تجمع “حكومة المنصوري”، المعينة عشية اليوم الجمعة، بين غلبة التمثيل الحزبي، وحضور وجوه نسائية وقادمة من التنظيمات الشبابية، والاستعانة بكفاءات ذات خبرة مهنية ومؤسساتية، إلى جانب أسماء راكمت تجربة وزارية.
وتكشف قراءة في تركيبتها ومسميات قطاعاتها عن هندسة تراهن على تجميع مجالات مترابطة، وإبراز أولويات تشمل المساواة والنجاعة العمومية والسيادة الغذائية والذكاء الاصطناعي والابتكار والحوار الاجتماعي، مع إسناد ملفات محددة إلى وزراء منتدبين.
وزراء منتدبون بدل كتاب الدولة
وضمت التشكيلة التي ترأس جلالة الملك محمد السادس مراسم تعيين أعضائها، اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، 32 عضوا، بينهم رئيسة الحكومة و11 وزيرا منتدبا، من دون أن تتضمن أي كتابة للدولة، وهي صيغة تجعل تنظيم العلاقة بين المسؤولية القطاعية والمهام المنتدبة أحد مفاتيح اشتغال الفريق الحكومي الجديد.
وفي مقابل غياب كتابات الدولة، تتيح هذه الصيغة إسناد ملفات محددة إلى مسؤولين حكوميين يتولون متابعتها، مع إبقاء التكامل بينها وبين القطاعات الجامعة رهانا أساسيا.
وعلى المستوى السياسي، يتصدر الأصالة والمعاصرة التمثيل بـ11 عضوا، بمن فيهم رئيسة الحكومة، يليه الاستقلال بستة أعضاء، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بأربعة، والتقدم والاشتراكية بثلاثة، فيما يشغل غير الحزبيين 7 مناصب.
ويمنح هذا التوزيع مضمونا لـ”الحكومة السياسية”، من خلال حضور قيادات وأسماء ارتبطت بالعمل الحزبي والتنظيمي والبرلماني.
ويتجسد ذلك في تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة، وحضور نبيل بنعبدالله، الأمين العام للتقدم والاشتراكية، ونزار بركة، الأمين العام للاستقلال، إلى جانب مسؤولين من الأجهزة القيادية والتنظيمات الموازية للأحزاب المشاركة.
وتضع هذه الصلات الحزبية أعضاء الحكومة أمام مسؤولية الربط بين الاختيارات السياسية التي يدافعون عنها والقرارات التي سيتولون تنفيذها بناء على البرنامج الحكومي المنتظر أن يقدم أمام غرفتي البرلمان.
وتتخذ الصفة السياسية للحكومة، التي رفع شعارها “البام” منذ الحملة الانتخابية، معناها العملي في قدرتها على بناء اختيارات مشتركة بين مكوناتها، وتفسير تلك الاختيارات والدفاع عنها داخل البرلمان وأمام المواطنين.
حكومة السياسة والكفاءة
يترافق هذا الحضور مع الجمع بين التجديد والاستمرارية في التشكيلة الحكومية الجديدة، إذ تضم الحكومة، إلى جانب الأسماء التي تدخل إلى المسؤولية الوزارية بمهام جديدة، شخصيات ذات تجربة في تدبير الشأن العام، سيما في الحكومة السابقة، وعلى رأسهم فاطمة الزهراء المنصوري، وعبداللطيف وهبي، وعز الدين ميداوي، في البام، ونزار بركة ورياض مزور وعبد الصمد قيوح وعمر حجيرة وعبد الجبار الرشيدي عن الاستقلال.
فيما يستمر عبد الوافي لفتيت في الداخلية، وناصر بوريطة في الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وأحمد التوفيق في الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعبد اللطيف لوديي في إدارة الدفاع الوطني، ما يمنح الاستمرارية المؤسساتية داخل تشكيلة تتغير فيها أسماء ومسؤوليات ومسميات قطاعات.
حضور النساء والشباب يتجاوز التمثيل
يبرز البعد النسائي في التشكيلة ابتداء من رئاستها، مع تولي فاطمة الزهراء المنصوري، أول امرأة تشغل رئاسة الحكومة في المغرب، قيادة الفريق الجديد.
وتضم الحكومة سبع نساء، موزعات بين رئيسة الحكومة ووزيرتين وأربع وزيرات منتدبات، بما يعادل نحو 22 في المئة من مجموع أعضائها.
ويمتد الحضور النسائي إلى مسؤوليات متنوعة؛ إذ تتولى شرفات أفيلال وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، ونجوى ككوس وزارة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، فيما تتكلف قلوب فيطح بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، وفاطمة السعدي بالإسكان وسياسة المدينة، وماديحة خيير بالتكوين المهني والتأهيل، وعائشة كلاع بإصلاح الإدارة.
ويبرز هذا التوزيع وضع النساء في قطاعات تمس الموارد والإدارة والتأهيل المهني والمجال الحضري والعلاقة بالمؤسسات التمثيلية.
وتمنح إضافة المساواة إلى تسمية القطاع الذي تتولاه نجوى ككوس حضورا صريحا لهذا الرهان داخل البناء الحكومي.
أما البعد الشبابي، فيظهر من خلال مسارات بعض الأسماء القادمة من التنظيمات الموازية إلى المسؤولية التنفيذية، إذ يقدم تعيين صلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، وزيرا منتدبا مكلفا بالشباب، مثالا مباشرا على هذا الانتقال.
أيضا، يحمل مسار نجوى ككوس، التي سبق أن ترأست المنظمة الشبابية للحزب، صلة بهذا المسار التنظيمي، فيما تأتي قلوب فيطح من تجربة برلمانية وقيادة منظمة نساء الحزب.
تخصصات خارج القوالب الحزبية
موازاة مع المسارات السياسية، ارتكزت التركيبة الحكومية على الكفاءات من خلال إسناد مسؤوليات إلى شخصيات ذات تجربة مهنية ومؤسساتية مرتبطة بمجالات اشتغالها.
ويبرز الاتحادي يونس بجيجو، الذي تولى مهام المدير المنتدب لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، ضمن هذا التوجه في قطاع الصحة والحماية الاجتماعية.
أيضا، يأتي أحمد رحو إلى وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة بمسار شمل المعلوميات والتدبير والاستشارة الاستراتيجية والعمل البنكي ورئاسة مجلس المنافسة، بعد تكوين في الهندسة والاتصالات.
وتتيح المزاوجة بين الخبرة السياسية والتخصص المهني الذي تتميز به “بروفايلات” أعضاء الحكومة الجديدة، بناء فريق تتوزع داخله أدوات متعددة لفهم الملفات وتدبيرها، إذ تساعد الخبرة الحزبية والبرلمانية على بناء التوافق وتفسير القرارات، فيما توفر المعرفة القطاعية أدوات إعداد الحلول ومتابعة تنفيذها.
تجميع الملفات لاختبار التنسيق الحكومي
على مستوى الهندسة الحكومية، تتجه التشكيلة إلى تجميع مجالات متقاربة داخل أقطاب قطاعية واسعة، ويظهر ذلك في جمع التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، إضافة إلى الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، ثم الشباب والثقافة والرياضة، وزيادة على السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني.
ويقدم قطاع التربية الوطنية أحد أبرز أمثلة هذا البناء؛ إذ يتولاه نبيل بنعبدالله، مع إسناد التعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي إلى كمال الهشومي، والتكوين المهني والتأهيل إلى ماديحة خيير، لتتوزع المسؤوليات بذلك بين التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي والاستقلال، داخل قطاع يفترض أن تتكامل فيه مراحل التعلم والاستمرار في الدراسة واكتساب المهارات.
وفي المجال الاقتصادي، يتولى رياض مزور وزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، مع إسناد التجارة الخارجية إلى زميله في الحزب عمر حجيرة.
وبموازاة ذلك، يتولى عبد الرحيم شهيد وزارة التشغيل والحوار الاجتماعي، وهو اقتران يضع قضايا العمل إلى جانب التفاوض مع الفاعلين الاجتماعيين داخل مسؤولية قطاعية واضحة، في مسار تأكيد مأسسة الحوار الاجتماعي.
وتحمل وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، المسندة إلى فوزي لقجع، عنوانا يربط تدبير الموارد العمومية بفاعلية استخدامها، بحيث يصبح تقييم أثر الإنفاق ومردودية البرامج وجودة الخدمات جزءا أساسيا من رهان القطاع.
وفي الفلاحة، تمنح إضافة السيادة الغذائية إلى القطاع الذي يتولاه خالد حاتيمي حضورا صريحا لقضايا الإنتاج وتلبية الحاجات الغذائية.
ولأول مرة في تاريخ المغرب، تتضمن التشكيلة الحكومية وزارة للذكاء الاصطناعي تم إلحاقها بوزارة التحول الرقمي وإصلاح الإدارة، أُسندت إلى أحمد رحو، في أحد أبرز مستجدات حكومة فاطمة الزهراء المنصوري.
ويمنح إدراج الذكاء الاصطناعي في صدارة تسمية الحقيبة هذا المجال موقعا صريحا ضمن المسؤوليات الحكومية، بالتزامن مع انتقال تدبير التحول الرقمي وإصلاح الإدارة من وزارة منتدبة لدى رئيس الحكومة إلى وزارة تجمع الاختصاصات الثلاثة.
وتتيح هذه الهندسة ربط تطوير الذكاء الاصطناعي بتحديث الإدارة وتحسين الخدمات العمومية، مع إسناد إصلاح الإدارة إلى الوزيرة المنتدبة عائشة كلاع.
ويحضر الابتكار ضمن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، التي يتولاها عز الدين المداوي، بما يصل الرهان الجامعي بإنتاج المعرفة وتطوير الحلول. ويحتاج هذا المجال إلى تفاعل مع الصناعة والصحة والفلاحة والذكاء الاصطناعي، وهي قطاعات تمنح البحث العلمي مجالات تطبيق متعددة، ما يجعل التنسيق بين الوزارات المعنية أحد شروط تحويل الابتكار إلى مساهمة عملية في التنمية.
رهانات الدولة الاجتماعية
أما أفق الدولة الاجتماعية، فتتوزع أدواته بين الصحة والحماية الاجتماعية، والتربية والتأهيل، والتشغيل والحوار الاجتماعي، والأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة.
ويضيف تعيين رشيد حموني وزيرا منتدبا مكلفا بالإدماج الاجتماعي متابعة مخصصة لهذا الملف داخل القطاع الذي تتولاه نجوى ككوس.
وفي قطاع الشباب والثقافة والرياضة، المسند إلى محمد مهدي بنسعيد، يوفر حضور وزير منتدب للشباب إمكانية تخصيص متابعة لهذا المجال داخل قطاع يجمع أدوات للتأطير والمشاركة والإبداع والممارسة الرياضية.
ويجمع قطاع السياحة، الذي يتولاه جلال شرف، بين الصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني، مع إسناد هذين الملفين إلى عبد الجبار الرشيدي.
وتندرج وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، المسندة إلى سمير بلفقيه، ضمن الرهانات نفسها والاستمرارية في القطاع الذي كانت تشرف عليه فاطمة الزهراء المنصوري في الولاية الحكومة السابقة، مع تعيين فاطمة سعدي وزيرة منتدبة مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة.
وتبرز، في هذا السياق، أهمية عمل رئاسة الحكومة والأمانة العامة للحكومة، التي يتولاها حسن طارق، إلى جانب التواصل بشأن القرارات عبر الناطق الرسمي باسم الحكومة سمير بلفقيه، والدور الذي تضطلع به وزارة العدل، المسندة إلى عبد اللطيف وهبي، في الملفات التشريعية المرتبطة باشتغال القطاعات.











