتها جنوب إفريقيا، الأربعاء الماضي تراجعا حادا لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي الذي يقود البلاد منذ نهاية نظام الفصل العنصري سنة 1994، مقابل تقدم أحزاب المعارضة وفي مقدمتها حزب أومخونتو وي سيزوي، الذي يتزعمه الرئيس السابق جاكوب زوما وأعلن سنة 2025 دعمه لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء.
وتضع هذه النتائج التي لم تُعلن نهائيا بعد، التوازنات السياسية في بريتوريا أمام اختبار جديد، في بلد ظلت حكوماته المتعاقبة من أبرز الداعمين لجبهة البوليساريو، فيما تشير أحدث المعطيات الانتخابية المتاحة إلى حدود مساء أمس السبت إلى حصول المؤتمر الوطني الإفريقي على نحو 30.9 في المائة من الأصوات، مقابل 45.6 في المائة خلال الانتخابات البلدية لسنة 2021، أي بتراجع بلغ 14.7 نقطة مئوية.
وفي المقابل، تقدم التحالف الديمقراطي إلى 24.6 في المائة، بينما حصل حزب زوما على 9.7 في المائة في أول مشاركة له في الانتخابات البلدية، متقدما على حزب المقاتلين من أجل الحرية الاقتصادية، الذي تراجعت حصته إلى 6.3 في المائة.
وجاءت هذه النتائج بعد فرز 99.5 في المائة من الدوائر الانتخابية، وفق بيانات اللجنة الانتخابية المستقلة فيما يرتقب الإعلان الرسمي عن النتائج النهائية اليوم الأحد 8 نونبر ليواصل المؤتمر الوطني الإفريقي خسارة جزء من قاعدته الانتخابية، بعد أن فقد أغلبيته المطلقة في الجمعية الوطنية خلال الانتخابات العامة لسنة 2024.
ولم يقتصر تراجع الحزب الحاكم على المستوى الوطني، بل شمل عددا من المراكز الحضرية الكبرى، حيث أظهرت النتائج الأولية تقدم التحالف الديمقراطي في جوهانسبورغ وتشواني وإيكورهوليني، مقابل تقدم حزب زوما في إيثيكويني التي تضم مدينة ديربان إحدى أهم المدن الاقتصادية والساحلية في البلاد وهي نتائج تعكس اتساع المنافسة على المجالس البلدية التي كان المؤتمر الوطني الإفريقي يحتفظ فيها بنفوذ انتخابي واسع.
وتكشف المعطيات المتعلقة بتوزيع المقاعد عن تعقيدات إضافية تنتظر الأحزاب الجنوب إفريقية، بعدما أظهرت النتائج المعلنة في 204 مجالس من أصل 213 أن 131 مجلسا لم يحصل فيها أي حزب على أغلبية مطلقة، مقابل 73 مجلسا أفرزت أغلبية حزبية ويعني ذلك أن تشكيل السلطات المحلية في عدد كبير من البلديات سيكون رهينا بالمفاوضات بين الأحزاب، بدل قدرة حزب واحد على تدبير المجالس بصورة منفردة.
وتكتسي هذه التحولات أهمية خاصة في إقليم كوازولو ناتال، المعقل السياسي للرئيس السابق جاكوب زوما، حيث سجل حزبه تقدما انتخابيا واضحا، مستفيدا من إعادة توزيع أصوات الناخبين بين القوى السياسية المتنافسة وكان حزب أومخونتو وي سيزوي قد برز بقوة خلال الانتخابات العامة لسنة 2024، قبل أن يخوض أول اختبار بلدي له خلال اقتراع نونبر الجاري.
غير أن تقدم الحزب لم يمنع بروز خلافات بشأن عملية فرز الأصوات، إذ أعلن مسؤولون فيه، السبت، أنهم يدرسون إمكانية اللجوء إلى المحكمة الانتخابية للطعن في بعض النتائج، على خلفية اختلالات يقولون إنها شابت عمليات احتساب الأصوات وتسجيلها إلكترونيا خصوصا في كوازولو ناتال. ولم يقدم الحزب هذه الاتهامات باعتبارها مخالفات ثبتت قضائيا، بل باعتبارها شكاوى تستوجب الدراسة قبل اتخاذ قرار بشأن الطعن.
وفي السياق نفسه، أفادت اللجنة الانتخابية المستقلة بتلقي 197 اعتراضا مرتبطا بالعملية الانتخابية، مع قبول اعتراضين يستوجبان إعادة معالجة النتائج المعنية. وتؤكد هذه التطورات أن النتائج المتداولة تظل أولية إلى حين استكمال الإجراءات القانونية والإعلان الرسمي عنها.
من خلاف انتخابي إلى مواجهة حول الصحراء
تتجاوز أهمية تقدم حزب زوما الحسابات المرتبطة بتشكيل المجالس البلدية، بالنظر إلى الموقف الذي أعلنه الحزب من قضية الصحراء خلال السنة الماضية، في خروج واضح عن التوجه الدبلوماسي الذي دافع عنه المؤتمر الوطني الإفريقي لعقود.
ففي 15 يوليوز 2025، أجرى جاكوب زوما مباحثات في الرباط مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أعلن على إثرها دعم حزبه لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.
وجاء هذا الموقف من رئيس سابق لجنوب إفريقيا سبق أن تبنى، خلال وجوده على رأس الدولة والحزب الحاكم، الموقف الرسمي الداعم لتقرير المصير في الصحراء.
ولم يمر إعلان زوما دون رد من المؤسسات الرسمية في بريتوريا، إذ أصدرت وزارة العلاقات الدولية والتعاون الجنوب إفريقية، في 6 غشت 2025، بلاغا اعترضت فيه على استخدام العلم الوطني خلال لقائه بوزير الخارجية المغربي، معتبرة أن توظيف الرموز الوطنية في اجتماع مع زعيم حزب معارض لا يمثل الدولة يشكل إخلالا بالأعراف والبروتوكولات الدبلوماسية.
وشددت الوزارة في البلاغ ذاته، على أن لقاء زوما ببوريطة لا يندرج ضمن العلاقات الرسمية بين حكومتي البلدين، في موقف عكس حجم الخلاف الذي أثاره تبني الرئيس السابق للمبادرة المغربية.
وبعد يومين، عاد حزب أومخونتو وي سيزوي إلى الدفاع عن موقفه، خلال ندوة صحافية عقدها في ساندتون يوم 8 غشت 2025. ونقلت إذاعة Eyewitness News عن المتحدث باسم زوما ماغاسيلا مزوبي، أن تغيير الموقف جاء بعد الاطلاع على معطيات ووقائع جديدة، معتبرا أن السياسة السابقة لم تحقق النتائج المرجوة منها.
هل تتأثر سياسة بريتوريا الخارجية؟
يطرح تقدم حزب زوما في الانتخابات البلدية سؤالا حول موقع قضية الصحراء داخل التنافس السياسي الجنوب إفريقي، خصوصا أن الخلاف بين حزبه والمؤتمر الوطني الإفريقي لم يعد مقتصرا على إدارة الشأن الداخلي، بل امتد إلى أحد الملفات التي شكلت جزءا من التوجهات الدبلوماسية لبريتوريا.
وتحافظ جنوب إفريقيا على موقف رسمي داعم للجبهة الانفصالية وراعيتها الجزائر وهو الموقف الذي أعادت وزارة العلاقات الدولية والتعاون تأكيد استقلاله عن التحركات السياسية للرئيس السابق.
وفي المقابل، أصبح مقترح الحكم الذاتي المغربي يحظى بتأييد معلن من حزب احتل المرتبة الثالثة في النتائج الأولية للاقتراع البلدي، بعد أن رسخ حضوره ضمن القوى البرلمانية الرئيسية منذ انتخابات 2024.
و تكشف نتائج الاقتراع عن تغير في موازين القوى داخل المشهد الحزبي الجنوب إفريقي، فالمؤتمر الوطني الإفريقي، الذي احتفظ بموقعه كأكبر حزب من حيث الأصوات، سجل تراجعا جديدا مقارنة بسنة 2021، بينما عزز منافسوه حضورهم في مدن ومجالس كانت تمثل مراكز مهمة لنفوذه السياسي.
وبالنسبة إلى العلاقات المغربية الجنوب إفريقية، يتمثل التطور المؤكد في وجود خلاف معلن بين الحكومة وحزب معارض رئيسي حول قضية الصحراء، بعدما كانت مواقف زوما منسجمة مع التوجه الرسمي خلال فترة رئاسته. أما انتقال هذا الخلاف إلى مستوى القرارات الدبلوماسية، فيظل أمرا لا تثبته النتائج البلدية وحدها.




